الرئيسية » المرأة والأسرة » متى اخرجت حواء آدم من الجنة؟

متى اخرجت حواء آدم من الجنة؟

كانت مزحة بيني وبين زوجتي حول آدم وحواء وخروجهم من الجنة، فقلت لها.

“في اليوم الذي قادت شمخات إنكيدو الى أوروك أخرجت حواء آدم من الجنة”.

وفعلا أستحقت هذه الجملة أن تكون محور موضوع هذه المقالة.
من الألغاز التي استعصت على الفهم البشري عبر آلاف السنين هو لغز عناصر الأسطورة التي كانوا أبطالها شخصيات الهية أو نصف الهية. وكانت البداية عندما تمكن البشر من التعبير عن مشاعر واحداث حياتهم اليومية بصياغة أدب يتغلب عليه طابع الرمزية في كل مفرداته بشكل عام.
وشعوب بلاد الرافدين من خلال تقدمها على غيرها في اختراع الكتابة، سبقت غيرها من الشعوب في تدوين أدبها بهذه الصيغة التي لا تخلو من الإيقاع الشعري، والسرد القصصي في نفس الوقت. وهذا النوع من الأدب يمكن إيجاده في ايامنا هذه في قصائدنا. حيث الرمزية دائما هي الغالبة في معظم الصياغات الشعرية.
ولكن كيف تحولت صيغة ادبية ما زلنا نحتفظ بها منذ آلاف السنين الى لغز عصي فهمه وحقائق تاريخية. بل تحولت الى تاريخ مقدس لا يمكن مناقشته، أو التجرؤ على تحليله تحليلا علميا بما يناسب تقدم الأدب والفن والفكر والفلسفة.
السبب قد يعود الى البعد الزمني بين أطوار التاريخ الذي تخللته الإنقطاعات بين الحضارات المختلفة. فالتطور الكبير لحضارة ما ووصولها الى مستوى معين من الإدراك الفكري والفلسفي. من ثم إنهيار هذه الحضارة وعودة الفكر البشري إلى العتبة الأولى من التفكير في مواجهة قوة الطبيعة وسر وجود الحياة. الى جانب الفرق الطبقي والفكري الكبير بين الحاكم والمحكوم في العقود الغابرة، تمكن الحاكم بسبب ميزاته الشخصية وإمكانياته الفكرية أن ينصب نفسه الهاً أو نصف إله على رعيته . فظل هذا التاريخ مبهما.
ولعل من القصص التي ما زالت الى يومنا هذا عصية على الفهم، أو حتى غير قابلة للتفسير هي قصة الخلق في التوراة ورمزيتها والمصادر التي قادت كاتبها الى هذا الإحاء.
في الواقع لا يمكن إبعاد رمزية قصة الخلق في التوراة عن كثير من الرموز والإحائات في الأساطير السومرية والبابلية الآشورية. فهذه القصة آخذت كثير من رموزها من هذه القصص. وفي هذا المقال سأقف على جانب واحد من قصة الخلق في التوراة وهو خروج آدم من الجنة.
بالعودة الى أسطورة كلكامش التي يمكن أعتبارها آدق تاريخ إجتماعي كتب في تلك المرحلة، يمكن الوقوف الى الجانب الذي يماثل خروج آدم من الجنة بسبب المرأة. هو إنتقال أنكيدو المتوحش صديق الحيوانات، بعد أغواء المرأة له وتهجينه وقيادته الى أوروك. حيث الشقاء في الحياة المدنية.
رغم أن زمن كتابة قصة كلكامش سبق زمن كتابة قصة آدم بآلاف السنين غير أن رمزية الشقاء والمعاناة التي يعانيها البشر في إنتقال من حياة الجني ولقط الثمار، الى حياة الزراعة والبناء. كانت كبيرة الى حد الذي أعتبر الرجل هذه المرحلة بداية تاريخ جديد له. وهي فعلا كانت كذلك. ولكن الجميل في القصتين أن المرأة هي المحفز بل هي قائد هذا التغيير.
والحق يقال أن قصة كلكامش كان أكثر إنصافا بحق المرأة من قصة آدم. ففي كلكامش نجد أن الرجل ليس سوى صياد ماهر يعيش في البرية حياة الحيوانات، ولا يختلف عنها بشيء. ولكن المرأة هي التي تغويه بمفاتنها، وبأقترابه منها ومعاشرتها، يتحول من حيوان الى إنسان. فيبني المدن ويشغل أراضي شاسعة ويشرع قوانين. ويبدأ التفكير بسر الوجود فتبقى المرأة هي محور كل تطور وصل إليه الرجل.
أما في قصة آدم نجد شيئاً مختلفاً. حيث نجد المرأة رديف الشيطان وآداته التي أوقعت الرجل في معصية خالقه. وسبب هذا الغبن الهائل الذي الحق بالمرأة في القصة التوراتية هو التطور الحضاري الكبير الذي حصل في المجتمع البشري في إنتقاله من طور الأمومة الى الطور الرجولي المطلق. وخاصة المرحلة كانت عصر كبرى إمبراطوريات العبودية في الشرق الأوسط وهي الإمبراطورية البابلية الثانية حيث كان دور المرأة قد تقلص الى حد كبير، بل كانت المرأة قد تحولت الى جزء من ممتلكات الرجل لا اكثر.
وإذا قارنا دور حواء بدور تيامات أم الآلهة في كل من قصة الخلق السومرية والبابلية. سنجد هناك فرق كبير جدا في مكانة الرأة ودورها. بل حتى مقارنة دور تيامات نفسها في كل من الأسطورة الخليقة السومرية والبابلية سنجد فرقا كبيرا في مكانتها، بين العصرين السومري والبابلي.
واليوم أصبح جليا لكل شخص الفرق الكبير بين الحياة البسيطة، وسعادة الإنسان فيها، والحياة المعقدة وشقاء الإنسان فيها. فبقدر ما نكون سذج نكون سعداء. وبقدر ما نزداد فهما وإدراك نزداد شقاءاً. فآدم عندما كان ساذجا كان سعيدا في جنته. ولكن عندما أستوعب الحياة أصبح تعيسا لأنه أدرك أن عليه أن يركض خلف لقمة عيشة، ويشقى طول العمر، وفي النهاية الموت يختم حياته، وفعلا كانت حواء السبب المباشر الذي اخرجه من جنته لأنها كانت سبب فهمه لسر الحياة. وكذلك كان أنكيدو الذي حاول أن يلعن المرأة لأنها قادته الى التمدن، ولكنه يندم بعد ذلك لأن المدنية صنعت منه بطلا وملك، وخلدت اعماله ليبقى بها خالدا آلاف السنين.