الرئيسية » مدن كوردية » مندلي قبل التعريب البعثي

مندلي قبل التعريب البعثي

الإسم و التأريخ
نرى في كتب التأريخ من هنا و هناك مَن يشير الى اِسم هذه المدينة، على سبيل المثال ذكرها هيرودوت بإسم (اردريكا ) (1). الأكثر تداولاً في العصر الحديث، ما ذكره ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان، حيث أنه ينقل عن أبي مظفر السمعاني ما يلي: (البندنيجين: لفظه لفظ التثنية، ولاأدري ما “بندنيج” مُفرده و إن أبا حمزة الأصبهاني قال بأنه يوجد موضع بناحية العراق يسمى “وندنيكان” (2) و عُرّب على البندنيجين ولم يفسر معناه. وهي بلدة مشهورة في طريق النهروان من ناحية الجبل (كوردستان) من أعمال بغداد يُشبه أن تُعد في نواحي مِهرجانقَذق، وحدثني العماد بن كامل البندنيجي الفقيه، قال “البندنيجين” إسم يُطلق على عدة محال متفرقة غير متصلة البنيان، بل كل واحدة منفردة لاترى الأخرى، لكن نخل الجميع متصلة وأكبر محلة فيها يقال لها “باقُطايا”). يذكر ياقوت الحموي في معجمه في مكان آخر بإضافة النون إليه و بذلك يصبح إسمها “باقطناي”، و بها سوق و دار الإمارة ومنزل القاضي، ثم بُوَيقيا و ثم سوق جميل و ثم فشلتْ). هذا كل شئ نقله لنا ياقوت الحموي عن “وندنيكان، بندنيجين، بندنيج”.

حسب رأي البعثة البريطانية التي زارت المدينة سنة 1966 الميلادية، فأن تأريخ مدينة مندلي، يمتد الى ستة آلاف سنة قبل الميلاد. كانت مندلي إحدى مدن دولة لولو، الذين هم أجداد اللور، و من ثم أصبحت إحدى مدن الإمبراطورية الميدية الكوردية. بعد الميديين، توالى عليها، حكم الأخمينيين الفرس والبارتيين. بعد تأسيس الإمبراطورية الساسانية، على يد هردشيرالأول، عادت مندلي، الى أحضان السلالة الساسانية الكوردية. في العهود الإسلامية، كانت تابعة للإمارات الكوردية، كإمارة بنو عناز، التي حكمت من، سنة (380) الى (510) للهجرة و كانت هذه الإمارة تحكم مناطق شاسعة من كوردستان مثل (كرمانشاه) و (حلوان) و (شهرزور) و (داقوق) و (دسكرة) و(مندليج) (3) و (النعمانية). هذه الإمارة دام حكمها 130 سنة، وكان سلطانها يشمل، كما أسلفنا، كلاً من كرمانشاه و ديالى و كركوك و السليمانية وجزء من محافظة كوت في بلاد ما بين النهرين. كانت مندلي أيضاً، تابعة للإمارة الحسنوية و من ثم تبعت إمارة بابان، والتي كانت عاصمتها السليمانية. بعد ذلك وقعت مندلي تحت براثن الإ حتلال التركي العثماني لزمن طويل حتى وقعت الحرب العالمية الأولى، حيث إنتصرت الحلفاء فيها سنة 1918 و بذلك إنتهى حكم العثمانيين الأتراك الى غير رجعة. عند تأسيس الكيان السياسي العراقي، تم ضم القسم الجنوبي من كوردستان الى هذا الكيان الجديد، و بذلك أصبحت مدينة مندلي بدورها جزءً من الكيان المذكور.

تعرضت مندلي عبر العصور الى غزو و إحتلال من قبل شعوب عديدة. أهم الشعوب المحتلة لها هي العرب المسلمين والأتراك العثمانيين، حيث أنّ العرب لم يمسوا واقعها وهويتها خلال فترة وجودهم فيها، فرحلوا عنها، راجعين الى مركز الخلافة، تاركين المدينة لأهلها. بعد العرب جاء العثمانيون الذين قوضوا الدولة العباسية وقتلوا الخليفة العباسي و إتخذوا من إسطنبول عاصمة للخلافة العثمانية، ثم نصّبوا أنفسهم خلفاء على المسلمين ورفعوا راية الجهاد! حاملين سيوف الإسلام في أيديهم وقلوب المغول في صدورهم. نشر الأتراك جيوشهم في أصقاع العالم لإستعباد شعوبها، وإحتلال أوطانها وكانت كوردستان إحدى تلك الأوطان التي رزحت تحت حكمهم الإستبدادي، حيث نشروا الرعب والفزع في جميع مدنها. مندلي واحدة من تلك المدن التي إحتلوها وبنوا فيها حامية عسكرية لتنفيذ فرمانات السلطان. كان العثمانيون عند زحفهم على المدن يصطحبون معهم عوائلهم، حيث يستقرون في تلك المدن بعد إحتلالها، ومندلي واحدة من تلك المدن التي إستقرت فيها ثلة من الجنود العثمانيين مع عوائلهم في إحدى أحيائها المسماة ب “بوياقي”. بعد إنهيار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، تشتت هؤلاء الأتراك في مدن العراق وكوردستان، وبقي عدد منهم في مدينة مندلي، يعيشون بين ظهراني الكورد.

تأسس الكيان العراقي وفق مقررات مؤتمر القاهرة سنة (1921). عُقد هذا المؤتمر بإشراف بريطانيا العظمى، و بإشراف مباشر من وزير المستعمرات البريطاني آنذاك “ونستون چرچل”، حيث أتفق في هذا المؤتمر على تنصيب الأمير فيصل ملكاً على العراق و أُتخذ قرار ظالم أثناءه، و ذلك بالتنكر للحقوق المشروعة للشعب الكوردي في إقليم جنوب كوردستان في تأسيس دولتهم أسوةً بشعوب العالم الأخرى.

بعد إ نتهاء المؤتمر التآمري المذكور و إستتاب الحكم بعد تنصيب الأمير فيصل، الذي تمّ إستيراده من شبه الجزيرة العربية من قِبل الإستعمار البريطاني، بدأت المأساة الكوردية داخل هذا الكيان المصطنع و بدأ التعريب وإرهاب الدولة المنظم ضد الشعب الكوردي في هذا الجزء من كوردستان. بعد تنصيبه ملكاً على العراق بفترة وجيزة، زار فيصل الأول مدينة خانقين وإستحوذ في هذه المدينة على قطع أراضي شاسعة سُميت ب(الأراضي الأميرية). إتبع الساسة العراقيون الآخرون الذين حكموا الكيان العراقي خلال حقبة سوداء و التي إستمرت لمدة 82 سنة، حيث أنهم إستولوا على أراضي الكورد ومنحوها للمستوطنين العرب، كما فعله ياسين الهاشمي رئيس الوزراء العراقي في العهد الملكي، الذي
قام بتوطين العرب في أجزاء من كركوك و بنى مدينة الحويجة للمستوطنين العرب القادمين من تكريت والرمادي والمناطق المتاخمة للحدود السورية و السعودية. رشيد علي الكيلاني و أخيراً الحكم البعثي العروبي، ساهما بنفس الدور العنصري تجاه الشعب الكوردي. مندلي واحدة من تلك المدن الكوردية التي عانت من سياسة العروبيين العنصرية منذ تأسيس هذا الكيان بعصا الساحر البريطاني إلى آخر يوم من نظام حكمهم الدموي والذي أُسقط في 9 نيسان سنة 2003.

الموقع الجغرافي
تقع مدينة مندلي على تخوم سلسلة چگا سور (جبال حمرين) و في جنوب عاصمة الإقليم هولير، حيث تبعد عنها حوالي 400 كيلو متر. تقع مندلي في شرق العراق و تبعد عن بغداد، عاصمة العراق 160 كيلو متر، وهي أقرب مدينة الى العاصمة العراقية من الحدود الإيرانية. كانت مندلي مع سومار وبقية المناطق المتاخمة لها، تشكل وحدة جغرافية واحدة الى أن تم ترسيم الحدود بين الدولة العثمانية و الدولة الإيرانية، حيث تم تقطيع أوصال الجسد الكوردي بين الفرس والأتراك ومن ثم العرب الذين نالوا جزء من الكعكة الكوردية.

تحيط بمدينة مندلي مدن كوردية من كل الجوانب، حيث تقع مدينتا بدره وجصان الى الجنوب منها، بينما من الشمال تحدها مدينة خانقين العريقة وقرى مكاتو وكاني ماسي. من الشرق يحدها إقليم شرق كوردستان، حيث مدينتا سومار وگیلان اللتان لا تبعدان عن مندلي سوى بضعة كيلو مترات و تفصلهما عن مندلي جبال چگاسور. في غرب مدينة مندلي تقع بلدة “ورازَرو” التي تم تعريب إسمها الى بلدروز(4) و تقع مدينة شاربان في شمال غربها. تحيط بمدينة مندلي العديد من البلدات والقرى الكوردية، كقلادة تطوق عنق العروس. لو خرجنا الى خارج المدينة و تجولنا حولها، متجهين من الغرب الى الشرق، ستصادفنا ناحية قازاني في القسم الجنوب الغربي منها و نمر بعد ذلك بقرى ديشخ و دوورو و كپري و گچ~وتیل ثم جاریة (قرية الشهيد جوامير سايه مير). بالإنحدار قليلأً الى اليسار، نشاهد قرى چوارآسياوه و ثم نصل الى الطريق العام الواقع الى الغرب من الحدود الإيرانية العراقية الذي يجاوره مركز الحدود المعروف ب”كومه سنگ” التي تعني (ربوة الصخور). عند إنحدارنا نحو الأسفل “كومه سنگ”، ستلوح لنا قرية چَرمَوندي و من ثم عشائر وقرى قلولس و الى اليسار منها تظهر لنا قرية “پتگو~ر” و بعدها “طياره خانه” ومن ثم تنتهي مسيرتنا بالوصول الى مدينة مندلي ثانية.

العشائر الكوردية المعروفة
في الوقت الحاضر، يسكن في مندلي بالإضافة الى الكورد، المستوطنون العرب الذين جئ بهم من غرب ووسط العراق الى هذه المدينة من قبل الحكومات العروبية المتعاقبة على دست الحكم في العراق. يتألف سكان مندلي من العشائر والقبائل الكوردية العريقة، منها قبيلة كلهر التي تُشكّل قسماً كبيراً من سكان المدينة وأطرافها. هذه القبيلة هي من أكبر القبائل الكوردية في عموم كوردستان، حيث تنتشر مدنها وقراها في إقليمَي شرق و جنوب كوردستان، في كرمانشاه و إسلام آباد و إيوان و گیلان و قصر شيرين و خانقين و كركوك و بغداد و شاربان و مندلي. نفوس هذه القبيلة تقدر بحدود مليون ونصف مليون نسمة، و أفخاذها هي: كالدي (خالدي)، شياني، سياسيا، كاظم خاني، خمان، تلش، كرگا، كله پا، كله جو، شوان، قوچمی، منصوري، الوندي، مايشتي، هارون آبادي، شاهيني، مويش گیر، بگی، زينل خاني، كمره، كياني. من العشائر الأخرى هي عشيرة ملكشاهي التي هي في الأصل إتحاد قبلي و هي تشكل إحدى مكونات سكان مندلي، منها، گچی، و(بولي)، و(خزل)، ولها تواجد في مدن كوردستانية أخرى وفي بغداد. في مندلي، تسكن أيضاً عشيرة بدره ي ( به يره ى). من العشائر الكبيرة الأخرى في مندلي هي عشيرة باجلان ولهذه العشيرة فرعان هما جمور و قازانلو، وهي أيضاً فرع من اللك و اللك هو فرع من اللُر. تنتشر أبناء هذه العشيرة في قوره تو و هورين و شيخان و قصر شيرين و قازانية و مندلي. عشيرة الزنگنة هي أيضاً أحد فروع اللُر في هذا القضاء ولها حضور في مدن عديدة في كوردستان و كانت لها صولات وجولات في التاريخ. هناك عوائل كوردية داخل مندلي تحمل لقب اللٌر. في مندلي توجد عشيرة هنيمني الكبيرة و إحدى أحياء مندلي تحمل إسم هذه العشيرة. من المكونات الأخرى في هذه المدينة هي عشيرة أركوازي المعروفة ولهم وجود أيضاً في خانقين وكركوك و مدن كوردستانية أخرى . من المكونات الأساسية في مندلي هي عشيرة هواسي المعروفة. تعيش في مندلي أيضاً عشيرة گوران، حيث أن أفراد هذه العشيرة لا يزالون يعتنقون ديانات آبائهم و أجدادهم القديمة. هناك عشائر كوردية عديدة أخرى في هذه المدينة. توجد في مندلي عوائل من البيات، يُقال أنهم من بقايا المغول ويتحدثون شيئاً من التركية وهم يقولون أنهم ينتمون الى العنصر العربي، إلا أن أفرادها الساكنين في مندلي يتحدثون باللغة الكوردية. هناك أعداد من كورد مندلي تنكروا لقوميتهم كي يتسنى لهم الحصول على شهادة الجنسية العراقية و حدث هذا خلال فترة الحكم البعثي العروبي البائد. إنّ المواطن الكوردي وخاصةً (الفيلي) كان محروماً من الحصول على الوثيقة المذكورة. وضع قانون الجنسية الجائر من قِبل السلطة البعثية المقبورة و كان الهدف منه هو النيل من الشعب الكوردي.

الأحياء و الأسواق
توجد في مدينة مندلي عدة أحياء وأسواق وهي: بازار گورا (السوق الكبير)، داخل هذه السوق توجد عدة محلات للحدادة، يُطلق عليها إسم بازار آسنگریل (سوق الحدادين) و هناك بازار َبزازَيل (سوق البزازين) و بازاربيچگ (السوق الصغير)(5) و قه لابالي و قه لا ميرحاج (قلم حاجي) و قه لاجميل بيگ و هنيمني و قسپساني و نانوايل و جامع و بوياقي و چال قرمزي ( هذه المحلة تقع بين هنيمني و بوياقي و هي غير چالقرمزي التي تقع قرب باقوچ الحفرة التي يتم جلب التربة منها لتعبيد سطوح البيوت قبل حلول فصل الشتاء) و نقيًب و دربوحين و آغه يل. لهذه الأحياء فروع تابعة لها أو متصلة بها، مثلاً “قه لابالى” كانت تتبعها “علي جني” و “كويچه باخ” التي ~انت تضم عدة بيوت. “سقاق” هو فرع آخر داخل “قه لا بالي”. جزء من الطريق الواقع بين “قه لا بالي” و “بازار گورا” هو مسقف و يُسمى ب”Zیر دالانَگی سی نوری” أي (طاق سيد نوري). كان للمدينة مركز تجمع ليلي يُسمى سَرجو (رأس النهر) و فيه مقاهي وعدة محلات وحسينية ومستوصف و كان المشرف على المستوصف شخص إسمه “مچگ” وهو يُشكّل جزءً من “قه لابالي”. كانت لبازار بيچگ و هنيمني أيضاً توابع، منها “كل نعلبنيل”، حيث هنا كان يتم تركيب حدوة حوافر الخيل و “نجاريل” (النجارين) و “جُيلهيل” (الندافين) و يتم فيها خياطة اللحفان و ما شابه. المركز الرئيسي في المدينة الذي كانت التسمية الرسمية له هي “سراى”. تم تعريب هذا الإسم من قِبل العروبيين، حيث سُميت ب(قائممقامية) فيما بعد. “سراى” إسم كوردي إنتقل عبر الزمن الى لغات أخرى وهو يعني (البيت الكبير الذى يقع في مفترق الطرق، أي الطريق العام و هو إسم مركب مؤلف من كلمتين هما “سَر” التي تعني (الرأس) و “را” أي (طريق)، أما الياء فهي لاحقة). يوجد في مندلي مركز، أو سوق صباحي، حيث يتم فيه بيع المواد المختلفة، كالدجاج و البيض الخ، في الهواء الطلق وهذه المنطقة تسمى ميان (ميدان). توجد أرض منبسطة بين “قه لابالي” و “كپرى” التي مساحتها واسعة جداً و تسمى ب “ميرزا”، حيث تجتمع عندها أهالي مندلي في عيد نوروز و يقومون بإداء الدبكات الكوردية وممارسة سباق الخيل و إطلاق االعيارات النارية من البنادق و المسدسات و ألعاب ترفيهية أخرى المتبقية من التقاليد القديمة التي صارعت الزمن وحافظت على ديمومتها وبقائها و تنتقل من جيل لآخر.

الآثار ومراقد الأولياء والمساجد والمقابر
على جانب الطريق بين مندلي و “ورازرو” تقع “تپه رميل” التي قد تكون عبارة عن موقع أثري. بالقرب من “چم نفت” (نهر النفط)(6)، توجد مجموعة أثرية تسمى “كشك”. على بُعد مسافة قريبة من “قه لابالى”، يقع الأثر الساساني، “قه لاسفي” ( القلعة البيضاء). هذه القلعة التي نال منها الزمن وأصبحت مجرد عبارة عن تلة ترابية ترتفع عن الأرض لعشرات الأمتار، تشق عنان السماء و كأنها تشكو أيام أمجادها الغابرة. تذهب اليها الناس في أعياد النوروز وفي “سنزه وه در” للتنزه (في اليوم الثالث عشر بعد عيد نوروز، تترك العوائل الكوردية بيوتها وتقضي يومها خارج المنزل. الرقم (13) هو رقم مشؤوم عند الكورد، كما عند الشعوب الأخرى). في مقربة من “قه لاسفي”، توجد مقبرة قديمة تسمى “باوه قريش” و من المرجح أنّ فيها بعض الآثار التي تعود لعصور قديمة. تقع بالقرب منها مساكن عشيرة هواسي الكوردية المعروفة. هناك مناطق أثرية أخرى حول مدينة مندلي، مثل چیچگان و تل تمرخان و منطقة دووچگا و قه لاى كونه (القلعة القديمة) و چگا مامى. في مندلي آثار كثيرة أخرى، لكن الذاكرة لاتسعفني الآن لذكرها.

أما مراقد الأولياء ورجال الدين في المدينة، فهي: على جانب طريق “ورازَرو” – مندلي، يقع مقام “نبى تهران” و بالقرب من “قازاني” يقع مرقد باوه گُرزين(7) و هناك داخل مدينة مندلي مراقد “باوه حافظ،” و “سي شعبان” (سيد شعبان) و “سي رحمان” (سيد رحمان) و “شيخ منلي” (شيخ مندلي) و مقام “باوه طاهر”. على مقربة من مدينة مندلي، تقع مراقد “حجي يوسف” و “عباس علي” و قبر الشيخ عبد الله شيرواني الذي هو عالم دين كوردي. توجد في مندلي ثلاث مقابر هي مقبرة “باوه قريش” و هذه قديمة لا يتم دفن الموتى فيها، أما المقبرتان الأخريان اللتان كان أهالي مندلي يدفنون فيهما موتاهم في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، هما مقبرة “باقوچ كونه” و “باقوچ نو”. توجد مقبرة صغيرة عند مدفن “سي شعبان”.

توجد تكية للكورد خلف محلة “قلم حاجي” حيث يقومون بإحياء الشعائر و المراسم الدينية فيها. في بازار بيچگ، يقع جامع “گورا” (المسجد الكبير) الذي يعود للكورد الشيعة. ~ان إمام وخطيب هذا المسجد هو “آغه سيد”. الحسينية التي تقع في “سَرجو” هي أيضاً مركز تجمع الشيعة الكورد والخطيب فيها هو رجل الدين الكوردي “ملا عزيز”. كانت هناك لجنة تشرف على الحسينية و مكونة من الوجوه الكوردية حاج شاواز و كاكي نورعلي و عمران عبدي و سيد إبراهيم وحاج فاضل ولي. الخدمات كان يشرف عليها عباسي. “چایچی” الحسینیة كان شقيق عباسي، المدعو الماسي. كانت هناك في هنيمني أيضاً حسينية يشرف عليها حاج فاضل وعلى ضفاف “جو بازار” يقع مسجدان أحدهما للطائفة السُنية، حيث يؤدون فيه الصلاة والطقوس الدينية و روّاد هذا الجامع كانوا قلة من الكورد السنة والتركمان و بعض العرب المستوطنين و الموظفين، وكانوا يأتون بخطيب كوردي لهذا المسجد من أربيل، نتيجة إنعدام رجال دين فيهم لقلة عددهم في مندلي. كان معظمهم يعملون في السلك الحكومي. مقابل هذا المسجد، يوجد مسجد للكورد الشيعة، خاص لصلاة الظهيرة والعصر و بعد إداء الصلاتين المذكورتين، تُقفل أبوابه. الدروشه عند بعض الكورد كانت موجودة في مندلي، حيث كان هناك في المدينة إخوان إثنان هما درويش محمد و درويش نبي و كانا يتجولان في القرى الواقعة في محيط مندلي لكسب عيشهم. وكان في مندلي درويش آخر إسمه “قارمان” و كان صاحب تكية و يسكن في محلة “بوياقي”.

المقاهي والمطاعم والمطحنتان
كباقي المدن الكوردستانية، كان في مندلي، العديد من الچايخانات (مقاهي). عند دخول المدينة، تُشاهَد أمام السراي چایخانه ~بیره یمل~ها شخص إسمه طالب، وبالقرب من “الميدان” على الجانب الأيمن، توجد چایخانة فهد، وبعدها بقليل چایخانة علگه، ثم چایخانة داود داغره. في داخل البازار هناك چایخانة خورشید، ثم چایخانة حسین جانالی، ثم بعد مسافة قصيرة منها وعلى الجانب الأيسر تقع چایخانة سلیمان. قرب الجامع بجانب بازار بزازخانه ( سوق البزازين)، هناك ثلاث چایخانات واحدة ل”تعباني” والثانية ل “جباري” و الثالثة ل “ستاري” و جميع أصحاب هذه الچايخانات فی مندلي هم من الكورد، بإستثناء شخص واحد وهو “داود داغره” الذي هو من بقايا المغول وكان بالإضافة الى اللغة الكوردية يتحدث شيئاً من التركية.

لم تكن يومها توجد مطاعم في مندلي لتقديم الرز وماشابه، بل كان هناك مطعمان فقط للكباب، أحدهما يملكه “ملا جمعه” والثاني كان صاحبها المدعو “كرگه ~بابچی” (~ریم ~بابجی). الأول كان يسكن في “قلم حاجي” و الثاني على ما أظن كان يسكن في مَحَلة نانَوايل (محلة الخبازين) والإثنان كانا من الكورد. كان يوجد في “بازار گورا” مطعم صغير لبيع الكبد (معلاگ)، وصاحبه كان “قاسم شيره”(أبعده نظام صدام سنة 1980 الى إيران). في نهاية الستينيات من القرن الماضي، إفتتح شخص كوردي آخر مطعم يقدّم مأكولات مختلفة وكان يقع مطعمه قرب گازينو البلدية وإسم صاحب المطعم كان “سلمان”.

كانت هناك في مندلي مجزرة واحدة و المعروفة في مندلي ب”قساوخانه” وتقع بجوار مقام “باوه طاهر”. هناك في مندلي مطحنتان، الأولى كان يملكها “سيد درويش” و “ميرزا نورعلي” و هما من الكورد، والثانية كانت لشخص لا أتذكر إنتماءه القومي و كان إسمه “عبد هزار”.

الأنهر و البساتين و المزارع
النهر الكبير القادم من إقليم شرق كوردستان (إيران)، يقع منبعه في جبل “بانكول” الواقع في ناحية أيوان. تصب في هذا النهر مياه عدة ينابيع في “سَراو أيوان” و يرفده منبع آخر يسمى “خُران”. هذه أهم المنابع التي ترفد هذا النهر، إضافةً الى مياه الأمطار و مياه ذوبان الثلوج في جبال كوردستان. هذا النهر، له إسمان هما “كنگير” و “گلال” في كلا الجانبين من كوردستان، أي عند أهل أيوان و سومار و زرنه ومندلي. يدخل هذا النهر أراضي مندلي عند ناوتنگ (المضيق) الواقع في سلسلة چگا سور (جبال حمرين)، ثم ينحدر الى الأسفل ليخترق بساتين النخيل والمزارع، ومن ثم يتشعب الى عدة أنهر، حيث تسقي تلك البساتين والمزارع. مع تكوين هذه التشعبات، يتغير إسم النهر تبعاً للمناطق التي يمر بها. في موضع يُسّمى ب”خدرشل” (خضر الأعرج)، وفي موضع آخر يُسّمى ب”خرقازاني” (شط قازاني)، وفي موضع ثالث يُسّمى ب”سكريهودي” (سد اليهودي)، بينما يُسّمى النهر قرب “قسپسانی” ب”قلمبه” (العميق)، وفي مكان آخر ب”خرگه” (الشط)، وقرب الحسينية ب”جوگه” (النهر)، و الموقع إستمد اسمه من هذا النهر حيث يُسّمى ب “سَرجو” أي ( رأس النهر) وفي السوق يسمى ب”جوبازار” أي ( نهر السوق) وبعد إجتيازه لهذا السوق، يصل الى قرب محلة “قلم حاجي” وهناك يُسّمى ب”بوير” أي ( المنخفض المائي)، ثم يترك النهر مندلي متجهاً نحو منطقة سهلية خارج البلدة. يوجد في مندلي شلال واحد يقع قرب مرقد “باوه حافظ” و يُسّمى ب”شادروان سَرآسياوه” أي (سد مقدمة المطحنة).

هناك عدد من الأشخاص الذين يتولون مسئوولية توزيع المياه بين أصحاب البساتين و المزارع، وُيقال لصاحب هذا العمل “ميرآو” (أمير المياه — مسئوول المياه) وكانوا ثلاثة هم قادر ميرآو و سَرتيپ ميرآو و علي پسكولي. كانت هناك بالقرب من “قه لابالي” ماكنة لسحب المياه الجوفية لسقي المزارع، وكان المشرف عليها رجل اسمه “رشگه” (رشيد). كانت هذه الماكنة معروفة بإسم “مكينة آوگی رشگه” (ماكنة ماء رشيد ). في الجانب الآخر من محلة “قه لابالي” وعلى طريق “پتگو~ر” كان يوجد خزان مياه مندلي الرئيسية (تانكي) بين البساتين. كان المشرف عليه رجل يُدعى “بَيرام”، وللتحبب في اللغة الكوردية كان الناس ينادونه ب”بيرگه”. هذا الخزان يُعرف أيضاً بتانكيگی بیرگه. بيرگه هو والد اللواء الشهيد صبحي، مدير شرطة مندلي الذي أستشهد في أواسط سنة 2007 على أيدي الإرهابيين.

مندلي معروفة ببساتين نخيلها التي تمتد على مد البصر وأكبر بستان في مندلي إسمه “گبوله” الذي له بابان، باب واقع فی “قه لابالی” و بالقرب من بستان جعفره و صاحبه هو رحمان چالچالی، و باب فی “~ویچه باخ” قرب بستان “سَگله” لصاحبه خورشيده، والد الكوردي الغيور محمد الذي هو أحد تجار بغداد.

تُزرع في مندلي أكثر من مائة نوع من أنواع التمور مثل أشرسي و الدقل و البربن و خستاوي و الزهدي و التمر الأزرق و الخ. هناك نوع من التمور الجيدة، الذي يوجد فقط في مندلي و يُسّمى ب”ميرحاج”. تشتهر مندلي برمّانها الطيب المذاق و رمان “حسينآوي”هو أطيب أنواع الرمان في مندلي.

هناك في مندلي موسم خاص لشتل الخس. هناك عدة بساتين خاصة بهذه النبتة، منها بستان محمد كافيه، الواقع على ربوة قرب باقوچ، و بستان قادر هيگله الواقع خلف بيت رستم آغا، و بستانان يقعان على طريق بازار گورا، أحدهما يعود لعباسه أبو خضر، والثاني لسلماني، وبالقرب من مكينة رشگه، يوجد بستان خس آخر لحسن غدي. هناك بين “قسبساني” و “سرجو” و “قه لابالي” أرض واسعة بالإضافة الى الخس، يُزرع فيها جميع أنواع الخضروات. وهي عبارة عن أرض منخفضة تسمى ب”چالچالی”، وحتى أنّ صاحبها لُقّب بهذا الإسم “رحمان چالچالی”. عادة الكورد في مندلي، يلقبون الشخص حسب مهنته. تم إعدام رحمان چالچالی من قِبل نظام صدام بتهمة واهية لا أساس لها من الصحة، و هي رفضه لتغيير قوميته الكوردية التي ينتمي اليها الى القومية العربية التي هي غريبة عليه وعلى مدينته. هناك مزرعة أخرى للخس والخضروات كان صاحبها اسمه برهومي، ومزرعة أخرى لموسى شاكل، جميع هؤلاء هم مواطنون كورد.

في أطراف مندلي، توجد أرض زراعية واسعة جداً، كان يملكها الشخصية الكوردية “كاكي نورعلي”. أستولى عليها حكومة البعث عنوة و وزعها على خمسين شخصاً من المستوطنين العرب، و صادر نظام البعث بقية محلاته و أملاكه، ليس لذنب سوى أنه رفض التعريب و الإضطهاد اللذين طالا أهل مندلي الأصلاء على يد نظام البعث العروبي الدموي.

المصوران و الحلاقون و فرن الصمون و التليفون
كان في مندلي مصور واحد، إسمه طالب، وكما أسلفت، المهنة تصبح لقب عند الكورد، فكانوا ينادونه ب”طالب مصور”. كان لديه آلة تصوير قديمة ذات الصندوق والكيس الأسود. في أواسط الستينيات من القرن الماضي، إنتقل شخص من قرية “پتگو~ر” التي تقع بالقرب من مندلي، الى المدينة وأصبح المصور المنافس لطالب، و كان إسمه حسين و لديه بعض الآلات الحديثة للتصوير و يلتقط صوراً كبيرة وملونة ويضعها في إطارات بطريقة فنية تجذب الزبائن.

كان في مدينتنا كاتب عرائض واحد إسمه حسين ويسمى حسين أرضحالچی، حيث لُقب بلقب المهنة التي زاولها طيلة حياته و كان يكتب العرائض بيده، حيث لم يكن يمك آلة طابعة. هناك في مندلي عدد من الحلاقين الذين يزاولون هذه المهنة، وهم قادري الذي كان حلاقاً ويقلع الأسنان أيضا،ً و جبار گر يعمل كحلاق و يقلع أسنان، أما عسكره فهو حلاق فقط، وصالون حلاقته يقع في بازار كلاشكريل (سوق بائعي الأحذية )، وهذا السوق جزء من بازار گاورا، وأكبري كان أيضاً حلاقاً، وملا عبد، و جبور، والحلاق العصري أحمد خانمه، و كان صالونه يقع بجانب علوة ميرزالي. هؤلاء الحلاقون في مندلي، جميعهم ينتمون الى القومية الكوردية بإستثناء جبور الذي قوميته تركمانية على ما أظن.

فرن الصمون الوحيد في مندلي أتى به في نهاية الخمسينات من القرن الماضي، الشخصية الوطنية الكوردية “كاكي نورعلي”. في مندلي كان يوجد إسكافي واحد فقط إسمه “كچگلي”. ماء مندلي مالح و غير صالح للشرب، لذلك خصصت البلدية تانكر كبير لجلب المياه العذبة يومياً من مدينة “ورازرو” و كانت تبيعها للمواطنين بسعر رمزي. كان سائق التانكر إسمه رحيم فاني، والبائع إسمه قاسگه. بإستثناء دائرة البريد التي كانت عندها تليفون واحد، كان هناك تليفون آخر في بازار گورا في محل كاظم قواي، وهو من الشخصيات الكوردية المعروفة في مندلي، وكان يسكن قه لولس.

بعض الشخصيات والوجوه المعروفة
سايمير آغا، كان رئيس عشائر قَه لَولوس، وبعده كان يأتي المناضل العتيد حميد شفي والشخصية الفذة كاكي نورعلي و حسينه دوسه
(على ما أظن هو جد الشهيد سلمان داود) و عزالدين النقيب، صهر والي پشت~و ( أمير إمارة إيلام ) و عبد الستار البياتي و حاج شاواز و
باوگاني الذي هو شخصية معروفة حتى في الستينيات، أنشد الناس أشعار في هذا الرجل، ومنها بيت شعر بقى عالقاً في الذاكرة يقول:
(هه له كومه سه نگ تا وه قازاني … گشتی ها له Zیر حو~م باوگانی)، أي: من كومه سنگ حتى قازاني … الجميع خاضع لحكم باوگانی. و “كومه سنگ” هي نقطة الحدود بين إيران والعراق في أقصى الشرق، وقازاني ناحية تابعة لمندلي في أقصى جنوب غرب و رفعت چلبي و يوسف خليفه و أحمدي نزگه و حسن باتگه و علگه مامگه و ميرزا نورعلي و كاظم قواي و سيد حسين و كان من الرماة الماهرين و رستم آغا و مهدي باولي و ياسين دورگه و فرمان من أهال كبري و كان بطل مصارع في الجيش و سيد درويش وهناك العديد من الشخصيات والعوائل المعروفة في مندلي، حيث أنه ليس هنا مجال لذكر الجميع.

الخانات والحمامات وبعض الشخصيات الفكاهية
في هذه المدينة كانت توجد ثلاث خانات (دار الضيافة)، الخان الأول كان مقابل مدرستنا، لا أتذكر إسم صاحبه، لكنني كنتُ أشاهد الكورد المبعدين من المدن الكوردستانية الأخرى بزيهم الكوردي يرتادون هذا الخان. في مقابل مقهى “داود داغره” كان يقع خان مسعود، بالإضافة الى المنام، كان يقدم بعض الوجبات الغذائية. في بازار كلاشكَريل (سوق الخفافين)، كان يوجد خان إكرام سايَخان و كان يقدم الشاي، وفي داخله كانت تباع أنواع مختلفة من الحيوانات.

في فترة الستينيات من القرن الماضي، كانت لا توجد وسائل الترفيه في مندلي ولا في عموم كوردستان. المادة الترفيهية الوحيدة كان يقوم بها
بعض الشخصيات الفكاهية، كحميد أخو سلگه، و جافره (جعفره)، وجمال هواسلي، و ناسري ئيبته، والحمال المعروف ولگه هناري،
و عدة أشخاص أخرين، حيث لاتسعفني الذاكرة في ذكر أسمائهم، و كانوا ذوي تصرفات كاريكاتيرية يدخلون البهجة والسرور في قلوب أهل المدينة. المجبر الوحيد في مندلي آنذاك، كان الشخصية المحترمة والفكاهية والمحبب لدى جميع أهل المدينة، الكوردي، صاحب محل البقالة في بازار گورا، ملا عبد، والد إسماعيل و الذي كان موضع إحترام الجميع دون إستثناء.

كان هناك في مندلي حمّامان فقط، أحدهما يملكه حجي عبدالنبي، وهو كوردي كان يسكن في هنيمني، والآخر يملكه بيت الچلبي و يقال أنهم من ذوي أصول تركمانية وكانوا من المذهب السني و يتكلمون اللغة الكوردية.

كلمة حق
استناداً إلى ما ذكرناه، لابد لنا من كلمة لإحقاق الحق و فضح الباطل، وهي إعادة الحق الى أصحابها الشرعيين، الذين قاسوا الويلات على يد نظام صدام المقبور، ومن ثم إعلان الهوية الكوردستانية رسمياً لهذه المدينة المنكوبة بطريقة لا لبس فيها، لتعود مع شقيقاتها خانقين و كركوك ومخمور الى أحضان إقليم جنوب كوردستان لكي تنتهي و إلى الأبد آثار سياسة التعريب العنصرية المقيتة، وتعود المدينة الى سابق عهدها الذهبي، عهد ما قبل الإنقلاب البعثي الأسود الذي تم في سنة 1968.

في إحدى المرات، قرأتُ مقالة لأحد الكُتّاب، يقول فيها بأنّ مندلي هي مدينة تركمانية. أنا أتساءل هل في العراق أو كوردستان مدينة خاصة بالتركمان أو مدينة أكثريتهم من الأقلية التركمانية؟! الجواب سيكون بدون أدنى شك: كلا، حيث أنّ حضورهم في بعض المدن كان حضور عسكري، حيث أتى بهم العثمانيون كجندرمة لحماية الطرق العسكرية وما شابه، وقبل آل عثمان، إستقدمهم العباسيون كمقاتلين للدفاع عن عرش الدولة العباسية في بغداد وبعض المدن الأخرى. كل منا يعلم جيداً بأنه لا وجود لمدينة دون قرية، أو قرى، إذاً لماذا لا نرى وجود قرية تركمانية واحدة بين مئات القرى الكوردية المحيطة بمندلي، أو خانقين، أو بدره؟!

في عصر الإمبراطوريات، تعرضت مندلي الى هجمات وغزوات المحتلين، من الفرس القدماء الى العرب المسلمين. يُقال بأنّ علي بن أبي طالب قاتل في هذه المدينة، وهناك أثر تاريخي باقٍ الى يومنا هذا يُسمى ب”مقام علي”و هذه دلالة على محاولة السيطرة على هذه المدينة من قِبل العرب. بعد العرب، جاء العثمانيون، ومن ثم العروبيون الذين حاولوا تغيير معالم المدينة، وأسماء الأحياء والقرى، وكل شئ يرتبط بالأرض و الثقافة و التأريخ. رغم المآسي والكوارث التي أُلحقت بهذه المدينة المكافحة، فأنها تنهض في كل مرة من تحت الركام، شامخة أبية تعلن عن هويتها الكوردية الأصيلة و لم تستطع أن تنال منها لا حوافر خيولهم في العصور الغابرة ولا عجلات مدرعاتهم في العصر الحديث
ولا سياساتهم الشوفينية الهوجاء في السنين العجاف.

لم يكن هناك تواجد عربي في مدينة مندلي إلا في السنين الأخيرة بفضل الحكام العروبيون، حيث تم إستقدامهم الى مندلي و إستيطانهم وإعطائهم الإمتيازات السخية والهبات، بالإضافة الى منحهم دور وأراضي الكورد المنهوبة وإطلاق أيديهم للإعتداء على أهالي مندلي. دعونا نلقي نظرة على موقع مندلي بموضوعية وحيادية ونحتكم الى عقولنا لكي لا نظلم أحداً. يخبرنا التأريخ والإسكتشافات بأن المدينة قد بُنيت في زمن غابر قبل ميلاد المسيح بآلاف السنين. في تلك الحقبة، كان العرب في وطنهم الأم، ألا وهو جزيرة العرب (الخليج). الفرس كانوا في إقليم فارس (شيراز)، والكورد كانوا أيضاً في وطنهم كوردستان وكانوا يُدعون آنذك ب”لولو” (هؤلاء هم أجداد الكورد اللر) أو الميديون. الآن لنرى موقع مندلي وبُعده عن مَواطن هذه الشعوب. إذا قسنا بُعد مندلي عن الجزيرة العربية، فهو لا يقل عن 1500 كيلومتر، و بُعدها عن شيراز، وطن الأم للفرس، هو تقريباً نفس المسافة أي 1500 كيلومتر. والآن لننظر بُعد موطن الكورد عن مندلي الذي هو ليس بأكثر من 10 كيلومترات، هذا إذا إفترضنا أنّ هناك بُعد أصلاً لأن في الأساس هي مدينة كوردية وبُناتها هم الكورد. أشرنا الى هذه المقارنة فقط لمن لايعلم الموقع الجغرافي للمدينة. أرجوا من كل إنسان ذي بصيرة وضمير ليقرأ التأريخ و يرى الجغرافية و يشاهد واقع هذه المدينة، ويقول كلمة حق يُراد بها باطل فُرض بقوة الحديد والنار والقتل والتشريد، والإضطهاد والتعريب والتهجير. إن كانت المدينة عربية كما إدعى المقبور صدام حسين، فلماذا قام بتبديل أسماء القرى والمحلات والأحياء بقرارات رسمية. إنْ كان سكان مندلي هم من العرب، من أين جاءت هذه الأسماء الكوردية التي أزالها النظام، حيث تم تغيير إسم “كپري” الى “14تموز” و “بازار گورا” (سوق الكبير) الى ” 17 تموز” و “قه لا بالي” الى “14 رمضان” و “بوياقي” إلى “حرية” و “قه لا جميل بيگ” إلى “بعث” و “نقًيب” إلى “عروبة”؟!!. يقول علي الوردي في
كتابه لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث، صفحة (119) ما يلي: (تقع مندلي قريباً من الحدود الإيرانية، وتبعد عن شاربان بنحو ستين كيلومتر، وتقطن بالقرب منها عشائر عربية كساعدة والبوجواري والحامد. ( الساعدة قدموا من العمارة وإستقروا في جم نفت (نهر النفط) والبوجواري جاؤوا من أطراف سامراء وإستقروا قرب چم نفت آیضاً، والعوادل أتو من الكوت و سكنوا أطراف مندلي، هذه العشائر سكنت وإستقرت خارج مندلي بعشرات الكيلو مترات لكن ضمن الوحدة الإدارية للقضاء). ويضيف الوردي قائلاً: عندما اندلعت الثورة في شاربان في 14 آب 1920، حاولت العشائر القريبة من مندلي مهاجمتها ونهب ما فيها من أموال حكومية وأسلحة. فلمّا علم أهل مندلي بذلك، صمموا على الدفاع عن بلدتهم فأعدوا أسلحتهم، وصاروا يحرسون مداخل البلدة خشية أن تباغتهم العشائر منها. يذكر الوردي العشائر العربية خارج محيط مندلي الذين يتربصون ويريدون إلحاق الأذى بالمدينة،( ولا نرى ذكراً لهم في المدينة سوى لأفراد منهم وجلهم موظفين في سلك (الدولة)، ويقول علي الوردي في صفحة (120) بأن عشيرة البوجواري نهبت عدداً من الحيوانات تعود لبعض أهالي مندلي، ثم يقول كان في مندلي يومذاك نحو (150) يهودياً، في أوائل ايلول وصل الى مندلي رجل بدوي اسمه (أبو طبر) وأخذ هذا الرجل يتغلغل بين الأهالي يدعوهم الى نهب أموال اليهود وانتهاك حرماتهم ولكنه لم ينجح في دعوته. بعد عرضنا لواقع مندلي في السنين الخوالي، قبل دنسها من قبل نظام البعث المجرم، يتضح للجميع بأن أسماء و سكان الأحياء والقرى هي كوردية و كذلك أسماء الأنهر و البساتين. إنّ 98% من أصحاب البساتين والمزارع وأصحاب المهن الحرة والوجوه المعروفة في مندلي هم من الكورد الذين صمدوا وحافظوا على هويتهم الكوردية، رغم المصاعب والويلات التي حلت بهم،وهم الآن بإنتظار ساعة الخلاص، ساعة العودة الى حضن إقليم جنوب كوردستان لتأخذ المدينة وضعها الطبيعي مع شقيقاتها، المدن الأخرى في الإقليم الكوردستاني.

________________________________________________

(1) في إقليم شرق كوردستان، هناك عدة قرى تحمل إسم “ريكا”، و “ريك”، و “ريك آباد” هي قرية تابعة لمدينة مهاباد، و “ريك آباد” قرية أخرى في مدينة أرومية، و “ريك آباد” إسم قرية ثالثة في “خوي”، و “ريكا” قرية في كرمانشاه.

(2) “وندنيكان”، “بندنيجين”، “بندنيج”، “مندليج”،”كورازرو” هي كلمات غير عربية، نطْقها وتدوينها لا تجاري اللفظ العربي، يقول ياقوت الحموي، نقلاً عن حمزه الأصبهاني، الى أن “وند نيكان” تم تعريبها الى “بند نيجين” و في الوقت نفسه يقول ياقوت بأن حمزه الأصبهاني لم يذكر معناها. بالإضافة الى الجذور الفارسية ل”حمزة”، فهو كان ضليعاً باللغة العربية وله باع بالمعرّبات. إذاً كيف لايعرف معنى هذا الإسم، إذا كان الإسم فارسياً و هذا يدل على أن الإسم المذكور هو غير فارسي و إنما كوردي؟ لذلك كان يجهل معنى الإسم. أنا إبن هذه المدينة و سوف أتناول معنى إسم مدينتي في مقال لاحق.

(3) في كتاب شهرزور- السليمانية لعباس العزاوي ص (124) جاءت بإسم مندليج.

(4) جاء في كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي، الرحاالة والشاعر واللغوي ( برازروز) نحن نتساءل إذا كان إسم المدينة هو “بلد الروز”، إذن لماذا يدونه ياقوت الحموي ب”برازروز”. إن كانت الكلمة عربية، وهو العالم باللغة، أيجهل هذه الكلمة البسيطة؟ إنّ الإسم هو بكل وضوح (ورازرو) وهو دونه وفق النطق العربي لأن الكلمة غير عربية فتكون صعبة التلفظ لناطقي الضاد، وهناك أسماء كثيرة قام المؤرخون العرب بتغييرها كي تناسب النطق العربي مثل “آتروپاتگان” التي أصبحت “آذربيجان”و “أسپهان” أصبحت “أصفهان” و تهران الذي صار عند العرب “طهران” و “ملاتية” أصبحت “ملاطي” و “أرزروم” تحولت الى “أرض الروم” و “قرمسين” الى “كرمانشاه” و “موسيل” الى “الموصل” و “أوستريا” الى “النمسا” و “فينيسيا” الى “بندقية” و “هنگارية” الى “المجر” و هكذا الى آخره.

(5) سكان “بازار بيجگ” هم من العشائر الكوردية مثل هنيمني وغيرها، كانوا يزوروننا في “قه لابالي” و كنا نتحدث نفس اللهجة الكوردية. لا توجد في
اللغة الفارسية كلمة “بيچگ”، الفرس يقولون “كچ~”، و إذا كان الإسم فارسياً، كان الإسم المذكور سيُدعى ب”بازار ~چ~” و لیس ب”بیچگ” ال~وردية.

(6) للأسف بعض الكتاب الكورد يكتبون عن طريق الخطأً ( جسر النفط). في جميع أنحاء العالم الإسم يكتب كما هو نحن الكورد إذا أردنا أن نكتب “الناصرية” أيجب علينا أن نبحث في أصل معنى التسمية ثم نكتبها؟ للأسف هذا الذي يحصل مع بعض الكُتاب الكورد، حيث يدونون الأسماء الكوردية بعقلية عربية و هذه جريمة بحق التاريخ والحقيقة. كلنا يعلم إن إسم هذا النهر منذ أن وجد هو “جم نفت” (نهر النفط) لأن التربة على جانبي النهر دهني و نفطي، إن صح التعبير (أعتقد يوجد نفط في تلك المنطقة)، أساساً لم يكن يوجد جسر أصلاً على النهر، بُني الجسر في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، بينما النهر موجود منذ زمن سحيق. لعدم وجود أنهر في الصحراء، نرى فقدان المنطقة لجسور لعدم الحاجة إليها. أرجو من هؤلاء الُكتاب الأفاضل و وسائل إعلامنا الإنتباه لمثل هذه الهفوات الخطيرة لأنّ الأنظمة العروبية تصرف مبالغ طائلة لتعريب الأسماء الكوردية، و بعملنا هذا نحقق الأهداف العنصرية لتلك الأنظمة و نقدمها لها على طبق من ذهب و مجاناً.

(7) بتفسير خاطئ، يقول البعض أنه سُمي بهذا الإسم خوفاً عليه و للتمويه لكي لا يكتشفه الأعداء، وهذا خطأ جسيم وتجني على الحقيقة، حيث أن الكورد بعد أن أصبحوا مسلمين، لم يتركوا معتقداتهم و موروثاتهم الدينية القديمة بين ليلة وضحاها، حيث أنها بقيت خالدة في وجدانهم الى يومنا هذا، نراه مسلماً، إلا أنه عندما يقسم، يحلف ب”باوه يادگار” أو “داود كًََوسوار”. لونفترض جدلاً أنه سُمي بهذا الإسم، كما يُدعى للتمويه، لدينا في مندلي مقبرة “باوه قريش” كما أسلفت “باوه حافظ” و “باوه طاهر”. هل هذه التسميات تمت للتمويه؟! إسم “باوه” متداول لليوم في عموم كوردستان، و هذا الإسم موجود، ك”باوه محمود”، و “باوه شاليار”، و “باوه يادگار”، و هذه الأسماء من المحرّمات عند المسلمين لأنها من بقايا الديانات الكوردية القديمة. إذن كيف
يتخذونه إسماً للتمويه وهو من المحرمات في الإسلام؟ من جانب آخر لايقبل الإسلام هذا الإسم لأن المسيحين يتداولونها ويقدسونها والإسلام يعتبره شرك بالله، عندما يقول المسيحيون( بإسم الأب والإبن وروح القدس)، وكذلك تسمية رجل الدين المسيحي بهذا الإسم الأب أبونا أي، باوه باللغة الكوردية، مرفوضة في العقيدة الإسلامية.
FRI, 8 FEB 2008 01:27 | KRG.org