الرئيسية » الآداب » جيورجي ديمتروف – 1882-1949: كتاب في حلقات – الحلقة الثانية عشرة

جيورجي ديمتروف – 1882-1949: كتاب في حلقات – الحلقة الثانية عشرة













 


















جيورجي ديمتروف
1882-1949


القسم الرابع

الفصل الثالث

العمل بنشاط لتحقيق الخط الجديد 


لقد تطلب التوجه السياسي الجديد للحركة الشيوعية العالمية من الاحزاب الشيوعية التي تعمل في ظروف مختلفة ،و ان تُظهر مبادراتها ، ويتطلب من قيادة الكومنترن ان تركًز بشكل رئيسي على اعداد التوجيهات السياسية والتكتيكية ومساعدة الاحزاب الشيوعية على حل مشاكلها الرئيسية ، وهذا تطلب من ديمتروف ورفاقه الاسراع في اعادة تنظيم بنية اللجنة التنفيذية للكومنترن وعملها . فتمً التخلي عن مسألة الدعوة لإجتماعات كاملة او موسعة للجنة التنفيذية للكومنترن ، وتمً إ لغاء السكرتاريات المحلية في سكرتارية الاقاليم ، كما وانتقلت الادارة الفعلية لكل حزب الى لجنته المركزية ،مع رقابة عليا عليها من الكومنترن بشكل مباشر ، وتقوم الوفود الحزبية الخاصة برفع التقارير عن عملها الى هيئة رئاسة الكومنترن او سكرتارية اللجنة التنفيذية التي تقوم بدورها بإختيار لجان لصياغة القرارات او تطلب من المندوبين المعنيين اتخاذ القرارات اللازمة لعملهم اللاحق .

وبدلا من الاقسام المتعددة التابعة للجنة الكومنترن ، فقد تمً تشكيل دائرتان فقط ، احداهما للكوادر والاخرى للدعاية والمنظمات الجماهيرية ، واتُخذت الاجراءات لتحسين العمل الدعائي والصحفي . وكان لسكرتارية اللجنة التنفيذية للكومنترن قسم مراسلات وخدمة اعلامية واصبح السكرتير العام واعضاء الكومنترن الآخرين يقومون بواجباتهم في تعاون وثيق مع مندوبي الاحزاب في اللجنة التنفيذية للكومنترن الذين لعبوا دورا هاما في صياغة التوصيات والقرارات التي تخص احزابهم وشعوبهم . وكانت كل سكرتارية مسؤولة عن مجموعة
معينة من البلدان .
كان عمل جيورجي ديمتروف كسكرتير عام للكومنترن ، شاملا ومتعدد الجوانب ، فبالاضافة الى عمله في الحفاظ على العلاقات المتينة بين الاحزاب الشيوعية ، كانت لديه مهمة معقدة وصعبة تتطلب منه مناقشات مطولة وجهد فكري مضني ، وكان يشرف على مجلة “ الاممية الشيوعية “التي تصدر بعدة لغات ويتابع دار النشر للغات الاجنبية والعناية باللاجئين السياسيين، و توجيه ومساعدة العاملين في الكومنترن في حياتهم اليومية ، ويبدي الاهتمام بالمطعم ومشكلة السكن والاوضاع المعيشية .. الخ ، كما كان مسؤولا عن عدد من الاحزاب الشيوعية .
ورغم سوء حالته الصحية ومرضه المزمن ، ابدى ديمتروف قدرة هائلة للعمل .فكان ينهض مبكرا ويبدأ عمله حتى ساعات متأخرة من الليل . وعندما يدرس الوثائق او يجري محادثات مع القادة الشيوعيين ، كان ديمتروف يسجل ملاحظاته ويصنفها في ملفات ليستطيع الرجوع اليها فيما بعد . كان يقرأ ويتابع ليس الكتابات الصحفية والسياسية فحسب ، بل الاصدارات الادبية ايضا .
كان ديمتروف يوجه العمل بطريقة منظمة وبمهارة وحذر ، ويترك الباب مفتوحا لمزيد من البحث ويهتم بالتفاصيل دون ان يفقد إحاطته بالمشكلات الاساسية وحتى في الاوضاع المعقدة ، وكانت له القدرة على إستخلاص ما هو اكثر اهمية واكثر ضرورة وبالتالي اكثر حسما . لقد مكنته ثقافته الواسعة وخبرته الغنية ان يستجلي المستقبل بوضوح ويتبين التحول الخفي للاحداث ويستخلص الاستنتاجات من الحاضر .
وفي الوقت الذي كان فيه ديمتروف حازما مع اقرب رفاقه ومساعديه ، كان ايضا رقيقا جدا معهم ويرغب ان يكون لكل منهم رأيه الخاص ويدافع عنه . كان يستمع الى الاحتجاج والاعتراض ويشجب المظاهر الانانية
والتفكير بالمصلحة الشخصية . كان يعرف جيدا كل الذين يعمل معهم شخصيا ويثق بهم ويسعى لتربيتهم وتوجيههم في سياق عملهم ، مشيرا الى حسناتهم ونقاط ضعفهم . وما من احد تعرض الى نقده إلا ولمس انه يلقى عونا من صديق حميم لايبتغي توبيخه .
ويمتلك جيورجي ديمتروف القدرة النادرة في كسب ثقة واخلاص الناس . فكان يشيع الدفء ليس من خلال ابتسامته ونظراته الحنونة فحسب ، بل من خلال مصافحته الودية ايضا . وحين يستقبل زائرا في مكتبه ، كان يقف ويتقدم اليه للتعبير عن احترامه له .كان التواضع من سمات ديمتروف البارزة . إن قائد الكومنترن لم يسمح لنفسه بالانغماس في حب الذات لا في فعله ولا في مظهره الخارجي ، وكانت جميع صفاته الرائعة وثيقة الارتباط ببعضها وتنبع من اخلاقه السامية .
.إن المهمة الاولى لقيادة الكومنترن الجديدة هي تطبيق قرارات المؤتمر في خطه السياسي الجديد ،وتوضيح هذه القرارات ونشرها على نطاق واسع وبعدة لغات ، بضمنها خطاب ديمتروف في الجلسة الختامية . وقامت الاحزاب الشيوعية التي تعمل في ظروف علنية ( فرنسا ، بريطانيا ، هولندا ، الدول الاسكندنافية ، والولايات المتحدة الامريكية .. الخ ) بطبع بعض الوثائق الماركسية اللينينية في كراريس و توزيعها ، اما الاحزاب التي تعمل في ظروف سرية ، فقد استخدمت دور الطباعة السرية وفي بعض الاحيان يتم الاستنساخ باليد كما في
المانيا ، بلغاريا ، هنغاريا ورومانيا .
إن نشر تقرير ديمتروف وخطابه الختامي في المؤتمر قد اكسبه سمعة شعبية في انحاء العالم ، وظهر ذلك من خلال المقالات والصور التي تنشرها صحافة بلدان متعددة .وساعدت شعبية ديمتروف الكبيرة في تقوية تأثير وثائق المؤتمر الى حد بعيد . وادرك القادة الشيوعيون ، الذين ربطواالنضال من اجل وحدة معادية للفاشية بإسم ديمتروف ،انه الرجل الذي حاز ليس على ثقة الشيوعيين فحسب ، بل ثقة جمبع الديمقراطيين والمعادين للفاشية .
فقد اسهم ديمتروف في تبسيط وشرح وثائق المؤتمر من خلال رسائله التي كان يبعثها الى المنظمات المختلفة ، والمقالات والخطب التي يلقيها في المناسبات المختلفة .. الخ . ففي 25 ايلول ( سبتمبر ) 1935 ، وجه ديمتروف تحية الى المؤتمر السادس للشبيبة الشيوعية العالمية في موسكو ، اكًد فيها على ضرورة تكريس نشاط المؤتمر لمهمة توحيد الاجيال الناشئة تحت راية النضال المعادي للفاشية وخلق جبهة شبابية موحدة
، وعبًر عن قناعته الكاملة بأن الشباب قادرون على إيجاد الطرق المناسبة لحل هذه المهمة ومنها خلق “ نوع من منظمات الشباب تعمل ضد الفاشية والحرب ، وتناضل من اجل حقوق الاجيال الناشئة . ” ( 1 )

وقام جيورجي ديمتروف بالخطوة العملية الاولى لتحقيق وحدة العمل المباشر مع قيادة الاممية الثانية المسماة اممية العمال الاشتراكية . وفي ايلول ( سبتمبر ) وتشرين الاول ( اكتوبر ) 1935 ، بعث ديمتروف نيابة عن اللجنة التنفيذية للكومنترن برقية الى سكرتارية الاممية ناشدها فيها العمل المشترك ضد العدوان الايطالي على
اثيوبيا . ولاقى ذلك تأييدا جماهيريا واسعا بين العمال في البلدان الغربية ، ويسًر للاحزاب الشيوعية مهمة تحقيق وحدة العمل مع الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية والاتحادات النقابية .

وفي ذلك الوقت بدأت الاحزاب الشيوعية بعقد مؤتمراتها وكونفرنساتها واجتماعات لجانها المركزية ، واقًرت
الوثائق لتطبيق قرارات المؤتمر السابع للكومنترن . ففي اوائل تشرين الاول ( اكتوبر ) 1935، عقد الحزب الشيوعي الالماني كونفرنس واصبح يُعرف بكونفرنس بروكسل . كما عقد الحزب الشيوعي الفنلندي مؤتمره في تشرين الثاني ( نوفمبر ) والحزب الشيوعي الفرنسي في كانون الثاني ( يناير )1936 . وبعد ذلك مباشرة عقدت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري اجتماعها الكامل
.
وفي هذه المؤتمرات التاريخية كان يُذكر اسم جيورجي ديمتروف باحترام بالغ وتُقابل تحياته بعاصفة من التصفيق . وحين بعث ديمتروف تحياته للشيوعيين الفرنسيين ، ردًوا عليه برسالة مثيرة تقول : ” يدرك المؤتمر بانه إذا كان بإستطاعة حزبنا إكمال واجبه دون تعثر ، فالفضل يعود الى الرفيق جيورجي ديمتروف . فقد رحًب عماال فرنسا ــ الشيوعيون والاشتراكيون بإنتخابكم سكرتيرا عاما للكومنترن ، ، وانهم يحفظون اسمكم في قلوبهم لكونه رمزا يدعو الى الوحدة . (2 )

واستقبل الشيوعيون والشغيلة البلغار نبأ إنتخاب جيورجي ديمتروف سكرتيرا عاما للكومنترن بفرح بالغ وفخر
كبير ، وبهذه المناسبة وجهت اليه اللجنة المركزية للحزل الشيوعي البلغاري تحية تقول : ” نعبًر لكم عن فرح الحزب والعمال والشغيلة البلغارلإنتخابكم سكرتيرا عاما للكومنترن . إن حزبنا ، الحزب الشيوعي البلغاري والشعب البلغاري البطل فخوران بأن يكون قائد الكومنترن قد برز من بين صفوفهما . ( 3 )
وفي الاجتماع الكامل السادس للجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري ،تمً إتخاذ قرارات هامة حول كيفية تطبيق الخط الجديد للكومنترن في ظروف بلغاريا ، كما تُليت الرسالة الموجهة الى ديمتروف وقد ورد فيها : ” إن الحزب الشيوعي البلغاري ، الذي يرأس قائده الآن الهيئة الاممية لحركة الطبقة العاملة العالمية ، الكومنترن ،يلتزم بمحاربة الفاشية بذات الاسلوب الذي اوصى به ديمتروف ، ويبذل كل تضحية ممكنة لنطبيق قرارات الاجتماع الكامل السادس ، والتي هي تعبير حقيقي عن قرارات المؤتمر السابع للكومنترن . ” ( 4 )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 )ج . ديمتروف ، الاعمال ، المجلد 10 ص 196 ــ 202
( 2 )الاممية الشيوعية ، العدد 10 شباط ( فبراير ) 1936 ص 28
( 3 ) رابوتشنيسكي فيشينك ، العدد 10 ، 20 تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1935
(4 ) ربوتشنيسكي فيشينك ، العدد 6 شباط ( فبراير ) 1936



وفي ذلك الوقت ،تمً إتخاذ شكل تنظيمي للحزب استطاع ديمتروف من خلاله قيادة الحزب في بلغاريا وكذلك اللاجئين السياسيين البلغار في الاتحاد السوفيتي وساعده في ذلك فاسيل كولاروف ، الذي يمثل الحزب في الكومنترن وانطون ايفانوف ، ستانكي ديمتروف ومريك الذين صاغوا وثائق الحزب حسب توصيات وتوجيهات المكتب السياسي في المنفى . وفي الحالات الضرورية يجتمع ديمتروف بهولاء الرفاق ليضعوا بشكل جماعي الحلول الفورية للمشاكل ، كما ويتم استطلاع آراء ونصيحة بعض القادة السياسيين في موسكو بشأن هذه الوثائق .
لقد ضاعفت هيبة جيورجي ديمتروف من حماس الشيوعيين البلغار في نشاطهم الثوري من اجل توحيد كل القوى الديمقراطية والمعادية للفاشية ، وساعد هذا على جذب آخرين تحت راية الجبهة العما لية الشعبية الموحدة ، كما زاد من نفوذ الحزب وجعل القوى الديمقراطية اكثر استعدادا للتفاوض والعمل معه . وكان ذلك واضحا لدى العديد من المثقفين التقدميين الذين رأوا في ديمتروف ليس فقط شخصية ثورية للبروليتاريا ، بل ايضا بلغاري وطني ، مما دفعهم للعمل بإخلاص يد بيد مع الشيوعيين البلغار في نضالهم المعادي للفاشية .
كما دخلت ، في ذلك الوقت ، حركة إقامة الجبهات العمالية الموحدة والجبهات الشعبية الواسعة المعادية للفاشية والامبريالية طورا حاسما . فالجبهة الشعبية في فرنسا ، رغم انها لاتزال غير مؤطرة في منظمة ، كان لها تأثيرا قويا على الحياة الاجتماعية والسياسية في البلاد . وفي آذار ( مارس ) 1936 ، تمً دمج المركزين النقابيين الكبيرين ــ الاتحاد الكونفدرالي للعمل والاتحاد العام الكونفدرالي للعمل ـ تحت القيادة الشيوعية والاشتراكية الديمقراطية . وفي اواخر نيسان ( ابريل ) واوائل ايار ( مايو ) ، استطاعت الاحزاب التي تؤيد الجبهة الشعبية ان تفوز بالانتخابات البرلمانية .

وفي حزيران ( يونيو ) من العام نفسه ، تمً تشكيل حكومة الجبهة الشعبية برئاسة ليون بلوم ، رئيس الحزب الاشتراكي الديوقراطي . وفي كانون الثاني ( يناير ) 1936 ، شكًل الشيوعيون والاشتراكيون والجمهوريون والمجموعات الديمقراطية الاخرى جبهة شعبية في اسبانيا ، وفازت في الانتخابات البرلمانية وشكًلت الحكومة .
وفي نيسان ( ابريل ) ، إندمجت الشبيبة الشيوعية والشباب الاشتراكي في منظمة الشبيبة الاشتراكية الموحدة .

إن نجاح الجبهات الشعبية يعود الى عدة عوامل ، منها القوة المتزايدة للشيوعيين والمعادين للفاشية في هذه البلدان . كما لعبت اللجنة التنفيذية للكومنترن وسكرتاريتها دورا هاما في قيادة هذه الحركة بشكل صائب وساعدت الاحزاب الشيوعية على إيجاد الطرق الصحيحة لنشاطها وتجاوز جميع الاخطاء والإخفاقات في الوقت المناسب ، وكان لإسهام ديمتروف في هذا المجال اهمية عظيمة .فقد مارس تأثيرا على الشيوعيين والمعادين للفاشية من خلال سلطته الاممية ومن خلال افكاره التي ناقشها المؤتمر السابع للكومنترن ، ومن خلال المناقشات التي يجريها مع قادة المنظمات الشيوعية العالمية وكذا من خلال اللقاءات والخطب والرسائل .. الخ . ونشط ديمتروف في قيادة اجتماعات هيئة رئاسة الكومنترن لمناقشة قضايا الجبهات
العمالية والشعبية المعادية للفاشية ودرء خطر نشوب حرب عالمية جديدة . وكان يُسدي النصح لقادة ونشطاء الاحزاب الشيوعية المقيمين في موسكو، ويستقبلهم في مكتبه او في بيته لمناقشة عملهم والاطلاع على الصعوبات التي تواجههم ومساعدتهم في حلها .
وفي آذار ( مارس ) ونيسان ( ابريل ) 1936 ، عقدت هيئة رئاسة الكومنترن اجتماعا ناقشت فيه تكتيكات اقامة الجبهات المعادية للفاشية والنضال ضد خطر نشوب حرب عالمية جديدة . وفي هذا الاجتماع ، القى ديمتروف خطابا هاما عارض فيه النقاشات الدائرة ووضًح الطرق التي يجب ان تسير عليها مناقشة هذه القضايا . وفي خطابه الختامي ، لخًص ما تمً تحقيقه ورسم النقاط الاساسية التي يجب ان يتضمنها قرار هيئة الرئاسة .

وبعد التمحص في النتائج المستخلصة من تطبيق الخط السياسي الجديد للكومنترن ، اكًد ديمتروف بأن التعديلات في تلك السياسة واضحة وراسخة واثبتت صحتها ، وتطرق ايضا الى بعض الاخطاء التي رافقت تطبيقها . وتحدث عن الخطط الالمانية النازية ، واكًد على انها تهدف الى مهاجمة الاتحاد السوفيتي ، ورغم ان العدوان النازي كان يهدد تشيكوسلوفاكيا والنمسا وفرنسا وبولندا ، لكن “ الهجوم سيكون بإتجاه الشرق ضد الاتحاد السوفيتي ، وان لم يكن هجوما مخططا له في المرحلة الاولى . ” ( 1 )

وساعد ديمتروف الاحزاب الشيوعية بشكل مباشر بإعتباره ابرز قادة الكومنترن . ففي عام 1935 ، اوفدت اللجنة التنفيذية للكومنترن ج . دوغلوس للتفاوض مع القائد الاشتراكي الاسباني ، لارغو كابالليرو ، واقناعه بضرورة تأسيس جبهة شعبية واسعة . ورغم الصعوبات التي برزت اثناء المفاوضات ، اقتنع كالليرو في النهاية بضرورة خلق وحدة معادية للفاشية بغية مجابهة الرجعية المتنامية في اسبانيا وحماية الحريات الديمقراطية في البلاد . ولدى عودته الى موسكو ، قدًم ج . دوغلوس تقريرا عن مهمته ، وابدى ديمتروف رضاه البالغ بالنتائج التي تمً التوصل اليها .

وفي تشيكوسلوفاكيا لم تأتي سياسة الجبهة الشعبية الموحدة بالثمار المرتقبة ، لأن الامور تسير بشكل سيء .و
قامت هيئة رئاسة الكومنترن وسكرتارية اللجنة التنفيذية بمناقشة مشاكل الحزب الشيوعي التشيكوسلوفاكي . وفي اواخر ايار ( مايو ) 1936، إنعقد كونفرنس خاص حول نشاطات الحزب ووقف كل من ك . غوتوالد و
ز . لوزوفسكي إضافة الى قادة آخرين ، خطباء امام اعضاء الكونفرنس ، وبعدها اوجز ديمتروف النقاش وسلًط الضوء على مشاكل الصراع الطبقي الاساسية في تشيكوسلوفاكيا والنضال من اجل وحدة العمل المعادية
للفاشية . ونصح ديمتروف الشيوعيين التشيكوسلوفاكيين بوضع تكتيك حاسم للتخلص من “ المأزق الذي ظهر
وقال : ” ان السبيل الوحيد الآمن لتشيكوسلوفاكيا هو سياسة الجبهة الشعبية “ ( 2 )

وفي بلغاريا ، إستطاعت حركة الجبهة الشعبية ان تجذب اعدادا كبيرة من الجماهير ، رغم مناورات المراوغة
للملك وحكومته . ولعب إجتماع المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي البلغاري في المنفى في العاشر من تموز ( يوليو ) 1936، دورا هاما في التطور اللاحق لهذه الحركة . فقدًم ت . كوستوف تقريرا تضمن قرارات الاجتماع السادس للجنة المركزية للحزب والمشكلات الاساسية التي تواجه وحدة العمل المعادية
للفاشية . وفي الاجتماع ، تحدث جيورجي ديمتروف عن تطور الفاشية وميزة النظام السياسي البلغاري ، واكًد على الفرص المؤاتية لتشكيل جبهة شعبية . وعلى جميع المنظمات الديمقراطية والسياسية والاقتصادية والثقافية ان تباشر بالعمل المشترك لتحقيق هذا الهدف وذلك بوضع خطة برنامجية واسعة في قضايا السياسة الداخلية والخارجية . وفي الاشهر التالية تحولت توصيات ديمتروف الى واقع ، وإنبثقت جبهة شعبية بشكل لجان تأسيسية .

كما قدًم السكرتير العام للكومنترن مساعدة كبيرة للاحزاب الشيوعية ولكل الحركة العالمية المعادية للفاشية من خلال مواهبه الدعائية . فقد كانت مقالاته ومقابلاته ورسائله تظهر في الصحف السوفيتية ، ويتم توزيعها من خلال هيئة الكومنترن والاحزاب الشيوعية في كل انحاء العالم . وكانت هذه المقالات تكشف عن جوهر الفاشية وخططها للمتاجرة بالحرب ، وتُلخص نجاحات الحركة المعادية للفاشية وترسم إمكانيات تطورها المستقبلية .
واشار ديمتروف الى “ فقط بالجبهة الواسعة المعادية للفاشية ، التي توحد جهود الطبقة العاملة العالمية وتكسب تعاطف وتأييد جميع الشغيلة ، يمكن وقف عصابة السفاحين الفاشيين . ” ( 3 )

إن تنامي الحركة المعادية للفاشية والنجاحات الرائعة للجبهات الشعبية الموحدة ، دفع بالعناصر الرجعية ان تتوحد وتتخذ إجراءات مضادة . ففي 18 تموز ( يوليو ) 1936 ، قامت البرجوازية الكبيرة والضباط المتقاعدون والكنيسة الكثولوكية في اسبانيا بثورة مضادة بقيادة فرانكو . ورغم المقاومة التي ابدتها حكومة الجمهورية والجبهة الشعبية ، استطاع المتآمرون ان يتخذوا مواقع دفاعية في بعض المقاطعات وشن حرب اهلية دموية ، استمرت ثلاث سنوات تقريبا .

لقد اصبحت الحرب في اسبانيا محور اهتمام السياسة العالمية عشية الحرب العالمية الثانية . وساعدت الدول الفاشية ، ايطاليا والمانيا ، المتآمرين ومدتهم بالسلاح والخبراء العسكرين . اماالاتحاد السوفيتي ، فقد وقف دون تحفظ الى جانب الجمهورية الاسبانية ، ووفر لها التأييد السياسي والدبلوماسي والمادي والعسكري ــ اما حكومات بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الامريكية ، فقد تبنت سياسة “ عدم التدخل “ في الشؤون الاسبانية
وكانت في الحقيقة التواطؤ مع الفاشيين . ونظمت الطبقة العاملة والجماهير الشعبية الغفيرة والمثقفون التقدميون في كل انحاء العالم حملة جماهيرية واسعة لتأييد اسبانيا المناضلة ، تتمثل بتشكيل فرق المتطوعين الاممية وشارك فيها زهاء 35000 معاد للفاشية من 54 بلدا .
وكان الكومنترن والشيوعيون هم المبادرين في تنظيم هذه الحملة المؤيدة للثوريين الوطنيين الاسبان . ففي الاشهر الاولى للحرب ، اصدرت اللجنة التنفيذية للكومنترن عددا من الوثائق والنداءات للشيوعيين والمعادين للفاشية طالبت فيها تقديم التاييدالمعنوي والمادي الكامل للجمهورية الاسبانية . كما تقدمت اللجنة بإقتراحات لقيادة الاممية الاشتراكية للعمل المشترك لصالح الشعب الاسباني المناضل . وتشكلت في البلدان المستقلة لجان وطنية لمساعدة اسبانيا ، ولعب الشيوعيون دورا كبيرا في هذه اللجان ، فقاموا بجمع التبرعات وارسال المتطوعين ، وقاموا بالعمل الدعائي لصالح الثورة الاسبانية .

وبإعتباره سكرتيرا عاما للكومنترن ، كرس ديمتروف وقتا وجهدا كبيرين لمساعدة الشعب الاسباني ، رغم ان ب . تولياتي وموريس توريس هما المسؤولان عن نشاطات اللجنة الاممية وفروعها في الكومنترن ، وبفضل جهوده تذللت الصعوبات التي كانت تهدد الجمهوريين. وكان ديمتروف واحدا من المبادرين والمنظمين للفرق الاممية من اجل اسبانيا . وبفضل نداءاته ، بدأت حملة واسعة لتجنيد المتطوعين ونُظمت حملة دعاية نشيطة في كل انحاء العالم لصالح المقاتلين الاسبان وإدانة المتدخلين الفاشست . كما واهتم ديمتروف بشكل مباشر بالعمل السياسي بين قوات الانصار الاسبانية .
كان ديمتروف المبادرفي تقديم كافة المقترحات الموجهة للاممية الاشتراكية من اجل العمل المشترك لتأييد الجمهورية الاسبانية التي اعطت نتائج إيجابية معينة رغم معارضة القادة الاصلاحيين . و ساعدت جدارة ديمتروف ، الى حد بعيد ، في توضيح طبيعة الثورة الديمقراطية الاسبانية ، التي تخطت إطار الثورات الديمقراطية البرجوازية السابقة . وفي منتصف ايلول ( سبتمبر ) 1936 ، ناقشت سكرتارية الكومنترن السمة العامة لهذه الثورة وقواها المحركة وآفاقها ، واستمر هذا النقاش الحيوي لمدة يومين وشارك فيه ف . كودوفيللا ، ف . فلورن أو . كوسونين ، فلهلم بيك ، ك . غوتوالد ، ه . بولليت وغيرهم . كما القى السكرتير العام خطابا شاملا حول هذه القضية .

واكد ديمتروف ان الجمهورية الديمقراطية الاسبانية ، التي يقاتل الشعب من اجل إنتصارها ، لم تعد جمهورية ديمقراطية قديمة ، بل هي دولة من نوع خاص . فهي لم تصبح دولة سوفيتية بعد ، لكنها دولة يسارية معادية للفاشية ، يشارك فيها الجناح اليساري الحقيقي للبرجوازية .

وعارض ديمتروف الآراء القديمة القائلة بأن الدولة يمكن ان تكون رأسمالية أو اشتراكية ، وأكًد ظهور الدولة الديمقراطية التي يكون للجبهة الشعبية التأثير الحاسم فيها ، وقال : ” إن المسألة هنا هي تنظيم الانتاج دون التخلص النهائي من الملكية الرأسمالية الخاصة ، وبمشاركة سيطرة الطبقة العاملة وحلفائها في النضال ضد الفاشية ، والبرجوازية الصغيرة والفلاحين ، يمكن التعبير عنه من الناحية النظرية كشكل خاص لديكتاتورية الطبقة العاملة والفلاحين اليمقراطية . ” ( 4 )

إن افكار ديمتروف ، التي ايدها اعضاء السكرتارية ، قد سجًلت تطويرا مبدعا للتعاليم اللينينية حول الثورة . وبذلك تمً الاهتداء نظريا الى طريق خاص يتلخص في تحقيق انتصار الثورة الاشتراكية من خلال الثورة الديمقراطية من طراز جديد وإقامة “ ديمقراطية شعبية جديدة “ . وساعد ا الحزب الشيوعي الاسباني على رسم برنامجه وستراتيجه وتكتيكاته لمجابهة المتمردين والمتدخلين وكذلك ذوي النزعات المتطرفة داخل صفوف الجبهة الشعبية . وكان لذلك اثر بالغ على ستراتيجية الحركة الشيوعية في البلدان الرأسمالية الاخرى وخاصة اثناء سني الحرب العالمية الثانية .


واستغل ديمتروف كل الفرص للدفاع عن الشعب الاسباني ومساعدته . وفي سلسلة من المقالات التي نُشرت في صحيفة البرافدا عام 1936 و 1937 ، اشار ديمتروف الى ان انتصار الجبهة الشعبية في اسبانيا لن يكون له اثر وطني فحسب ، بل وعالمي ايضا ، لأن تحقيق هذا الانتصار يسدد ضربة قوية الى خطط هتلر وموسيليني العدوانية ويساعد على حماية السلام العالمي ، ويعطي زخما للحركات الديمقراطية في جميع البلدان . وعلى العكس من ذلك ، فإن هزيمة الشعب الاسباني ستزيد من خطر الحرب ،ولهذا السبب وجًه ديمتروف نداءا لمساعدة اسبانيا “ وهو الواجب الاسمى للاممية البروليتارية والجماهير الشعبية في كل البلدان . ” ( 5 )



لقد كان تأييد اسبانيا المناضلة احدى هموم ديمتروف ، وظلًت مهمته الاساسية هي مواصلة النضال من اجل توسيع الحركات المعادية للفاشية والامبريالية في جميع البلدان ، ومن اجل صيانة السلام وإنقاذ الحضارة البشرية ، وهذا ما دفع السكرتير العام للكومنترن الى اجراء التحسينات في قيادة الكومنترن . فقد أعيد تنظيم عمل مجلة “ الاممية الشيوعية “واصبحت مهمة هيئة تحريرها شرح تكتيكات الجبهة الشعبية . كما وأعيد تنظيم نشاطالاتحاد النقابي بحل الاتحاد العالمي للنقابات الحمراء ( البروفنترن ) وتنشيط عمل الجنة النسوية والحركة الرياضية .
وكرس ديمتروف وقتا وجهدا كبيرين للاحزاب الشيوعية في كل بلد رأسمالي وكولونيالي . ففي عام 1937 ، تعرضت الجبهة الشعبية في فرنسا الى ازمة حادة ، وفي وقتها قدمت سكرتارية اللجنة التنفيذية للكومنترن وديمتروف شخصيا يد المساعدة اكثر من مرة في القضايا الفرنسية . . وفي بريطانيا حين بدأ التهديد الفاشي يطل برأسه ، واجهته الجماهير الشعبية بقوة ، وكان ديمتروف على إتصال بالقادة الشيوعيين البريطانيين ومع ه . بولليث شخصيا وقدم لهم المشورة . كما إهتم بشؤون الاحزاب الاخرى التي تواجه صعوبات
داخلية او خارجية مثل احزاب النمسا وبولندا وهنغاريا ويوغسلافيا . كما ناقشت السكرتارية وديمتروف
القضايا الاساسية في النضال التحرري في الصين والهند والاقطار العربية وامريكا اللاتينية وقدموا المشورة والتوصيات وحددوا خط تلك الاحزاب … الخ


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) وثائق اللجنة التنفيذية للكومنترن حول النضال في سبيل الجبهة العمالية والشعبية المناهضة للفاشية والحرب
( 2 ) ارشيفات الحزب المركزية ، ف . 146، 201 ، د . 388 ص 1
( 3 ) ج . ديمتروف ، الاعمال ، المجلد 10 ، ص 235
( 4 ) رابوتينشيسكو ديل ، العدد 89 ، 30 آذار ( مارس ) 1969
( 5 )ج . ديمتروف ، الاعمال ، المجلد 10 ص 280 ـ 302




لقد كانت السنوات الاخيرة قبل الحرب العالمية الثانية متوترة بسبب الاحداث التي تنذر بالخطر والمأساة لاوربا والبشرية جمعاء .. فقد ضاعف الفاشيون هجومهم وقاموا بتحريض الجماعات الرجعية في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الامريكية . ففي تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1937، وقًعت المانيا وايطاليا واليابان معاهدة
معاداة الكومنترن سيئة الصيت ، واطلقت العنان لحملة ظالمة ضد الشيوعيين والجبهات الشعبية وضد الاتحاد السوفيتي ، الدعامة الاساسية للسلام . وفي عام 1938 ، احتل النازيون النمسا ، وفي اجتماع ميونخ ، مُنحوا “ حق “ احتلال اراضي في تشيكوسلوفاكيا ، وفي الاول من تشرين الاول ( اكتوبر ) زحف الجنود النازيون على هذا البلد ليتم لهم احتلال كامل التراب التشيكوسلوفاكي في آذار 1939 ، وبنفس الوقت احتل الفاشيون البانيا .

وفي هذا الوضع المتوتر ، عملت اللجنة التنفيذية وسكرتارية الكومنترن دون كلل لحماية مستقبل العالم . وكانت اللجنة تراقب عن كثب خطط المعتدين الاجرامية وكذلك اوضاع البلدان المستقلة والاحزاب الشيوعية والحركات المعادية للفاشية فيها . وأُتخذت القرارات والحلول وقُدمت المقترحات الجديدة للاممية الاشتراكية للعمل المشترك ضد تهديد الحرب ، ودعى الشيوعيون والمعادون للفاشية والحرب لتأييد الاتحاد السوفيتي في سياسته السلمية .
وكان ديمتروف روح ومحرك النشاط العام للكومنترن وهيئاته القيادية ، وكان يعد مسودات القرارات والبيانات في كل اجتماع ، ويصيغ الافكار الاساسية ويشرف على وسائل انجاز الوثائق ، وكان يساعده في مهمته كل من ز .مانويلسكي ، اوكوسنسن ، ب . تولياني، فلهلم بيك وآخرون . واصبحت اللقاءات والمداولات مع قادة الحزب الشيوعي السوفيتي وشخصيات قيادية في الاحزاب الشيوعية المتواجدة في موسكو ، دائمة ومستمرة .

كان ديمتروف يلتقي باصدقائه ومساعديه والقادة الشيوعيين من البلدان الاخرى في بيته قرب “ ستونبروج “ على نهر موسكوفا أو في كوخه الصيفي قرب قرية ميشيترنيو على بعد 40 ـ 50 كلم من العاصمة السوفيتية ، حيث يعيش مع زوجته الثانية روزا ديمتروفا ، التي تزوجها بعد وفاة زوجته ليوبا ايفوشفك ديمتروفا في ايار ( مايو 1933 . كان لديمتروف ابنا من زواجه الثاني اسمه ميتا ، كما تبنى ابنة الشيوعي الصيني فان منة ، التي احبها كما لو انها ابنته الحقيقية .
وبسبب الاحداث المأساوية التي اعقبت الحرب ، إزداد قلق جيورجي ديمتروف على مستقبل الحركة الشيوعية العالمية والاحزاب الشيوعية والجبهات الموحدة المعادية للفاشية والامبريالية . وتطلب التغيير السريع للوضع العالمي منه التقييم الدقيق والصائب لتعبئة جميع القوى المحبة للسلام والمعادية للفاشية . وفي عشية احتلال النمسا من قبل المانيا الهتلرية ، لم يكن الحزب الشيوعي النمساوي قد حقق سياسة وتكتيكات ناجحة للعمل ،فأوصى ديمتروف الشيوعيين النمساويين بضورة البدء بالنضال لتوحيد جميع القوى الوطنية ضد الاحتلال الفاشي .
وبعد مؤامرة ميونخ وتمزيق تشيكوسلوفاكيا ، بلور جيرجي ديمتروف فكرة عقد كونفرنس عمالي اوربي أو عالمي لوضع خطة عمل مشتركة “ لجميع المنظمات والاحزاب العمالية بصرف النظر عن إنتماءاتها السياسية والدفاع عن السلام والديمقراطية .” ( 1 ) وقدًم توصية الى الشيوعيين التشيكوسلوفاك بتشكيل جبهة وطنية موحدة معادية للفاشية وساعدهم على مغادرة موسكو .
كما تفككت الجبهة الشعبية في فرنسا بعد مؤامرة ميونخ ، ونصح ديمتروف الشيوعيين الفرنسيين ببذل الجهود لحمايتها وإدامتها ، واكًد على “ الطريق الامثل لتحقيق ذلك يستند عل نضالات وتأثير الجماهير ، لتعبئة كل شيء من اجل حماية وتماسك الجبهة الشعبية وتحقيق سياسة حقيقية معادية للفاشية .” ( 2 )

وإزداد ت الاحداث السياسية توترا في القارة بسبب سياسة الجماعات الرجعية الحاكمة في بريطانيا ، برئاسة شامبرلين .فأجرى ديمتروف مشاورات مع القادة الشيوعيين البريطانيين حول هذه القضية ، وكتب حول الموضوع نفسه من منتجعه في كسلوفودسك عام 1938 واكًد على “ من الضروري إثارة الرأي العام ضد سياسة شامبرلين والنضال من اجل إجراء تغييرات حكومية إيجابية في بريطانيا وفرنسا . ” ( 3 )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) ارشيفات الحزب المركزية ، ف . 146 ، 2 ، د ، 418 ص 60 ـ 61
( 2 )ارشيفات الحزب المركزية ف. 146 ، 1 ، 2 ، د 418 ص 18
( 3 ) المصدر السابق



وفي عام 1939 ، ناقشت سكرتارية اللجنة التنفيذية للكومنترن نشاطات الحزب الشيوعي في الولايات المتحدة ، وتمً إنتخاب لجنة لوضع مسودة قرار إقامة الجبهة الديمقراطية ضد التهديد الفاشي ، وقدًم ديمتروف تقريرا مفصلا ينصح فيه الشيوعيين المريكيين ان يقرًوا بالاجراءات التقدمية لإدارة روزفلت دون الوقوع في شرك الدعوة لها ، بل الاستمرار في توجيه النقد العملي لتلك الالتزامات الحكومية التي تتنافى مع متطلبات إقامة جبهة ديمقراطية معادية للفاشية .

وعندما اغلقت الحكومة الفرنسية حدودها مع اسبانيا وبدأت بمضايقة المقاتلين الاسبان ، تولى ديمتروف بنفسه عملية انقاذهم واستقرارهم في الاتحاد السوفيتي . وبعد مؤامرة الثورة المضادة في مدريد ونهاية الحرب الثورية في اسبانيا ، بذل ديمتروف جهودا كبيرة لتقييم الاحداث المأساوية بشكل دقيق ودًم المساعدة للضحايا الاسبان على ارض السوفيت .

وناقشت اللجنة التنفيذية للكومنترن اوضاع وسياسات الاحزاب الشيوعية في عدد من البلدان الاوربية وآسيا زامريكا اللاتينية ، وكان ديمتروف يبدي آراءه السديدة ونصائحه السليمة ، ويقدم التوصيات بصدد ذلك ، وبنفس الوقت يواصل إتصالاته مع مختلف اوساط الشعب السوفيتي ويرد على رسائلهم .

وتعبيرا عن الثقة والاحترام اللذان يكنهما الشعب السوفيتي لديمتروف العظيم ، فقد تمً ترشيحه الى مجلس السوفيت الاعلى في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية ، اعلى هيئة في البلاد . وفي الانتخابات التي جرت في الثاني عشر من كانون الاول ( ديسمبر ) 1937 ، وافق ديمتروف على ترشيحه في مقاطعة كومستروما الانتخابية وتمً انتخابه بالاجماع . واثناء الحملة الانتخابية زار ديمتروف مدينة كومستروما وتحدث الى ناخبيه .

وفي الوقت الذي ازداد التوتر في الوضع العالمي ،، كتب ديمتروف عددا من المقالات الرئيسية نُشرت في صحيفة البرافدا ثم أصدرت بشكل كراريس باللغة الروسية ، وتُرجمت الى عدة لغات وتلقفتها الايدي في كل انحاء العالم . وفي مقالاته سلًط ديمتروف الضوء على الاحداث العالمية عشية الحرب ، واشار الى الاخطار التي تهدد السلام العالمي ، وشجب الخطط العدوانية ، واكًد على المسؤولية الجسيمة التي تتحملها الحكومات ذات الانظمة الغير فاشية مثل بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الامريكية التي تواطئت مع المعتدين الفاشست ، وناشد ديمتروف الطبقة العاملة والقوى الديمقراطية في العالم بشن نضال حاسم ضد الفاشية والحرب ومن اجل حماية السلام والحضارة البشرية .

واكًد ديمتروف على دور الاتحاد السوفيتي ، الذي يؤيد الكومنترن والحركة الشيوعية العالمية وحركات التحرر بشكل ثابت ، وهذا امرا طبيعيا في الظروف الجديدة ، لأن البلدان الفاشية ترغم العالم بالسير بإتجاه حرب شاملة . كما ان الجماعات الرجعية في البلدان غير الفاشية تدبر المكائد بالاتفاق مع هذه البلدان في الوقت الذي لم تكن فيه للجبهات المعادية للفاشية والحرب القوة لدرء الحرب ، التي باتت خطرا جسيما يهدد البشرية . إن مصير السلام وتقدم البشرية يعتمد على قوة الاتحاد السوفيتي . ومرة اخرى اكًد ديمتروف على الاهمية التاريخية للاتحاد السوفيتي بإعتباره البلد الاشتراكي الذي يبين لكل البشرية الطريق نحو خلق مجتمع حر سعيد واشتراكي ، ومن خلال انجازاته تترسخ عقيدة العمال والشغيلة في البلدان الرأسمالية بقضيتهم الثورية . وربط ديمتروف نجاحات اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية في بناء الاشتراكية مع إقامة جبهة بروليتارية موحدة في البلدان المستقلة وفي كل العالم . واكًد على “ ان الشغيلة في الاتحاد السوفيتي ، ومن خلال تفانيهم في سبيل بلدهم الاشتراكي .. يمارسون تأثيرا كبيرا في تعبئة الحركة العمالية العالمية . ( 1 )

إن احاديث ديمتروف عن الاتحاد السوفيتي تؤكد اكثر فاكثر على دور الاتحاد السوفيتي كقوة رادعة وجبارة لردع المعتدين والحد من خطر الحرب . واشار الى “ ان تهديد الحرب العالمية الجديدة ينمو بإستمرار وان حربا كهذه ، كان من الممكن ان تبدأ قبل هذا الوقت لولا وجود الاتحاد السوفيتي كعامل للسلام “ ( 2 ) واورد براهين كثيرة تؤكد دور السياسة الخارجية للاتحاد السوفيتي في احلال السلام ، وكانت تحليلاته والامثلة التي اوردها تقود الى الاستنتاج المقنع “ بأن لكل البشرية مصلحة حيوية في تقوية الاتحاد السوفيتي وفي تعزيز العلاقات بين الاتحاد السوفيتي والطبقة العاملة والشعوب في البلدان الرأسمالية . وفي هذا وحده تكمن الضمانة الاكيدة للنضال الناجح ضد العدوان الفاشي والحرب . ” ( 3 )

وهذا يؤدي الى الاستنتاج القائل بأن الموقف من الاتحاد السوفيتي هو المعيار الاصدق والمحك لإخلاص ونزاهة الطبقة العاملة والمعادين للفاشية .واصبح هذا الاستنتاج شعار الشيوعيين والشرفاء المعادين للفاشية . وقال ديمتروف : ” في الاوضاع العالمية الحالية ، لايمكن ان يوجد اصدق معيار في الحكم على من هو الصديق ومن هو العدو لقضية الطبقة العاملة والاشتراكية ومن هو النصير ومن هو المعارض للديمقراطية والسلام إلا بالموقف من الاتحاد السوفيتي . إن المحك لإخلاص ونزاهة كل عضو في حركة الطبقة العاملة وكل حزب أو منظمة عمالية للشغيلة ، و الديمقراطية في البلدان الرأسمالية هو الموقف من بلد الاشتراكية العظيم . ” ( 4 )

إن إستنتاج ديمتروف القائل بأن الموقف من الاتحاد السوفيتي هو محك ومعيار الحركة البروليتارية والديمقراطية الحقيقية ، قدإكتسب اهمية خاصة خلال سني الحرب العالمية الثانية ، حين اصبحت مصائر ملايين البشر وحريتهم وإستقلالهم وآمانيهم في خلق عالم جديد يسوده السلام والديمقراطية والاشتراكية ، ترتبط بسياسة الاتحاد السوفيتي ومواقفه وبطولة شعبه وتضحياته .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) ج . ديمتروف ، الاعمال ، المجلد 11 ص 6
( 2 ) ج . ديمتروف ، الاعمال ، المجلد 10 ص 401
( 3 ) المصدر السابق ص 418 ـ 419
( 4 ) المصدر السابق ص 392