عيد الجدة

وجود الجدة والجد على رأس العائلة، نسميه تداولا بـ (البركة) ويسميه علماء الاجتماع والنفس والتربية، توازن اجتماعي في نفسية الطفل والاسرة تربويا.
اذن الجدة في حياة الطفل، تشكل نقطة التقاء ثلاثة علوم اساسية، هي التربية والنفس والاجتماع، وهي العلوم التي تصب في مكونات الفرد، اساسا؛ لتهيئته نحو الاستعداد للتبلور في نمط شخصية واضحة البناء، فاعلة في المجتمع.
ولهذا حرص صديقي واستاذي المترجم والصحفي الشهير حسام سري.. نجل شقيق رفعت الحاج سري.. على الانتقال بعياله من امريكا، خلال الثمانينيات الى العراق، ليتربى ابناؤه في احضان جدتهم، عندما تعذر عليه، قانونيا، احضارها الى امريكا.
يبرر لي صديقي سري، هذا الاصرار على الانتقال من قارة الى قارة، بابنائه، ومن بنية اجتماعية الى أخرى، تفترق عنها بمليار تقليد اجتماعي ومليون سلوك والف تصرف، كي يضمن لهم النشأة المتوازنة نفسيا وهم محتضنون تربويا من قبل جدتهم وسط المجتمع.
هذا الفهم الاولي الذي لا يعدو حدود بديهيات معرفية غير منتظمة في منهج معرفي، بيني وحسام سري، حوارا عابرا، بل وقديم، منذ سنوات، تذكرته الان، لو وضع ضمن مختبر المختصين الاكاديميين، بالتعاون من قبل منظمات المجتمع المدني والحكومة، مع الجامعات، لتاسيس فهم اجرائي دقيق لدور الجدة والجد في الاسرة، واحاطته بتوضيح سلوكي، يحول ما نسميه (وجود كبار السن بركة في البيت) الى خطوات تقليدية توضح ان كلمة (البركة) المفتوحة.. حمالة اوجه، لها مقوم تعريفي هو خبرة العمر ورجاحة العقل والخزين المعرفي والتمتع بالهدوء الذي يسيطر على لحظة انفعال المواقف منفلتة من عقالها.
استحداث عيد (الجدة) لا يقف عند حدود الرحمة بالعجزة، انما تحويلهم الى جزء من المنظومة الاجتماعية المتفاعلة، وهو حقهم الذي يجب ان يعترف به المجتمع.
فمثلما الاب يأتي بالنقود التي ينشأ على انفاقها الابناء، وتقوم الام على تدبر شؤون البيت والاسرة، للجد والجدة دور سري مقوم يضبط ايقاع العائلة، ومن دونهم تحدث نشازات واضحة في سمفونية العائلة وسط محيطها الاجتماعي العام.
لذا آن للأكاديميات ومنظمات المجتمع المدني والدولة، على استحداث عيد للجدة، تقام خلاله الكرنفالات ويحتفى بالاجداد في البيوت والشوارع والساحات العامة من قبل احفادهم، وتعقد الندوات التربوية والطبية والنفسية والاجتماعية لتأكيد الدور الشامل الذي يلعبه وجود الجدة والجد في العائلة.
هذا الاحتفال يمنح الكثير من العجائز عمرا جديدا مضافا، ويؤكد فطرة الله التي جعلت الطفل ضرورياً لاشعار ابويه باهميتهما والاب ضرورياً للفت اعطاف الاب نحو والده وهنا يصبح الجد جزءا فاعلا في صيرورة العائلة وليس عطالة تبهظ كاهل دخلها بادويته!
استحداث عيد الجدة، ضروري للاحفاد اكثر من ضرورته للاجداد؛ فكل وليد اليوم، صائر جدا لا محالة، مهما طال الوقت، فطول المدة لن يشاكس حتمية الزمن.