الرئيسية » الآداب » جيورجي ديمتروف – 1882-1949: كتاب في حلقات – الحلقة 13

جيورجي ديمتروف – 1882-1949: كتاب في حلقات – الحلقة 13






جيورجي ديمتروف
1882-1949



القسم الرابع

الفصل الرابع


ـ خلال سنوات الحرب العالمية الثانية ــ


إندلعت الحرب العالمية الجديدة في الاول من ايلول ( سبتمبر ) 1939 ، بالهجوم النازي على بولندا ــ وكما في الحرب العالمية الاولى ، فقد كان إندلاعها نتيجة للنمو المتفاوت للدول الراسمالية في مرحلة الامبريالية . ففي البداية كانت حربا امبريالية بين مجموعتي البلدان الرأسمالية الكبيرة ، لكنها سرعان مابدأت تأخذ طابعا عدوانيا للبلدان الفاشية التي لم تعد تقاتل من اجل إعادة توزيعها للاقاليم ، بل عقدت العزم على دحر وإستعباد جميع الشعوب وإعادة عجلة التقدم الاجتماعي الى الوراء .
وبسبب طبيعة تلك الحرب ، فقد ظهر تياران رئيسيان ، احدهما امبريالي والآخر تحرري معادي للفاشية . فالاول اثبت نفسه من خلال جهود الدول الفاشية للاستيلاء على اراضي الغير خلال الحرب ، وفي مسعاها السري لحل تناقضاتها ، قامت الجماعات الحاكمة في البلدان الكبيرة المعادية للفاشية بتحريض البلدان الفاشية على الاتحاد السوفيتي ، وتحريض القوى الرجعية في البلدان غير الفاشية بمضاعفة هجومها على الاحزاب الشيوعية والقوى المعادية للفاشية ، التي تبذل جهودا كبيرة لجعل الحرب حربا ضد الفاشية . اما التيار التحرري ، فقد اثبت نفسه في النضال الوطني التحرري لشعوب البلدان المستعمَرة والمهددة بالعدوان الفاشي ، والنشاط المتنامي للشيوعيين والمعادين للفاشية في الدفاع عن المصالح الوطنية للطبقة العاملة وشعوبها . وفي المراحل الاولى للحرب كان التيار الامبريالي هو المسيطر لفترة من الزمن، رغم ان التيار التحرري كان ينمو ويقوى تدريجيا .
وفي إجتماعها المنعقد اوائل تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1939 ، قيًمت اللجنة التنفيذية للكومنترن الحرب على انها حرب امبريالية لكلا الجانبين ، واوضحت دور المجموعات الرجعية الحاكمة في الدول الرأسمالية في هذه الحرب ، كما اوصت اللجنة الطبقة العاملة بالعمل المستقل من اجل تحرير الشغيلة في جميع البلدان الامبريالية
من إضطهاد الرأسمالية . لكن كانت نقطة الضعف الوحيدة في ذلك هو عدم الاخذ بعين الاعتبارميول التحرر الوطني التي برزت خلال الحرب .
ولعب جيورجي ديمتروف دورا قياديا في تحديد وجهات نظر الكومنترن من الحرب ومهمات الاحزاب الشيوعية فيما يخص نشوبها . ففي اوائل 1939، اقرًت هيئة رئاسة الكومنترن بعض الطروحات بشأن الوضع على ضوء ما اعده ديمتروف وكوسنين ومانويلسكي بعد مشارورات تمهيدية مع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي ، ومناقشات سكرتارية اللجنة التنفيذية للكومنترن . وعلى اساس ذلك كتب ديمتروف مسودة توجيهات للاحزاب الشيوعية تتضمن موقف اللجنة اللجنة التنفيذية للكومنترن . كما واسهم في نشر موقف الكومنترن من خلال نشر مقالين رئيسيين في صحيفة البرافدا وصحافة الاحزاب الشيوعية عام 1939 و 1940 هما : ” الحرب والطبقة العاملة في البلدان الرأسمالية “ و “ الاول من مايو والنضال ضد الحرب الامبريالية “
وفضحت المقالتان النزعات الرأسمالية والرجعية في الحرب وحددتها “ بانها حرب امبريالية غير عادلة : لكلا المجموعتين المتحاربتين ، وذكرت المقالتان بأن مسؤولية الحرب تتحملها برجوازية البلدان الرأسمالية وقبل كل شيء الطبقة الحاكمة في الدول المشتركة في الحرب . ” وبهذا اصبحت مهمة البروليتاريا العالمية توحيد القوى لإقامة جبهة شعبية من الشغيلة فقط ، وتنسيق نضالها مع الحركة التحررية في الاقطار المستعَمرة والتابعة وجعل كافة التيارات الثورية تلتف حول بلد الاشتراكية العظيم الذي يدافع عن قضية السلام ، وشن نضال لاهوادة فيه ضد الحرب وضد إنتشارها لإنقاذ الشعوب من نيرانها المدمرة . ” ( 1 )

لقد ساعدت مقالتا ديمتروف الاحزاب الشيوعية وقياداتها على رسم خطط عملها الحاسمة في ظل الظروف الجديدة . كما قدًمت اللجنة التنفيذية وسكرتاريتها العامة مساعدتها لهذه الاحزاب من خلال إبداء النصائح والتوجيهات ، ومن اجل إعادة البناء التنظيمي والانتقال الى النشاط السري عند الضرورة ، ومن اجل تكوين مراكز عمليات ثابتة وفاعلة بشكل متواصل لتوجيه النضال المعادي للفاشية ، … الخ

إن الاحداث الكبيرة التي هزت اوربا ، دفعت ديمتروف لمضاعفة عمله المضني ، ومواصلة الاحتفاظ بعلاقات حميمة مع الشعب السوفيتي عن طريق نشر المقالات والرد على الرسائل والمشاركة في الاحتفالات والمهرجانات و حضور جلسات مجلس السوفيت الاعلى لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية . وكان دائما يجد الفرصة المناسبة ليشيد بدور الاتحاد السوفيتي البطولي بإعتباره السند القوي للبروليتاريا العالمية في نضالها من اجل السلام . وكتب ديمتروف الى عمال الصناعات المعدنية في تاجانروج قائلا : ” إن الحرب الامبريالية الثانية وخطر تحولها الى مجزرة عالمية تتطلب من شغيلة إتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية مضاعفة يقظتهم والاخذ بعين الاعتبار التطويق الامبريالي لبلادهم وعليهم تعزيز القدرة الدفاعية لبلد الاشتراكية ، بلد جميع الشغيلة . ” ( 2 )

وإنتشرت الحرب كحريق هائل . ففي نيسان ( ابريل ) 1941 ، احتلت الجيوش النازية الدانمارك والنرويج، وفي ايار ( مايو ) إجتاحت هولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ واحتلت فرنسا واجبرتها على توقيع معاهدة حزيران ( يونيو ) . وفي الوقت الذي اعلن النازيون عن نيتهم في غزو الجزر البريطانية صيف 1940 ، كانوا يعدون “ خطة بربروسا “ سيئة الصيت لشن حرب خاطفة ضد الاتحاد السوفيتي . وللتحضير لها ، بدأوا بالضغط على اقطار اوربا الوسطى والبلقان . ففي ايلول ( سبتمبر ) 1940 ، تمً التوقيع في برلين على معاهدة ثلاثية بين المانيا وايطاليا واليابان وإنضمت اليها كل من هنغاريا ورومانيا وبلغاريا . وفي خريف 1940 ، اطلقت ايطاليا حملة عسكرية ضد اليونان ، وفي ربيع 1941 ، قامت الجيوش النازية التي دخلت رومانيا وبلغاريا بإجتياح يوغوسلافيا واليونان .

إن إتساع الهجوم الفاشي ، وإحتلال عدد من بلدان اوربا الغربية والبلقان ، وهزيمة فرنسا وخطر غزو الجزر البريطانية ، ، قد عجًل من تعبئة القوى السياسية الراديكالية في بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية وفرنسا ، وإشتد ساعد النزعات التحررية المعادية للفاشية والحرب . كما لعبت النقمة الشعبية المتزايدة ضد المعتدين الغزاة دورا حاسما في ذلك الاتجاه . ففي البلدان المحتلة بدأت حركات المقاومة المعادية للفاشية تبرز الى الوجود . فقرر الحزب الشيوعي الفرنسي تشكيل مجاميع مسلحة ، ونشط الشيوعيون لإقامة جبهات وطنية موحدة في كل بلد ومنها ايطاليا والنرويج وبلجيكا وهولندا وغيرها من البلدان .

وفي الوضع الجديد ، بدأت اللجنة التنفيذية وسكرتاريتها وجيورجي ديمتروف التأكيد ، بطريقة اكثر تحديدا ، على الاتجاه التحرري العادل في الحرب ، واستمرت المناقشات حول وضع الاحزاب الشيوعية ومهماتها في عدد من البلدان ( فرنسا ، المانيا ، ايطاليا وغيرها ) ، واتخذت جملة من القرارات والتوصيات ، لتضع الاحزاب نصب عينيها العلاقة بين التحرر الوطني والاجتماعي ، وان توحد جميع القوى الوطنية والمعادية للفاشية للنضال ضد المعتدين .

ولعب ديمتروف دورا قياديا في هذا النشاط المفعم بالحماس ، ووجًه الحوارات مع القيادة والشخصيات البارزة في كل حزب ، واسدى النصائح للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي ، ونشر مسودات الوثائق وسلط الضوء على مجرى الاحداث والخط السياسي للشيوعيين . ففي نيسان ( ابريل ) ، القى ديمتروف خطابا في الاجتماع الموسع للسكرتارية وحضره ممثلون من بلدان مختلفة ، اكًد فيه بأن نضال الشعوب ضد الهجوم الامبريالي وإستعادة استقلالها يتسم بسمة وطنية تحررية عادلة ، واشار الى مقاومة الشعوب اليوغسلافية للغزاة النازيين وناشد الشيوعيين قيادة هذا النضال .

وطرأ تقدم في التوصيات التي قدمها ديمتروف لقيادة الحزب الشيوعي البلغاري في الداخل . فقد عكست تحليلاته الاولى ، تحديد خاصية الحرب بأنها حرب امبريالية . وبعد هزيمة فرنسا ، اخذت تحليلات ديمتروف تشير الى الميول المعادية للفاشية في الحرب ، وحذًر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري من التورط في التعبير عن انحيازها لأي من المجموعتين المتحاربتين . وحين اقام الجيش النازي معسكرات له في انحاء بلغاريا ، اوصى ديمتروف بالبدء بحركة جماهيرية ضد احتلال البلاد وشرح خطر الاستسلام القومي الكامل ، ونصح القوى الشعبية السلمية بتصعيد النضال وتقوية التضامن مع شعوب البلقان وتوثيق الصداقة مع الاتحاد السوفيتي .

وساعد جيورجي ديمتروف الاحزاب الشيوعية ليس في اوربا فحسب ، بل وفي القارات الاخرى . في الصين كان الحزب الشيوعي يناضل ببسالة ضد المعتدين اليابانيين ، ويتبع تكتيكات الجبهة الموحدة المعادية لليابان ، لكنه إبتعد عن تطبيق المباديء اللينينية في حياة الحزب الداخلية ، وتقلص دور المركزية الديمقراطية ، وضعفت الديمقراطية داخل الحزب ، وضعف دور العنصر العمالي في قيادة الهيئات الحزبية ، .. الخ . فكان ديمتروف يناقش مشاكل الشيوعيين الصينيين في اللجنة الدائمة وسكرتارية اللجنة التنفيذية للكومنترن ويقدم تحليلاته التفصيلية ، ويوجه الرسائل للقادة الصينيين ، .. الخ .

كما لايتوانى السكرتير العام للكومنترن في تقديم توصياته الودية للاحزاب الشيوعية في امريكا اللاتينية . ففي
شباط ( فبراير ) ، اجرى ديمتروف حوارا طويلا مع شخصية قيادية في الحزب الشيوعي الشيلي وناقشا سلسلة من المشكلات ، واكًد على حاجة الشيوعيين للبدء بالعمل بين الجماهير الفلاحية والقوات المسلحة والشباب ، واشار الى خطر الإنقلابات العسكرية والديكتاتورية الارهابية ، مؤكدا على التلاحم العضوي بين المصالح الوطنية للشعب ونشاط الحزب الاممي وناشد البروليتاريا في امريكا واوربا “ للتضامن الكلي مع الاتحاد السوفيتي “ .
وفي الوقت الذي بدأت الحرب تتسع واصبحت تهدد الاتحاد السوفيتي ، كان على ديمتروف ان يقوم بسلسلة من المسائل تتعلق بجهاز اللجنة التنفيذية للكومنترن . فكرًس وقتا كبيرا لتطوير صحافة الكومنترن ودور النشر
باللغات الاجنبية وإعداد وتدريب الكوادر الشيوعية لبلدان مختلفة وتقديم المساعدة المادية للاجئين السياسيين .. الخ . وكانت التطورات العسكرية تجلب المفاجئات مما يتطلب من كل فرد ان يكون مستعدا لمواجهتها وإتخاذ الخطوات الحاسمة والسريعة بشأنها .
وبعد إحتلال وإخضاع معظم البلدان الاوربية وسلب مواردها البشرية والمادية ، شنت النازية الالمانية هجوما مفاجئا وغادرا على الاتحاد السوفيتي في الثاني والعشرين من حزيران ( يونيو ) 1941 ، في محاولة لتحطيمه في حملة عسكرية خاطفة . ورغم الخسائر الجسيمة في الاشهر الاولى للحرب ، انزلت الجيوش السوفيتية خسائر فادحة بالعدو واوقفت تقدمه بالقرب من موسكو . وفي صيف 1942 ، تقدمت القوات الالمانية النازية وحلفاءها باعداد كبيرة بإتجاه جنوب الاتحاد السوفيتي ، لكن الجيوش السوفيتية قاومتها ببطولة وانتقلت الى الهجوم المضاد في ستالينغراد ، حيث تمً محاصرة عدد كبير من قوات العدو وابادتها في الثاني من شباط ( فبراير ) 1943 .

إن الهجوم الفاشي ضد الاتحاد السوفيتي ، ادى الى تغييرات جذرية في طبيعة الحرب العالمية الثانية ، التي اصبحت بكل تأكيد حرب تحرير عادلة للشعوب والدول التي عارضت الكتلة الفاشية المعتدية . في نهاية 1941 ، تشكل إئتلاف معاد للنازية من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا ، ثم تحول الى حلف دولي لمحاربة المانيا وحلفاءها .فبدأت في البلدان التي احتلتها النازية ،المقاومة المسلحة على شكل حركات تخريبية . وامسك الاتحاد السوفيتي بزمام المبادرة في النضال المسلح ضد الفاشية وقدًم برنامجا واضحا لهزيمة
الفاشية وتحرير الشعوب الواقعة تحت نير اضطهادها .

ومع التطور الجديد للحرب ، واجه الكومنترن وسكرتاريته عدد من المهمات المعقدة ومنها التغييرات الجذرية التي حدثت في اسلوب الحرب والمهمات الجديدة التي ينبغي صياغتها للاحزاب الشيوعية في العالم الرأسمالي ، واجراء تغييرات في المجالين الايديولوجي والتنظيمي في حياة هذه الاحزاب وتصعيد النضال ضد الفاشية وتأمين وحدة كافة القوى الديمقراطية والتقدمية لمقاومة كتلة الدول الفاشية ، واصبحت وحدة جميع القوى الوطنية في هذه المرحلة الجديدة من الحرب مسألة ملحة ، وكان على ديمتروف ان يبادر الى معالجة جميع هذه المشاكل بإعتباره سكرتيرا عاما للكومنترن .

وفي الثاني والعشرين من حزيران ( يونيو ) 1941، وبعد اجتماع استشاري دام ساعات مع القادة السوفيت في الكرملين ، دعى جيورجي ديمتروف الى عقد اجتماع موسع لسكرتارية اللجنة التنفيذية للكومنترن وقدًم تقريرا مفصلا للوضع وحدد التوجه السياسي للحركة الشيوعية العالمية ومهماتها . إن الصفة التحررية للحرب والدور
المحوري الذي لعبه الاتحاد السوفيتي فيها ، استوجب من الاحزاب التي تقود الحركة الواسعة لتأييد الاتحاد
السوفيتي ، وان تقوم بتنظيم حركات تحرر وطنية جماهيرية ضد الاحتلال الفاشي والتبعية وتقديم المساعدة للحكومات المتحالفة مع الاتحاد السوفيتي .. الخ . وتلخصت المهمة الرئيسية في الحاق الهزيمة بالفاشية ، وتحرير الشعوب وتقديم التأييد الكامل للاتحاد السوفيتي .

وتقرر اعادة تنظيم كامل لعمل جهاز اللجنة التنفيذية للكومنترن لتحقيق التعبئة لجميع القوى والتوصل الفوري لإدراك المهمات وانجازها . وتمً تكليف مجموعة من الرفاق من ضمنهم جيورجي ديمتروف ، د. مانويلسكي ، ب . تولياتي بمسؤولية الادارة اليومية لعمل اللجنة التنفيذية . وتقرر توجيه رسائل الى الاحزاب الشيوعية تضمنت ، في الاساس ، الاعتبارات الهامة التي قدمها ديمتروف . وفي الايام التالية اتخذت اللجنة التنفيذية والسكرتارية وديمتروف خطوات فورية لتشعر الاحزاب الشيوعية بموقف اللجنة التنفيذية .وكان الهدف من ذلك توضيح وتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة والاتفاق على التكتيكات في الظروف الآنية . واصدر كل حزب كراسات ووثائق سرية وعلنية يشجب فيها الهجوم الفاشي ضد الاتحاد السوفيتي وناشد الشعوب لتأييده .

إن وجهات نظر جيورجي ديمتروف التي تضمنتها وثائق اللجنة التنفيذية والاحزاب الشيوعية ، كانت تعبيرا عن النهج الذي رسمه المؤتمر السابع للكومنترن . فالفكرة المطروحة قبل الحرب والقاضية بإئتلاف واسع معاد
للفاشية قد تجسدت في حركة المقاومة لجميع المعادين للفاشية وبروز الجبهات الوطنية . واصبحت فكرة لينين القائلة بعدم الفصل بين النضال من اجل الديمقراطية والنضال من اجل الاشتراكية واصبح خلق الاشكال والظروف الملائمة لتطبيقها مهمة يومية ملحة . وثبت بشكل واضح الوحدة العضوية للمهمات الوطنية والاممية
للبروليتاريا التي تنطوي على تقديم المساعدة للشعوب السوفيتية في حربها العظيمة لأنه من خلال ذلك تكون البروليتاريا قد حاربت ، في حقيقة الامر ، من اجل تحررها بالذات . وتمشيا مع روح قرارات المؤتمر السابع ، بدأت فكرة اخرى تتبلور ايضا الا وهي الفكرة القائلة بالحاجة الى تحقيق الربط بين المسؤولية الوطنية للاحزاب الشيوعية وواجباتها الاممية عند رسم الخط السياسي لهذه الاحزاب .

إن الهجوم الفاشي على الاتحاد السوفيتي قد جعل إتصال اللجنة التنفيذية للكومنترن بالاحزاب الشيوعية في كل بلد اكثر صعوبة ، وبمبادرة من ديمتروف تمً تنظيم اتصال ثابت مع هذه الاحزاب عبر الراديو ، وظهر بأن للمحطات الاذاعية للقوميات المختلفة دورا هاما . فقد اصبحت هذه المحطات شعبية وتحمل اسماء وطنية مثل “ خرستو بوتيف “ لبلغاريا ، سفوبودنا يوغسلافيا الحرة “ ، “ راديو الشعب الالماني “ .. الخ . وبدأت هذه المحطات تبث على نفس موجات الطول التي تبث عليها المحطات الرسمية في برلين ، فيينا ، وارسو ، صوفيا
وبدأ القادة الشيوعيون البارزون في مختلف البلدان والذين يعيشون في موسكو لاجئين سياسيين ، يبثون الاخبار وتعليقاتهم بلغاتهم .
وشاركت معظم الشخصيات البارزة في الحركة الشيوعية العالمية الذين يعيشون في موسكو في إعداد البرامج الاذاعية ، وتشكلت هيئة تحرير خاصة لهذا الغرض كما وتأسست منظمة عامة لهذه المحطات ومكتب تحرير مركزي برئاسة جيورجي ديمتروف ومساعدة ب. تولياتي و ج . كريتي ، ووطد ديمتروف علاقته بهيئة تحرير كل مكتب وطني ، ودعا الى عقد كونفرنسات لهيئات التحرير ليطلعهم بتطورات الحرب ، ولمناقشة المواد الاساسية للبرامج الاذاعية والشعارات .. الخ . وشارك ديمتروف بشكل مباشر في عمل بعض مكاتب التحرير ، يكتب المقالات المركزية لمحطاتها ويحرر بعض التعليقات السياسية ،و إحتلت محطة راديو بلغاريا “ خرستو بوتيف “ موقعا خاصا في إهتماماته .

لقد ناضلت قيادة الكومنترن وجيورجي ديمتروف شخصيا لجعل كل محطة مركزا تنظيميا قادرا على توحيد جميع القوى المعادية للفاشية . وكان على كل مركز أن يصيغ التقارير حول اي تغيير يطرأ على الوضع ليذيعها في الحال ، كما ومن مهمات المركز ايضا نشر وتعميم تجربة الحركة المعادية للفاشية في البلدان الاخرى . ولهذا الغرض كانت سكرتارية اللجنة التنفيذية تعيد النظر بإستمرار في عمل محطات الاذاعة الوطنية وتتخذ القرارات اللازمة وتعطي التوجيهات المحددة لهيئة التحرير والمعلقين .

إن اهم المشكلات التي واجهت قيادة الكومنترن وسكرتاريته العا مة هو العمل السياسي بين اسرى الحرب الذين
اخذت اعدادهم تزداد بسرعة . فقد كان هولاء جنود وضباط في الجيوش الفاشية ، وكان معظمهم تحت تأثير الافكار العنصرية والشوفينية والنزعة العسكرية ومعاداة الشيوعية .لذا كان من الضروري البدء بعمل منظم ودؤوب ومتواصل يرمي الى إعادة تربيتهم بروح معاداة الفاشية والانتصار للديمقراطية وبناء النظام الديمقراطي في بلدانهم . وبالإتفاق مع السلطات السوفيتية ، بعثت سكرتارية اللجنة التنفيذية للكومنترن في اوائل صيف عام 1941،بممثليها الى معسكرات اسرى الحرب وجلًهم من المهاجرين من المانيا ، النمسا ، هنغاريا ورومانيا من الذين ساهموا بالعمل المنظم مع اسرى الحرب . وفي كانون الثاني ( يناير ) 1942 ، ناقشت السكرتارية العمل السياسي في المعسكرات ووافقت على مقترح إنشاء مدرسة سياسية لإسرى الحرب معادية للفاشية ، وفي الحال إبتدأ العمل فيها ، كما وأفتتح فرع خاص بالضباط من اسرى الحرب ذووي النزعات المعادية للفاشية ونُظمت كونفرنسات لممثلي اسرى الحرب ، نوقشت فيها المهمات التي تواجههم في النضال ضد الفاشية
.
وتولى جيورجي ديمتروف بنفسه توجيه هذه المهمة الصعبة والمعقدة والاشراف على تنفيذها من خلال إسداء النصائح والتدقيق في التقارير والتوسط لدى السلطات السوفيتية لتسهيل عمل الاسرى . وبفضل جهود اللجنة التنفيذية وخاصة سكرتاريتها العامة ، اصبح آلاف الجنود والضباط الالمان معادين للفاشية . والاكثر اهمية من ذلك ان الشيوعيين الذين ساعدوا هولاء الاسرى بتربيتهم السياسية ، قد اصبحوا اكثر قناعة بعدالة سياستهم
الوطنية .
وبإشراف جيورجي ديمتروف شخصيا تحقق مشروع مهم للكومنترن يقضي بتنظيم وتدريب وإرسال مجموعات من المهاجرين السياسيين الذين يعيشون في الاتحاد السوفيتي للعمل السري في بلدانهم الواقعة تحت الاحتلال النازي أو تحت السيطرة الفعلية لإلمانيا الهتلرية .وتشكلت هذه المجموعات من الشيوعيين المجريين
الذين تخرج قسم منهم من المدارس العسكرية السوفيتية أو من الذين شاركوا في معارك الحرب الاهلية الاسبانية . وتلخصت المهمة التي أنيطت بهم تقديم المساعدة لإحزابهم في بلدانهم وتنظيم الكفاح المسلح لشعوبهم ضد
المعتدين النازيين وقوات الاحتلال و كان ديمتروف يبدي اهتماما خاصا بكل إحتياجاتها اثناء تلقيها التدريبات العسكرية . وبعد ان تشكلت هذه المجموعات بشكل نهائي ، إستدعاها ديمتروف الى مكتبه ، واوجز لها الوضع في بلدانها والمهمة التي عليها تنفيذها ، مزودا اياها بخبرته الثورية الواسعة . وقبل رحيل هذه المجموعات الى بلدانها ، إستضافها ديمتروف مرة اخرى واجرى معها احاديث ودية ، وقدًم تعليماته الاخيرة وشجعها على التغلب على المخاطر والمحن .


وعندما كانت هذه المجموعات تغادر بالغواصة أو بالطائرة أو بمساعدة الانصار السوفيت الى مواقعها ، كان ديمتروف يتابع تقدمها بحماس و عن طريق الراديو يبقى على اتصال مباشر معها ويبذل جهده في نصحها ومساعدتها . وحين يصيبها مكروه ، يستقبله ديمتروف بألم عميق ، ويسعى لمعرفة الاسباب ويأمر بإتخاذ اجراءات سريعة لإنقاذ من يبقى على قيد الحياة . وعند فشل المجموعة الاولى المرسلة الى بلغاريا في صيف 1941 ، قرر المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري في المنفى ، وبناء على مقترحات ديمتروف ، توقف ارسال مناضلين جدد الى البلاد لمدة سنتين تقريبا . وإهتم ديمتروف لدرجة كبيرة بمساعدة حركة الانصار التي اخذت تتسع في البلدان المحتلة والبلدان الفاشية ، وقامت السكرتارية العامة واللجنة التنفيذية للكومنترن بمناقشة هذه القضية اكثر من مرة . وفي 26 ايلول ( سبتمبر ) 1942، اتخذت السكرتارية قرارا خاصا يقضي بإذاعة المواد الدعائية لحركة الانصار يوميا ،وربط النصائح باحاديث تؤكد على اهمية وضرورة النضال الذي يشنه الانصار وصحة اعمال التخريب والتمويه التي تُنفذ ضد الفاشية .

لقد تطلع الانصار في كل انحاء العالم الى ديمتروف بالاعجاب والعرفان مستمدين من شجاعته وبطولته الالهام في نضالهم الثوري ، وكانوا غالبا ما يتحدثون في ساعات التدريب السياسي عن موقفه البطولي في محاكمة لايبزغ ويتغنون بإسمه في ساعات العمل والراحة . فكان للانصار اليونانيين اغنية شعبية عن “ ديمتروف البطل “ والتي تحكي مبارزته مع غورنغ ، وكانوا يناشدون جميع الوطنيين الاقتداء بمثله البطولية في النضال ضد الفاشية .
وفرضت ظروف الحرب على السكرتير العام للكومنترن الاهتمام بالعديد من احتياجات الاحزاب الشيوعية في البلدان الرأسمالية ، وحرص ديمتروف على الاتصال المباشر عبر الراديو مع اللجان المركزية لهذه الاحزاب ليتمكن من مساعدتها على حل القضايا المعقدة التي تواجهها من جراء الحرب ، مثل تشكيل الجبهات الوطنية وحركة الانصار ، وناضل لتزويدها بخبرته الثورية وبصيرته السياسية ومعارفه كمناضل متضلع في النظرية
اللينينية . واولى عناية خاصة بالاحزاب التي تمر بصعوبات أو التي تعمل في ظروف غير مؤاتية مثل الاحزاب الشيوعية في المانيا وبلغاريا ويوغسلافيا وفرنسا .. الخ

وأثًرت الحرب الوطنية العظمى التي خاضتها الشعوب السوفيتية بصورة كبيرة ، ليس على تكتيكات ونشاطات اللجنة التنفيذية للكومنترن فحسب ، بل وعلى حياة وعمل قادتها ، الذين شعروا بوطأة الحرب وويلاتها وتحولوا
جميعا للعمل ببرنامج الحرب . وكان العديد منهم يقضون الليل في رسوتوكينو يعملون بنظام الوجبات ليتمكنوا من استلام التقارير الواردة بواسطة الراديو من مختلف البلدان وتوصيل المعلومات بسرعة الى مكتب التحرير المركزي ، فضلا عن قيامهم بعدد لايحصى من المهمات الاخرى .

وفي تلك الفترة الملحمية ، تميز نشاط اللجنة التنفيذية للكومنترن بالدور النشيط لجيورجي ديمتروف الذي نهض
بكل مسؤولياته رغم اعتلال صحته ، وكانت السكرتارية العامة للكومنترن ترصد عن كثب جميع المشاكل وتبدي اهتماها بها ، لأن كافة القضايا تصبح قضايا مهمة اثناء الحرب . لم يدخر ديمتروف جهدا لمساعدة العاملين ليس في حل المشاكل الرئيسية للاممية الشيوعية فحسب بل وفي حل مشكلات الحرب اليومية من غذاء ودفاع وطني وإجلاء السكان .. الخ

وعنما اصبح الالمان على مشارف موسكو ، إنتقلت هيئة اللجنة التنفيذية للكومنترن الى يوفا ، عاصمة جمهورية باشكيريا الاشتراكية السوفيتية “ وهي من اقاليم الحكم الذاتي “ ، وقسم من الهيئة انتقل الى كويبيشف واماكن اخرى . وفي منتصف اكتوبر عام 1941 ، غادر ديمتروف موسكو حسب مقتضيات الضبط الحزبي وقضى بعض الوقت في كويبيشف ثم ذهب في كانون الاول ( ديسمبر ) الى يوفا . ليعود الى موسكو في منتصف آذار ( مارس ) 1942 .وفي الوقت الذي استمر ديمتروف بالعمل الشاق في باشكيريا لحل المسائل العامة ، كان محاطا بعناية كبيرة من قبل القادة المحليين والسكان ، إلا انه جعل همه مراقبة الاوضاع الصحية والمعيشية لمساعديه الذين كانوا يعملون في ظروف قاسية .

وعندما زال الخطر عن العاصمة السوفيتية وإتجهت العمليات العسكرية جنوبا ، عاد مساعدو ديمتروف الى موسكو ايضا . وواصل ديمتروف عنايته المعتادة بالناس رغم تعدد ارتباطاته . فقد اصدر توجيها رسميا بالسماح لكل فرد أن يناقش معه اية قضية بما في ذلك القضايا الخاصة . فقد كان يلتقي ليس باعضاء اللجنة التنفيذية للكومنترن فحسب ، بل وبالناس السوفيت بإعتباره ممثلا لهم في مجلس السوفيت الاعلى لإتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية ، ليطلعونه على مطاليبهم في السكن والعمل وإستفساراتهم عن اقاربهم المفقودين .. الخ .

كان ديمتروف حريصا على الرد على كل رسالة ترد اليه ، وكان رفاقه يشعرون بمودة متبادلة معه ، وظهر ذلك واضحا بمناسبة عيد ميلاده الستين في 18 حزيران ( يونيو ) 1942 . ففي ذلك اليوم عُقد اجتماع عام في بناية الكومنترن وحضره جمع ما الرفاق من بينهم د . مانويلسكي ، ف . كولاروف ، فلهلم بيك وغيرهم ، وعبًروا عن اعتزاز الشيوعيين والقوى التقدمية والمعادية للفاشية للابن العظيم للشعب البلغاري ، الذي قدًم خدمات جليلة للشيوعية والحركة الثورية . ونُظم احتفال في يوفا بهذه المناسبة ايضا .

وفي نيسان ( ابريل ) 1943 ، فُجع جيورجي ديمتروف بوفاة ابنه ميتا ، البلغ من العمر سبع سنوات ، اثر اصابته بمرض مفاجيء . في البداية شُخص مرضه التهاب الحنجرة ، إلا انه تطور الى دفتريا،ونُقل الطفل الى المستشفى بعد فوات الآوان حيث توفي هناك . لقد كانت فاجعة كبيرة لديمتروف ولم يستطع تجاوزها إلا بعد وقت طويل، وكان عزاؤه الوحيد هو العمل المتواصل لمصلحة الناس .

وبعد الانتصار في ستالينغرا د في صيف 1943، حقق الجيش السوفيتس إنتصارا ساحقا على الجيوش النازية في جبهة كورسك ، وتقدم على جبهة عريضة في نهاية العام ليحرر ثلثي الارض السوفيتية التي احتلها العدو مؤقتا . ومن خلال العمليات الهجومية القوية عام 1944 ، حرر المقاتلون السوفيت ارضهم نهائيا ، ونقلوا الحرب الى ارض العدو وبدأوا العمل لتحرير الشعوب من العبودية الفاشية . ففي صيف وخريف 1944 ، اشرقت شمس الحرية فوق رومانيا وبلغاريا وفنلندا ويوغسلافيا و البانيا . واصاب الذعر القوى الانكلو امريكية بسبب هذه الانتصارات ، لذا سارعت بالاستيلاء على ايطاليا ، وفتحت جبهة ثانية في نورماندي .

وفي ظل الظروف الجديدة وعنما اتخذ نضال الشعوب التحرري طابعا جماهيريا متزايدا بقيادة الاحزاب الشيوعية المتحالفة مع كل القوى الوطنية الاخرى ، تبلورت الضرورة الموضوعية القاضية بإقامة بناء تنظيمي للحركة الشيوعية العالمية .لقد نضجت الاحزاب الشيوعية تنظيميا وايديولوجيا وإزداد دورها في النضال من اجل مصالح كل القوميات ، وظهرت الحاجة لتكون هذه الاحزاب قادرة على حل كل مشكلة ملموسة في النضال المعادي للفاشية بسرعة وبشكل فعال ، وقد تطلب ذلك إستقلالية وروح مبادرة اكبر ، مما الغى الضرورة لوجود مركز تنظيمي واحد مثل الكومنترن ، وعلاوة على ذلك فالتطورات في العلاقات الدولية بعد الانتصار التاريخي للاتحاد السوفيتي فرضت إعتماد اساليب جديدة بمقدورها ان تفوت الفرصة على اعداء الطبقة العاملة والقوى المعادية للفاشية للادعاء بأن موسكو تعتزم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الخرى ، أو ان الاحزاب الشيوعية كانت تستلم الآوامر من الخارج وتمثل المصالح الاجنبية .

وإستنادا الى كل ذلك ، فقد طرحت هيئة رئاسة الكومنترن مسألة حل الكومنترن وذلك في ربيع 1943 . وتقرر إجراء إستفتاء لاستطلاع رأي كل حزب حول هذه القضية، لأن الحرب لك تكن تسمح بعقد مؤتمر لهذا الغرض . وجاءت الاجابات بالموافقة ، ولم ترد اية معارضة من اي حزب شيوعي على ذلك . وفي الثامن من حزيران ( يونيو ) اعلنت هيئة رئاسة الكومنترن قرارها القاضي بحل الكومنترن وأتخذ القرار بالاجماع . وإعتبارا من 10 حزيران ( يونيو ) توقفت جميع هيئات الكومنترن عن العمل ، وفي الوقت نفسه صدر قرار اللجنة التنفيذية للشبيبة الشيوعية العالميةبحل نفسها للاسباب ذاتها .

لقد مارس ديمتروف دورا قياديا مباشرا في التحضير لهذا القرار ، وكان يدير جميع جلسات اللجنة التنفيذية المكرسة للنظر في هذه القضية ، ووضع بنفسه صيغة الاقتراح ، وعمل مع د . مانويلسكي لإعداد مسودة قرار حل الكومنترن . كما ساعد ديمتروف في إقناع القادة والشخصيات البارزة في الكومنترن بضرورة حل هذه الهيئة ، وتحدث مع العديد من الناس واقنعهم باهمية هذا القرار .

لقد حلً الكومنترن نفسه ، لكن تقاليده اللينينية وتجربته الثورية الغنية بقيت حية ومؤثرة في الحركة الشيوعية العالمية . فقد نقل الكومنترن الى كل الاحزاب الماركسية ــ اللينينية وحركات التحرر قيما ايديولوجية وسياسية واسترتيجية وتكتيكية رائعة تبلورت في ظل قيادة لينين ، ووفقا لافكاره ،التي اختبرتها الممارسة التاريخية للحركة الثورية العالمية . ” وفي مراحل نحددة من نشاط الكومنترن كانت هناك اخطاء وممرسات فردية ، لكنها لم تؤثر على الدور الكبير الذي لعبه الكومنترنفي النضال التحرري للشعوب ، ولم تستطع هذه الاخطاء التقليل من اهمية تقاليده المجيدة ، التي اغتنت وتطورت الى حد بعيد من قبل الحركة الشيوعية فيالظروف الراهنة .. كما ان عددا من القضايا الاساسية التي حلتها الحركة الشيوعية ، قد عالجتها الاممية الشيوعية في وقتها . ” ( 1 )

وبعد حل الكومنترن ، كرس ديمتروف جهده لمهمة تصفية اعمال دوائره واقسامه ومكاتبه ، وإيجاد اعمال مناسبة لوظفيه والاحتفاظ بالارشيفات والمعدات ونقل الاعمال الاساسية للجنة التنفيذية للكومنترن الى قيادات الاحزاب الشيوعية المستفلة .. الخ .

وتطلبت هذه المهمة المعقدة حكمة كبيرة وبصيرة وخبرة عملية وثقة عالية بالانسان ،فأولى ديمتروف اهتماما خاصا باللاجئين السياسيين ، الذين بقي معظمهم يعمل في محطات الاذاعة الوطنية وفي دور النشر باللغات الاجنبية وفي وظائف اخرى ملائمة اشرفت عليها اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي ( البلشفي ) ومكاتب الاحزابالشيوعية للبلدان الرأسمالية في المنفى والموجودة في موسكو .

وبعد حل الكومنترن وتصفية هيئاته ومكاتبه ، تشكل في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي ، بشكل مؤقت قسم “ الاعلام العالمي “ برئاسة أ . س . شيرباكوف ثم برئاسة جيورجي ديمتروف . وكانت مهمة هذا القسم الاتصال بمكاتب الاحزاب الشيوعية في المنفى والموجودة في موسكو ، لمساعدتها في نشاطاتها المتعددة الجوانب والمتعلقة بالاذاعات الوطنية والعمل بين اسرى الحرب والاتصال المباشر بأقطارهم .. الخ دون التدخل في شؤونهم ومبادراتهم الذاتية .

وفي منصبه الجديد ، كانت غرفة مطالعة ديمتروف في “ نوجين سكوير “ ، غرفة واسعة ، تحتل منظدة مكتظة بالكتب والوثائق والنشرات الاعلامية زاويتها البعيدة ، وكانت تزوره الشخصيات القيادية التي تعيش في العاصمة السوفيتية أو التي تكون في زيارة لها ، تطلب النصيحة والمشورة من الشخصية البارزة فيالحركة الشيوعية العالمية ، والتوسط لدى الحزب الشيوعي السوفيتي والحكومة لحل المعضلات الصعبة والمعقدة . وهكذا وحتى نهاية الحرب استطاع ديمتروف ان يعمل الكثير من اجل الاحزاب الشيوعية الاخرى ، التي دخلت طورا تاريخيا جديدا في تطورها .

وفي الحقيقة ، وحتى في ظل هذه الظروف الجديدة ، عمل ديمتروف بحماس وعاش افراح وهموم الاحزاب الشيوعية والشعب السوفيتي رغم تدهور حالته الصحية ، وكان حين يمرض لايمنح نفسه فترة راحة طويلة بسبب ظروف الحرب الصعبة ، وأصيب في ربيع وصيف 1943 بإلتهاب الرئة والتهاب المرارة .

وفي الخريف ، اصاب ديمتروف مرض خطير اضطره للرقود في المستشفى تحت اشراف الاطباء لعدة شهور . وما ان تحسنت صحته قليلا ، عاود العمل من جديد .

لقد حرص ديمتروف ان يوحه كل افكاره ووجدانه الى بلغاريا ، حين وصلت الازمة السياسية ذروتها وباتت كافة الدلائل تشير الى وضع ثوري . وبعد ان تفحص ديمتروف تطور الاحداث ، اعطى نبؤته الدقيقة حول ذلك ، مشيرا الى الطريق الذي يجب ان تسلكه بلاده لتتجنب الهاوية التي يقودها اليها حكامها الفاشيون . واشار الى ذلك الطريق في مقالتيه التاريخيتين اللتان نشرتهما صحيفة البرافدا في سبتمبر واكتوبر 1943 تحت عنوان “ بلغاريا الى اين ؟ “ و “ الازمة في بلغاريا “ وطُبعت المقالتين في كراس منفصل بعنوان “ ما الذي سيقود بلغاريا الى الخلاص ؟ “ وفي مقال رئيسي بعنوان “ طريق بلغاريا للخلاص “ في آب ( اغسطس ) 1944 .

فقد اكًد ديمتروف في مقالاته بأن الطريق الحقيقي لخروج بلغاريامن الازمة يكمن في تبني بلغاريا سياسة وطنية حقة تتطلب منها وضع حد لتبعيتها الى المانيا .وبعد تحليل الوضع الدولي ، اشار ديمتروف الى الامكانيات العملية لتحقيق هذا الهدف .

لم يكن لدى حكام بلغاريا العزم على إحداث تغيير جذري في سياستهم الخارجية ، لانهم يضعون مصالحهم الشخصية فوق مصالح الامة ، اما بالنسبة لديمتروف ، فالشعب البلغاري المتحد في جبهة وطنية بإمكانه رؤية الطريق الصحيح للخلاص من الازمة بتصفية النهج الموالي الى الماني من كل جوانبه .

إن عام 1944 ، جذب بلغاريا الى دوامة الاحداث الدولية . وكان الجيش السوفيتي يتقدم ببأس شديد بإتجاه الجنوب ويقترب من البلقان . وظلت الازمة في الدوائر الحاكمة تتفاقم اكثر فاكثر ، وكانت الدوائر المؤيدة للنازية تبحث عن مخرج عبر مناوراتها السياسية ، وفي تلك اللحظات التاريخية ، كان ديمتروف يتابع عن كثب تطورات الوضع الدولي ويقدم نصائحه وتوجيهاته للجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري ، مشيرا الى بعض نقاط ضعفها ويرسم الخط الصحيح للعمل والنضال .

ولعب جيورجي ديمتروف دورا حاسما في فضح الحكومة البلغارية برئاسة أ . باكريانوف التي تشكلت في الاول من حزيران ( يونيو ) 1944 ، بهدف الاحتفاظ بالسلطة الفاشية والملكية من خلال التحايل والتسويف الديماغوجي .

وفي نهاية آب ( اغسطس ) ، وعندما بدأت الحكومة والجيش بمحاولاتها الاخيرة لإبقاء البلد في فلك المانيا الفاشية أو على الاقل الاحتفاظ بالملكية والرأسمالية ، أصدر جيورجي ديمتروف نيابة عن المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري في المنفى ، تعليمات حازمة للقوى الثورية في الداخل لتشن الهجوم الاخير على النظام المتصدع .
وفيالتاسع من ايلول ( سبتمبر ) 1944 ، استطاعت القوى المشتركة من جيش الانصار والعناصر الوطنية في الجيش وبالاعتمادعلى الجيش السوفيتي ، الذي كان يتقدم محققا الانتصار تلو الانتصار والذي رحبت به البلاد بإعتباره محررها من الديكتاتورية الملكية الفاشية ، من تشعل فتيل الثورة الاشتراكية في بلغاريا وبفضلها استطاعت الاغلبية الساحقة من شغيلة المدن والارياف تحت قيادة الطبقة العاملة وطليعتها الشيوعية ان تفوز بالسلطة في البلاد . ” ( 2 )

وإستقبل جيورجي ديمتروف انتصار الشعب البلغاري في التاسع من ايلول ( سبتمبر ) بحماس وفرح عميقين . لقد تحققت الاحلام والاماني التي راودت ذهنه وهو يرى طبقته العاملة وشعبه الذي عانى طويلا ، قد تحرر وسار في طريق الاشتراكية . ومثًل هذا الانتصار ثمرة رائعة لجهود زنضالات الشعب البلغاري ذد القوى ارأسمالية والفاشية على امتداد نصف قرن من الزمان ، ومن اجل تحرير الوطن الغالي وسعادته .