الرئيسية » مقالات » ألشّهيد ألصّدر؛ فقيهُ ألفقهاء و فيلسوفِ ألفلاسفة – ألحلقة ألسّابعة

ألشّهيد ألصّدر؛ فقيهُ ألفقهاء و فيلسوفِ ألفلاسفة – ألحلقة ألسّابعة

لماذا و كيفَ طرحَ آلشّهيد ألفقيه ألفيلسوف ألصّدر مرجعيّتهُ؟

كيف واجه آلشّهيد ألحرب ألخفيّة من آلمرجعيّــة ألتّقليـديــة؟

منذُ أنْ طرحَ آلشّهيد مرجعيتهُ في بداية ألسّبعينات بعد وفاة ألأمام ألحكيم أصبحَ يعيشُ بين نارين؛ مطرقة آلبعث ألجّاهل و سندان ألحوزة ألتّقليديّة,و آلسّبب بنظري يعود إلى:

أولاً: سعيهُ إلى طرح منهجٍ جديد لعرض ألأسلام ألحقيقيّ و ليسَ ألتّقليدي ألشّكليّ ألذي تعارف عليه أهل ألعراق و ألحوزة لقرونٍ طويلةٍ من دون أثرٍ إيجابي في آلأمّة!

ثانياً: ألحسد و آلغيرة ألتي إكتنفه ألتّقليديون و هم آلأكثريّة ألّتي تُسيّطر على مؤسسة ألحوزة و أموال ألخمس و آلزّكاة و آلإدارة و آلشّارع ألعراقيّ, ممّا سببتْ محاربته و تضيّق ألخناق عليه من قبل جهاز ألمرجعيّة ألتقليديّة من جهة و من آلبعثيين ألجّهلة ألمجرمين من آلجّهة ألأخرى.

يقول ألسّيد آية آلله ألعظمى محمود ألشّاهرودي؛ [بدأ آلشّهيد ألفقيه ألفيلسوف يُعرفُ للملأ .. خاصّة على صعيد طلّاب ألجّامعات و آلأوساط ألعلميّة الأكاديميّة و آلجّيل ألصّاعد خصوصاً من آلطلبة ألّلبنانيين –بوصفه فقهياً فيلسوفاً شاباً في مقتبل عطائه ألعلميّ, مع ما يحملهُ من فكرٍ حديثٍ و واسعٍ, و قد ساهم في ترسيخ صورتهِ و مكانتهِ لدى هذه ألطبقة ما صدرَ عنهُ في تلك آلمرحلة من مؤلّفات, من قبيل كتاب “فلسفتنا” و “إقتصادنا”(1)و قبلها آلمقالات ألّتي ترصّعتْ بها مجلة “ألأضواء”, أمّا بآلنّسبة لي فقد إنتظمتُ بعد الثانوية في سلك ألحوزة ألعلميّة, و منذ ذلك آلحين عرفته مفكراً إسلاميّاًّ,إلى أنْ وصلتُ إلى مرحلة ألسّطوح – و على وجه أّلتّحديد ألسّطوح ألعليا – حيث حضرتُ على بعض طلابه ألمرتبطين به, و قد قادني ذلك إلى إرتباطي به شخصيّاً, فعلاقة ألأستذه و آلتلمذه تحرز على أهميّة بالغة في بنية ألنّظام ألحوزويّ, و قد نَجمَ عن ذلك أنْ وفّقتُ للأطلاع من قرب على ألشّهيد فقهيّاً و حوزويّاً](2).

لقد علّق آلفقيه ألفيلسوف على هذه ألحادثة بآلقول: [حينما طبعتُ كتاب فلسفتنا؛ لم أكنْ أعرف أنّه سيكون له ذلك آلصّيت ألعظيم في كلّ آلعالم, ممّا يؤدي إلى تعريف و إشهار من ينسب إليه الكتاب, و كنت أفكر أحياناً فيما لو كنتُ مطّلعاً على ذلك آلمستقبل, و على مدى تأثيره في إعلاء شأني بين الناس؛ فهل كنتُ مستعدّاً لطبعه بإسم جماعة ألعلماء و ليس بإسمي كما كنت مستعداً لذلك أو لا!؟ و أكاد أبكي خشية أنّي لو كنت مطلعاً على ذلك .. لم أكن مستعداً لطبعه بغير إسمي](3).

ألشّهيد ألأمام ألفقيه ألفيلسوف لم يكن فقط فقهياً للفقهاء أو فيلسوفاً للفلاسفة؛ بلْ كانَ بآلأضافة لذلك يمتلك قوى جاذبة راسخة عديدة إفتقدها جميع أقرانه ألعلماء و من سبقوه في مضمار ألمرجعيّة و آلنّظر للأسلام و آلتّعامل مع آلأنسان, حيث كان يمتلك جاذبيّة إستثنائيّة, و كانتْ أخلاقه في غاية ألرّفعة ناهيك عن محبّته الجّياشة, خاصة تجاه طلّابه و آلعاملين في آلحركة ألأسلاميّة, كان يبكي لمجرّد سماعه إستشهاد عضو حركيّ على أيدي جلاوزة ألبعث ألهجين ألجّبان, كان يحترم ألجّميع .. بلْ يتفانى في إستقبال ألضّيف و إكرامه و مُرافقته أثناء آلتّوديع حتّى عتبة ألباب متجاوزاً بذلك ألمستوى ألماديّ و آلعلميّ و آلّلون و آلعرق كمعايير تعوّد آلنّاس على إعتبارها مقايس لتقييم ألأنسان, و كان طلابه يعتبرونهُ بمثابة ألأب لهم .. بلْ أكثر من ذلك بحسب تصريح ألسّيد ألهاشميّ ألشّاهروديّ,خصوصاً ما تجلّى في تعامله ألأخلاقيّ ألرّفيع مع آلجّميع و شدّة تواضعه و تجافيه عن مقاعد ألكبر!

أمّا في آلمجال ألسّياسيّ؛ فكان يلجهُ كواثق ألخطى و يصالح مسائله بشكلٍ مفصّل و يُعطي رأيه في كلّ حادثٍ و حديثٍ, و كان يتعامل مع موقف ألنّظام إزاء آلحوزة ألعلميّة و آلمرحوم ألسّيد ألحكيم بكلّ دقّة و حساسيّة و قبل إستلام ألبعثيين للحكم مرّة ثانية(عام 1968م) كان للسّيد ألحكيم مكتبات إسلاميّة عامّة منتشرة في أغلب ألمحافظات ألعراقيّة, عرفت بمكتبات ألسّيد ألحكيم!

لقد كانت تلك آلمكتبات تحمل عنوان ألمكتبة و لكنها في آلواقع كانت بآلنسبة إلى طلاب ألجّامعات و آلعلماء ألمتواجدين في تلك آلمناطق بمثابة ألمراكز ألّتي تنتظم فيها آلصّفوف و تعقد فيها آللقاآت و تطرح فيها أحداث ألسّاحة بأعلام ناشئة ألمسلمين بما يجول حولهم في آلعالم, و لممارسة أعمال ألدّعوة و آلتبليغ في أوساط ألنّاس.

ألّذي نريد أن نخلص إليه من آلنّقاط ألتي إستعرضناها هو؛ أنّ أستاذنا آلشّهيد ألصّدر كان يسعى بجدٍّ إلى تربية طلّابه و تنشئتهم نشأة صالحة و في بيئة فكرية متينة متماسكة و غير ضحلة كما إعتاد بقية أبناء الحوزة على ذلك, معملاً في ذلك ألرّؤية و معتمداً سياسة ألتّأني و آلتّريث و عدم إثارة ألضّجيج ليكون بعمله هذا قد أعدّ قادةً حقيقيين لأخذ زمام ألمبادرة في آلسّاحة.

عندما تلتقي خصالٌ من هذا آلقبيل و تلتئم في أستاذ يفوح منه أريج ألعاطفة ألجّياشة و آلفكر ألمُتجدّد و آلأخلاص ألمنقطع ألنّطير, فمن ألطّبيعي أنْ يتحوّل إلى قبلة عشق تؤمّها أفئدة ألطلاب و آلمُريدين, لقد كان بحقّ يتمتّع بفكرٍ ثاقبٍ و عميقٍ و إخلاص فريد أهلّتهُ بأنْ يكون فقيه آلفقهاء و فيلسوف ألفلاسفة.

لماذا و كيفَ طرحَ آلسّيد ألشّهيد مرجعيتهُ؟

للوقوف على حقيقة ألموقف و آلظروف ألّتي رافقت بروز مرجعيّة ألأمام ألفقيه ألفيلسوف .. لا بُدّ لنا أن نعود أدراجنا إلى زمن وفاة آية الله ألعظمى ألسّيد محسن ألحكيم(4) لنسلّط آلضّوء على آلدّوافع ألّتي وقفتْ خلف دخوله ساحة ألنّشاط ألمرجعي.
كان آلهدف ألأساسيّ للأمام ألفقيه ألفيلسوف هو إعطاء ألمؤسسة ألمرجعيّة زخماً جديداً و دوراً رائداً و فعّالاً في عمليّة

ألصّراع مع آلباطل و مسألة ألأمر بآلمعروف و آلنّهي عن ألمنكر, فأراد من خلال تصدّيه لها شخصيّاً تحقيق ذلك بنفسه, فرافقتْ تلك آلحالة أموراً عديدةً سنُبيّنها قدر آلأمكان بإذن الله.

ألحقيقة كان هناك عاملان رئيسان وقفا معاً لبلورةِ ذلكَ آلقرار لدى أستاذنا ألفقيه ألفيلسوف, فقد مال في آلبداية إلى آلمرجعيّة ألرّسميّة ألتّقليديّة للحوزة كطريقٍ لا مناص منه و على وجه ألخصوص مرجعيّة ألأمام ألخوئيّ, فأقدم على دعمه و آلأصطفاف إلى جانبه, لأعتقاده و طلابه بأعلميته مُسايراً بذلك ألمنهج ألحوزوي ألقديم بآلسّير وراء آلأعلم لتقليده, و لكن وقف خلف قراره بآلتّصدي أسبابٌ أهمّها:
1- حيثيّات ألعلاقة بآلسّيد ألخوئي.
2- ألضّغط ألمستمرّ من جانب ألجّماهير.

3- لأعتقاده قدس سرّه و آخرين بكونه أفقه آلفقهاء و أعلمهم.

4- لإستغلال ألكيان ألمرجعيّ كمنطلق لنشر ألأسلام ألأصيل كتمهيدٍ لتطبيقهِ عبر آلحكومة ألأسْلاميّة.
في آلحلقة ألقادمة سنبيّن تفاصيل آلأسباب ألمذكورة إن شاء الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عندما كتب آلشّهيد ألفقيه ألفيلسوف كتاب”فلسفتنا”؛ أرادَ طبعهُ بإسم جماعة ألعلماء في آلنّجف ألأشرف, بعد عرضه عليهم متنازلاً عن حقّه في وضع إسمه آلّشّريف على ذلك آلكتاب ألعظيم, إلّا أنّ آلذي منعهُ من ذلك .. هو؛ أنّ جماعة ألعلماء أرادتْ إجراء بعض ألتّعديلات في موضوعات ألكتاب ألمذكور, و كانت تلك آلتّعديلات غير صحيحة في رأي ألأمام ألفقيه ألفيلسوف,فأضطرّ أن يطبعه بإسمه”.

(2) ورد في آلمقابلة ألخاصة مع سماحة آية الله العظمى ألسّيد محمود الشاهرودي عام 2006م, راجع تفاصيل ألحوار في مجلّة (شاهد ياران) تصدر في إيران, ألعدد18 أرديبهشت 1386ش 2007م.

(3) مجلّة (شاهد ياران) تصدر في إيران, ألعدد18 أرديبهشت 1386ش 2007م.

(4) تسنّم آلسّيد محسن ألحكيم(1889 –1970م) ألمرجعية ألعامة للشّيعة بعد وفاة آية آلله ألعظمى حسين ألبروجردي، و أخذ بوضع نظام إداريّ للحوزة يختلف قليلاً عن آلسّابق, وشرع ببناء ألمدارس و إرسال ألمبلغين إلى نقاط ألعراق ألمختلفة, و بهذا آلعمل إزداد عدد ألطلاب في جميع ألحوزات و سرى فيها روحاً جديدة, و أشرف على كثير من آلمجلات ألإسلامية ألتي كانتْ تصدر في ذلك آلوقت, من أمثال مجلة “ألأضواء” ألتي كان يكتب فيها ألأمام الفيلسوف الفقيه و “رسالة الإسلام” و “آلنجف”وغيرها.

كـان آلسّيد ألحكيم منذ أيّام شبابه رافضاً للظّالمين و أعداء ألدِّين و أختلف عمّن سبقوه في كثير من ىلأمور و منها الجهاديّة (ألأمر بآلمعروف و آلنهي عن المنكر), حتّى شارك بنفسه في آلتصدي للاحتلال البريطاني الغاشم للعراق, حيث كان مسؤولا عن ألمجموعة ألمجاهدة في منطقة ألشّعيبة في جنوب ألعراق, و كان يعلم بالنّوايا ألخبيثة للاستعمارعندما اخذ يتبع سياسة فرّق تَسدْ في العراق.

بذل آلسّيد ألحكيم قصارى جهوده في سبيل جمع شمل ألمسلمين من آلمذاهب ألمختلفة, عن طـريـق ألمشاركة في كثير من آلفعاليات ألّتي كان يقيمها أهل ألسّنّة, مشجّعاً إيّاهم في الوقت نفسه على حضورهـم في آلمقابل بالمناسبات ألتي يقيمها آلشّيعة, وعندما أخذ آلحكام ألمرتبطون بالأجنبي بترويج أفكار ألقومية ألعربيّة في آلعراق؛ قام آلسّيد بالتصدي لتلك آلأفكار,و قاوم كلّ اشكال ألتّعصب و آلتمييز ألطائفي و آلعرقي في آلعراق, و خير شاهد على ذلك إصداره ألفتوى ألمعروفة بحرمة مقاتلة ألاكراد في شمال ألعراق, لأنهم مُسلمون,تجمعهم مع آلعرب روابط ألاخوّة و آلدّين.

لهذا فقد فشل آلنظام ألعراقي في آلحصول على فتوى شرعيّة من علماء ألدّين لمحاربة ألاكراد في آلشّمال, و مـن مواقفه ألسّياسية ألأخرى دعمه لحركات ألتّحرر في آلعالم ألإسلامي, و على راسها حركة تحرير فلسطين, و أصدر بهذا الخصوص ألعديد من آلبيانات ألتي تشجب ألعدوان الصهيوني, و تؤكد على ضـرورة الوحدة الإسلامية, لغرض تحقيق الهدف الاسمى, و هو تحرير القدس من ايدي الصهانية المعتدين.

و رغم كلّ هذا إلّا أنّه لم يكن يمتلك منهجاً كاملاً لتحكيم الأسلام عبر حكومة إسلاميّة, ربّما لم تكن فكرة ألحكومة ألأسلاميّة ناضجة لديه في ذلك آلحين, على أي حال تلك مؤآخذه كبيرة يُمكننا إثباته عليه, حيث لم يكن يفكّر في ذلك أبداً, بلْ لم يعر أيّة أهميّة للزيارات ألتأريخية ألتي قام بها آلزعيم عبد الكريم قاسم عام 1959م و كذلك عام 1960 و 61 حين وضع إمكانات ألحكومة العراقية كلّها تحت تصرفه طالباً منه قيادة و توجيه الحكومة, لكنه قال لمقرّبيه ألذين كانوا يُحيطون به في مستشفى الجمهوري بعد إنتهاء زيارة ألزّعيم و مغادرته لمستشفى الجمهوري في بغداد: [ لا تُصدّقوه فأنّه منافق]! و بذلك خسّرتْ ألمرجعيّة ألأسلامية و بآلتالي ألأمّة كلّها فرصة ذهبية كان يمكن لو تمّ إستغلالها تقديم الأسلام قروناً إلى الأمام.