الرئيسية » الآداب » قصاصات ورقية…..

قصاصات ورقية…..

قصاصات ورقية اعتاد أن يجمعها في جيوب جاكيته القديم, كل منها تحمل أبيات شعرية او خاطرة كتبها حين يجلس في مقهى للأدباء, درج مارد الشعر سطورا على حياته فغير معالمها, لم يلتفت لمجريات أعوام تاهت دون ان تقتفي أثار سيراً في اتجاهات معتدلة, فظل هو حبيسا في دوامة اللا تغيير, حتى جاء اليوم الذي قلب مجريات عقله وأثار أحاسيس خبت إلا من معان في أبيات شعرية, قارب الأربعين من عمره حين أحس بأنفاس قلبه تتسارع, عيون تلاحق من اصطدمت به مسرعة دون شعور، فأسقطت من بين يديه تراكمات لأبيات شعرية في بناء لقصائد غير مكتملة, ألتفتت نحوها بعد ان امتزجت هرموناته رأسا على عقب, أراد زجرها, لكن لسانه ابتلع كل حروف الهجاء, لم يشعر إلا بكلمات طفولية ترنو مرددة حروف لهفة شوق الى صدر حنون, سيدتي الجميلة… انني اعتذر, بل استجدي الاعتذار عما بدر مني, استوقفتها سطور الشيب تلك وبريق عينيه, بل حتى إنها شعرت بدقات قلبه المتراقصة ولهاً, ابتسمت ورامت ترشقه بنظرة أحس بدفء روحه معها, لقد ألف مثلها في ريعان شباب قبل ان يكسر الزمن مرآة نفسه لتتحول بعدها سنينه أيام مبعثرة هنا وهناك, تقاسمها أبيات شعرية في قصائد تائهة, ابتعدت… بقي هو يشم عبير عطرها السرمدي في نفسه, رسم لوحة بمخيلته صاغها على قصاصة ورقية أخرجها من جيب أعتكف الحب ناسكا في معبده, يصلي من أجل فردوس بحياة, وهاهو الله قد استجاب لدعائه, فأدله عليها, لقد رآها حورية تتمايل، تورق النفس موسيقى حين شم عبقها, كتب على قلبه أبيات الشعر قبل قصاصته فكانت كالنقش في الحجر, أردفها آه بزفير لم يعي نفسه إلا بعد ان استوقفه بوق مركبة مسرعة, جالت عيناه في فضاء مزدحم بالمارة , تاهت حورية العطر بين صخب ومستنقعات زحام حديدية, فارقت نفسه رائحة عبيرها بعد ان طغت عوادم الحياة من نفث سمومها, دحرج قصاصته، عاد الى غرفته منطويا راميا بنفسه على رف ذكريات أثخنها غبار وصعوبة تنفس، فدفنت بأكفان ضاع التعريف عنها ومسمياتها, فأمست بلا عنوان, شأن حياته التي قضاها عدًا دون رجاء, دخل ولأول مرة سائلا يسأل في نفسه يقول له: من هي؟ ومن تكون؟ هل ستحاول رؤيتها في الغد؟ أم تجعلها أحجية في بيت شعر تدلفه في دهاليز جيوبك المظلمة السواد برفقة تلك القصاصات المتشابهة, ثم تحكم على نبضات قلبك بالإعدام, ألا تحب الحياة؟ كيف تكون شاعرا وأنت بلا إحساس أو بأمل شاعر!؟ تفتحت بداخله نتوءات جراحات اندملت بمرور وقت محى فيه ترادف ايام, أحساس لم يكن يتوقع ان يوقظ قشعريرة ماتت, زاغت عيناه الى مرآة معلقة على الحائط, لم تعكس في يوم الصورة على حقيقتها بعد ان سحق التراب والزمن معالم بقاياها, أحس بحموضة في معدته وهو يتذكر عصاراته التي تمرغت بدموع جياشة الى عدم رحيل, إلا انها فضلت بهرجة الحياة على قلب وحب, مد يده الى مطفأة السكائر رمى بها المرآة لتتحطم وتسقط بقصاصة صورة كانت مخفية بها, تتبع نزولها وانكسارها في زاوية الغرفة, رأى تلك العيون التي أخذت من مساحة الصورة الكثير والابتسامة, اخترقت نظراتها كل مساحات السنين، كأنها تسبح في فضاءات ماضيه، متسائلة أين كنت؟؟ وأين أنا؟!؟ لم يرغب ان يجيب على سؤال مات بداخله, أشاح بوجهه نحو الوسادة التي حملت آلام رأسه وأفكاره هواجس شِعر، حتى حبلت بأحلام جسدتها بخواطر وأبيات شعرية من حياة تبحث عن النسيان, لم يكن لحظتها يبحث عن شيء يفعله, فقد ماجت ببراعم أنفه بقايا نفحات عطر أمسكت ببراعمه كأنها تقول له أنا هنا, نهض مسرعا لملم قطع الزجاج المتساقط مع الصورة ثم رمى بهما الى سلة المهملات, جلس على طاولته التي شاركته في كل شيء، بعدما حملت هموم قصاصات ذات شكل واحد لم يتغير من أحاسيس وأوجاع ومخاض أشعار في قصائد, كثيرا ما لامته على ترك قصائده بلا نهاية، فكلها مبتورة ودون عناوين, أخرج القصاصات من جيوبه ووضعها على الطاولة، كلها متشابهة في الورق, أخذ يفرز بها ويتمتم نعم هذه… هي سأكملها الليلة, أخذ يصيغ أبيات شعر منتشيا برائحة عطرها ونظرات عينيها, حتى بزغ الفجر، أطلق ديك الجيران صيحته الشهيرة وأخذ يردد هو الصباح بان هيا يا نيام قوموا قبل فوات الأوان, كان هذا ما يقوله لنفسه كل صباح حين يسمع صياحه, استعد ليوم عمل طفق به بين أضابير وملفات, صباح الخير كعادته يطلقها على كل من يراه في طريقه, الجميع ينظر الى وجهه، أنه مستبشر اليوم غير مكفهر، أخذوا بالهمس… ماذا جرى؟!! لقد تفرجت أساريره على غير عادته, جلس خلف مكتبه والأرشيف الذي تعتقت به أوليات المئات من البشر، صباح الخير أيها الورق, كم انت مهم؟ ثم أخرج القصيدة التي كتبها بالأمس مع قصاصات أخرى وقرأها, قال في نفسه حين أراها… هذا إن رأيتها صدفة سأمررها لها، وإذا أرادت الحديث معي فقد كتبت رقم هاتفي في أخر القصيدة, قضي يومه بين مراجعين ومراجعات في إدارة وأقسام حتى انتصاف النهار, تراخى، طلب من الفراش قهوة حلوة على غير عادته, ضحك الفراش وقال: إنشاء الله يجعل كل أيامك حلوة يا شاعر, ابتسم ولأول مرة يهتم بتعليق من أحد, فتح الدرج أخرج منه سيجارة وما أن وضعها في فمه وأراد إشعالها دخلت عليه غرفة الأرشيف .. بقي متسمرا!!! عيناه في شخوص، عرق أغدق جبهته ووجهه… باردا, لقد نشف الدم في عروقه, لم يعي حتى سمع صوتها يقول: صباح الخير يا أستاذ… أنا لدي معاملة أردت أن أكملها: فقالوا: عليكِ بملفات الأرشيف, لم يصدق ما يراه! سحب السيجارة من فمه الذي تيبس، لكنها علقت بين شفتيه، أراد الحديث فلم تنبس شفتاه بسوى أهلا وسهلا, دخل الفراش حاملا القهوة، وجده على ذلك الحال فصاح القهوة يا شاعر، عذرا… القهوة يا أستاذ, عاد الى رشده مرتبكا وقال لها: تفضلي بالجلوس سأقوم باللازم , فتح الملف بعد ان أخذه من يدها، نظر إليه دون ان يقرأ أي شيء ثم قال: ماذا تريدين بالضبط؟ تبسمت وقالت: لاشيء مجرد أريد نسخة من ملفنا في الأرشيف لديكم يثبت ان والدي قد خدم هنا سابقا, قال: والدك أنت … هنا!!! خدم سابقا .. أرجوك قولي لي من هو فأنا أعرف الجميع هنا الأرشيف كما ترين, نعم أنه معاون المدير السابق وأنا أبنته, أهلا وسهلا يا مرحبا شرفتنا زيارتك، كيف الوالد وما هي أخباره؟ أحملك سلامي له، قولي أستاذ شهاب يهديك التحية, وخلال لحظات أتمم الأوراق لها, وقبل ان تذهب قال لها: ألم ألتقيك من قبل كالأمس مثلا؟ حين اصطدمت بي مسرعة, أجابت ..لا أدري يمكن ذلك! فرد بسرعة بل انا متأكد فالعطر لا يكذب أنه نفس العطر الذي شممت البارحة، ضحكت بشدة, يا لك من رجل عجيب تعرف المرأة من عطرها مردفا… بالطبع سيدتي فأنه أخاذ ومميز, عموما هنا ليس مكان حديث، هل أسألك بجرأة عن لقاء معك لو سمحت بذلك؟ لا بالطبع لا أسمح, صعق!!! كأن صفعة لطمته بقوة دوت خيبة، مستغربا في نفسه! ما لي هل جننت!؟ ماذا حدث لي؟ فبادرها معتذرا… عذرا لم أكن أقصد أي شيء، انما قصدت الحديث معك ومع والدك إنني أعتذر … ثم عاد وجلس على مكتبه, أما هي فأحست بخيبته والإحراج الذي تسبب له بردها, جلس والقهوة قد بردت, مد يده ليحتسيها، وما ان ذاقها حتى صاح يا فراش تعال… هات القهوة مُرة يا عم, عاد الى غرفته يشعر بخيبة الأمل من تصرفه الأرعن هذا, وقال.. لقد تصورت نفسي مراهقا يا لي من أهبل, المهم ان القصيدة بداخل الملف الذي بيدها وإذا أرادت الحديث ستتصل بي, جاء المساء وكعادته ذهب الى المكان الذي يقصده كل ليلة، جلس دون ان يتحدث او يلقي أبياتا من الشعر, استغربوا منه فقال أحدهم: ألا يوجد لديك من جديد اليوم يا شهاب, رد برأسه عليهم أنه لا.. لا يوجد, رن الهاتف (الموبايل), الرقم غريب، صاح في نفسه أنها هي، نهض مبتعدا, ألو .. ألو .. أنا شهاب من المتحدث .. أنني انا ابنة معاون المدير التي حضرت اليوم الى الأرشيف لأخذ الأوراق الخاصة بوالدي, نعم اني أتذكرك جيدا أنني أعتذر عما بدر مني, لا عليك شكرا لما قدمته من مساعدة، لكني وجدت قصيدة شعر مع الورق أهي لك؟ نعم.. إنها لي فقد كتبتها حين رأيتك أول مرة في ذلك المساء عندما اصطدمت بي, أأعجبتك!؟ إنها لك, شكرا هذا إطراء منك، في الواقع أنا لم أرها، لكن والدي حين أخذ الأوراق وفتح الملف وجدها فاستغرب من الأمر، ثم أخبرته بما حصل حين رأيتني، فضحك ثم امتعض، أنه يعرفك جيدا أستاذ شهاب, لذا فهو يريد الحديث معك… إليك والدي, ألو.. أستاذ شهاب في الحقيقة لا أدري!؟ هل أوبخك أم أشكرك على ما قدمته من مساعدة وإرسال سلامك لي, على العموم ان الذي حصل لا يمكنني اعتباره سهوا أو خطأ، فمن خلال حديثك مع ابنتي علمت انك قصدت وضع القصيدة في الملف لها، وهذا ما لا أسمح به أبدا إنه تصرف أهوج، لا يصدر من رجل في مثل سنك, لذا سأكتفي بالشكوى والحديث مع المدير العام، وأكتفي بنقلك من الدائرة الى المناطق النائية حتى يتسنى لك كتابة الشعر على مهل هناك، فالطبيعة جميلة ولا يوجد عمل يشغلك أو يلهيك عن كتابة الشعر على ورق الدائرة, عذرا سيدي العزيز انها غلطة، لم أقصدها، أما ورق الدائرة فتلك هي قصاصات ورقية لا يمكن استخدامها لذا استخدمها لكتابة الشعر، انه هوايتي منذ الصغر، أرجوك سيدي اقبل اعتذاري, سمع إغلاق الموبايل في وجهه, فعاد الى غرفته بائسا حزينا, جلس على طاولته نظر الى القصاصات الورقية وما فيها من أشعار، أخذها كلها… رمى بها الى سلة المهملات، فتذكر الصورة أخرجها بعد أن أخذ ليلته مستيقظا حتى صاح الديك، فقال: هيا يا نيام فالصباح بان وانا اليوم هنا وغدا في غير مكان بسبب الشعر وإله الشعر والهيام.