الرئيسية » مقالات » العلاقة العراقية الكوردية ـــ الى اين .. ؟؟؟ ـــ

العلاقة العراقية الكوردية ـــ الى اين .. ؟؟؟ ـــ

القضية الكوردية, كأي قضية تحرر قومي في العالم, تحضى الى حدود عدالتها بدعم عالمي اقليمي محلي , شعب له كامل المقومات في ان تكون له مثلما للأخرين , دولة وحكومة وسلك دبلوماسي وعلم وشعار ومنجزات وطنية , العراق الذي كان ولا يزال وبحكم عراقته وحضاراته وجغرافيته وثرواته وتعدد مكوناته , هو الأكثر تفهماً للخصوصية الكوردية , ورغبة في التعايش والمحبة والمساواة , الشعب العراقي متضامناً مضحياً مع الشعب الكوردي في الحالات التي تعرض فيها الى مظالم الحكومات العراقية .

قيادات مراحل التحرر القومي , خاصة اذا كانت جذورها عشائرية او فئأت طبقية متنفذة , وتم اختيارها ودعمها من قبل بعض الدول الخارجية ذات الأطماع والمصالح والمشاريع التوسعية , وعبر شبكة علاقات علنية وسرية تخضعها لشروطها وتفرض عليها واجبات وسلوكيات تضر حتى في القضية التي تدعي تمثيلها , وغالباً ما تكون مشحونة بالأحقاد والكراهية وتصفية الحسابات بذات الطريقة التي تعامل معها جلادها , وحتى لو تغيرت الأنظمة التي كانت سبب مظالمها , بأخرى وطنية تدعو للتسامح والصدق والمحبة والمساواة , لكنها لا تستطيع التخلص من قيود تبعيتها وما اكتسبته من اخلاق وممارسات جلادها , تتعامل بكراهية واحقاد حد التآمر والوقيعة حتى مع القوى التي احترمت قضيتها ووقفت بجانبها .

على الصعيد العراقي , وطبيعة العلاقة بين العراق والأقليم الكوردي , والأتجاه الذي تدفع اليه رياح التطرف والنتائج التي ستكون مآساوية على الشعبين العراقي الكوردي , فالأمر لا يحتاج الا الى قدر متواضع من الصراحة , مع ان الواقع تصرخ فيه هستيريا التصعيد وشهوة المواجهات وتعري النوايا ومواصلة بناء وترسيخ جدار الأنفصال النفسي والروحي والمؤسساتي , والذي اكتملت صورته عبر دولتي المركز والأقليم في اطار فدرالي منافق .

القيادات الكوردية , وبعد سقوط النظام البعثي , لا زالت تتعمد التعامل مع العراق ـــ وهي تملك حصة الأسد في حكومته ـــ بذات العقلية التي تعاملت بها مع حكومة البعث , مع ان العلاقة معه ما كانت تخلو من التواصل وتحقيق المنافع العائلية الفئوية والعشائري عبر الأتفاقات السرية والعلنية احياناً, انها وبحكم طبيعتها الطبقية وتحجرها العشائري وارتباطاتها الخارجية الى جانب العدوى التي انتقلت اليها من النظام الشوفيني العنصري البعثي , تتعامل الآن سلباً مع العراق كشعب ووطن ودولة , ولا تمنعها رغبة الثأر وتصفية الحسابات المؤجلة وشروط الدعم الخارجي من الحاق الأذى بالشعب العراقي الذي لايزال صديقاً محباً للشعب الكوردي .

هنا يجب ان نعترف , ان القيادات الكوردية هي اكثر تفهماً للضعف العراقي واكثر دهاء للتعامل معه , وحتى لو كانت مخترقة , فبقناعتها ولمنفعهتا ” وعدو عدوي صديقي ” , ومثلما للآخرين مصالح ومشاريع وغايات , فللقيادة الكوردية مصالحها وغاياتها التي تبرر وسائلها , انها تزحف نشيطة نحو المستقبل الذي تحلم بـه , غير معنية بضعف الآخرين , انها فرصتهم ويجب استثمارها الى ابعد الحدود وتترك المشروع وغير المشروع علفاً يجتره الضعفاء , ولا يستثنون ايه وسيلة قد تخدم قضيتهم , يمارسون الآن لعبة افتعال الأزمات مع ( فأر ) المركز موحدين على افضل ما يمكن , انهم يحسنون توزيع الأدوار , بعكس الجانب العراقي, انه بائس ممزق الصفوف مخترق الكيانات متعدد الولاءات يساومون الآخر للتنكيل ببعضهم حتى ولو اضروا بالقضية الوطنية , مشغولون بصراعات وعداوات واستعراضات , افرغتهم من الوطنية العراقية , وحتى داخل كل طرف او تكتل , تعددت اسباب الكراهية والأحقاد ورغبة الوقيعة والتنكيل , الى جانب كل هذا , تعددت المراجع المحلية والأقليمية , اغلبهم ذهبت بهم رغبة جلد الآخر ( بقرباج ) ـــ عدو عدوي … ـــ , مصالحهم الشخصية والعائلية والفئوية والعشائرية , قطعت فيهم تماماً شرايين القيم الوطنية ومسحت عن جباههم قطرة شرف الأنتماء والولاء للشعب والوطن , كيانات تتطفل على حساب المستقبل العراقي , فأصبحت احزابهم وائتلافاتم وتحالفاتهم بيئـة مثالية لكل اشكال الفساد والغش .

ائتلاف العراقية ـــ السنة ـــ على اتم الأستعاد لبيع كامل العراق مقابل كرسي امارة بغداد , يقابلها التحالف الوطني ـــ شيعة ـــ والذي يعتبر الآن نقطة الضعف العراقي والسبب المباشر لتردي الوضع ومأزق الدولة , ولا غرابة ان تكون محافظات الجنوب والوسط وبغداد التي يتحكم في مؤسساتها وثرواتها محافظي التحالف الوطني , هي الأكثر فساداً وتخلفاً , واذا ما استمر الوضع هكذا, سيكون المستقبل العراقي مظلماً , ليس على اساس التشرذم والفوضى والضعف وتحلل الدولة واضمحلال السيادة وتمزق الهوية المشتركة فحسب , بل سيتم ابتلاع الجغرافية والثروات دولياً واقليمياً ومحلياً , واول غيث المستقبل المظلم , مسلسل افتعال الأزمات الداخلية ذات الأرتباطات الخارجية ,وسلبية نتائجها , كون الدولة العراقية هي الحلقة الأضعف في طرفي معادلة الأزمات .

ان رياح العلاقة بين الدولة العراقية وحكومة الأقليم , تجري متسارعة بما لا تشتهي سفن الدولة , بعكسه .. منسجمة طائعة لما تشتهيه سفن الأقليم , فالطرف العراقي والعربي منه بشكل خاص والذي يمثل الدولة الآن , مشغول بفساده وتحلله وعداواته وتبعيته ومساوماته وخوفه من بعضه, نهجاً مخيفاً, يصهر الدولة والوطن والمجتمع في كيان الطائفة والقومية والمذهب واحزاب العشائر وخنق الوطنية العراقية بحبل الولاءات الخارجية . الطبقة السياسية التي استحوذت على السلطة والثروات والأعلام , يجب ان تدرك , ان الضحك على ذقون ابرياء العراق , لا يمكن به اعادة بناء دولة ووطن والنهوض بمجتمع , الديمقراطية والأصلاح والتغيير والبناء , يحتاج الى قدر كاف من الكفاءة والصدق والأخلاص والشفافية والتمييز بين الأنغلاق الأيديولوجي العقائدي وبين المعرفة والأنفتاح والتحرر , ثم وضع الأرض والأنسان فوق تشعبات الطائفة والقومية والمذهب والعشيرة , وفوق كل ذلك , الصدق مع اللـه والذات والتعامل الوطني مع العراقيين , وتجنب تبليدهم وتجهيلهم ثم استغفالهم واشغالهم في هموم وعواطف واندفاعات لا نهاية ولا مستقبل وطني انساني لها , وتلك مثلمة لا تقبلها الطائفة والقومية والمذهب .

كما اشرنا , سقط النظام البعثي رغم بقاياه , غير ان الذي تعلق في ذهنية ووعي القيادات الكوردية لم يسقط معه , انها اصابات عدوى شوهت الذات ولا يمكن علاجها الا بأنقراض الجيل القومي الملوث ياخطر العلاقات الخارجية , وولادة اجيال وطنية سليمة الذات وطنية الثقافة والتقاليد , وحتى يأتي الذي ننتظره , على العراق ان يدفع ضريبة الجيل القومي للقضية الكوردية ’ تلك القيادات لا ترى الأمور الا من خلال انتفاخها واوهامها ووحدانيتها وضرورتها , حتى ولو كلف الأمر تلال من جماجم ابرياء قوميتها , في هذه الحالة , ينبغي على الشعبين العراقي والكوردي , ان يدفعا الثمن الى ما لا نهاية , ولا يوجد حل جذري سلمي الا عبر الأستفادة من تجارب الأمم , مثال انفصال جمهورية الجيك عن جمهورية السلوفاك وبمساعدة دولية وحقائق تاريخية وجغرافية تم ترسيم الحدود بين الدولتين الصديقتين الآن ..

على الصعيد العراقي , يجب العودة الى تاريخ الأرض والمدن والأثار الحضارية , وبمساعدة دولية محايدة وخرائط جغرافية مع التأكيد على الأحتفاظ بروابط الأخوة والتسامح وحسن الجوار والمنافع المتبادلة لحل المعضلة تماماً كما حلت سلمياً بين الشعبين الجيكي والسلوفاكي , حيث لا يستطيع الكورد ان يستغنوا عن جيرانهم العراقيين وكذلك العراقيين بحاجة لجيرانهم الكورد , وهذا الأمر سار على مجمل شعوب العالم والمنطقة .

نقول للقيادة الكوردية , ندعم قضية شعبكم الى حدود عدالتها , وللعراقيين قضيتهم ايضاً , وضعف حكومتهم لا يبرر ابتزازهم وسحق كرامتهم واهانة مشاعرهم , ولا طريق للقضية الكوردية , الا التعامل بصدق وشفافية وانفتاح على القضية الوطنية العراقية , ولا يمكن لأي قضية ان تصل مستقبلها عبوراً على ظهر قضية شعب آخر , فغضب العراقيين قد استنفذ صبرهم , ونرجو ان لا يرغمهم الضغط على ان يتعاملوا مع السيد جلال الطالباني كمندوب سام يمثل حكومة الأقليم في العراق .

نأمل ان تدرك القيادات الكوردية تلك الحقائق واحتمالاتها غير السارة , وتتعامل بحكمة واحترام مع الشعب العراقي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *