الرئيسية » الآداب » المتسكع – قصة قصيرة

المتسكع – قصة قصيرة

 الشمس لم تكن قد أشرقت بعد, حين جلس حسن العاجز على حافة الرصيف المحاذي لباب الجامع الجنوبي في الحي القديم القريب من ركام منزله , كان قد انتهى لتوه من أداء فريضة صلاة الفجر.
النهار له عيون !
ينظر الى السماء و ضحكة بلهاء تغمر وجهه.
النهار ليس له عيون.
مرة أخرى كالمعتوه يضحك!
أعيننا هي التي تبصر بفضل ضوء الشمس , قالها بكل ثقة وهو يهز برأسه وكأنه يؤكد لنفسه رجاحة عقله وصواب تفكيره.
حين اندلعت الشرارة الأولى في زاوية المنزل لم يحرك حسن العاجز ساكنا , بقي متيبسا في مكانه, لا.. لا ليس من هول الصدمة كما قد يراود للبعض منكم, بل تماما تصرف المرء الذي لا يعنيه الأمر في شيء!
يناجي نفسه: هناك أحدا ما سوف يفعل شيئا ما.
أستطيع أن أجزم بأنه كان بمقدوره اخماد تلك الشرارة بنفخة واحدة من فمه العريض.
ليلة , ليلتين , ثلاث ليالي .
ردد متلعثما.. ليلة .. ليلتان.. ستكثر الليالي ..أنا في طريقي للتحول الى متسكع مستديم , لماذا أعدّ الليالي؟
عيناه بقيتا محدقتان بنظرات حادة, ثابتة الى أعمدة الدار الخشبية المصفوفة بتوازي في سقف المنزل الطيني والتي بدت شبه معقوفة,هرمة, كئيبة, من ثقل الصفائح الخشبية , أكوام عيدان القصب ,القش والأتربة المتراكمة على السطح نتيجة الترميمات الحولية أواخر كل خريف, فيما ألسنة نيران صغيرة بدأت ترتفع تدريجيا من الصندوق الخشبي القديم ومنها الى الستارة المزركشة !
ذلك الصندوق المطلي باللون الأزرق الداكن والذي كان يتوسط واجهته صورة طاووس اختفت أكثر معالمه و ألوان ريشه مع القدم ومرور السنين, ورثه عن والدته التي كانت لا تفتأ بأن تعيد وتقول بأن صندوق جهاز زواجها كان يوما ما حديث نسوة الحي برمته لفترة طويلة .
لله في خلقه شؤون!
مازال لا يحرك ساكنا كأن الأمر لا يعنيه!
ليلة ,ليل..ى..ه, ليلى!
تذكر مقاطعا موسيقية جميلة من أغاني عديدة منذ أيام الشباب الباكر والمراهقة البريئة, دندن بعضا منها , لم يستطع أن يتذكر أغنية واحدة تخلو من اسم ليلى!
عشق لم يطله, يذقه, غرام لم يرتوي منه ولا حتى في أحلامه, سحر, فتنة, انها هي .. ليلى!
غريب أن أتذكر ليلى حبي الأول بعد كل هذه السنين !
بعد هذه المأساة التي مررت بها !
ليلى أول عشق, ولع, هيام, لوعة تزامنت ذكراها مع تحول البيت الى أطلال وأنا في أوائل ليالي تسكعي المشئوم!
كانت ليلى ابنة الجيران في الدار المتاخم من الجهة الغربية لبيتنا تماما, كنت أهرع بين الفينة والأخرى الى باب المنزل الخارجي الخشبي , أرفع السدادة الحديدية لأفتح وألقي نظرة على الشارع المستقيم, الطويل, الممتد الى ما لانهاية فأرضي بذلك فضولي الجنوني وأعرف من يقف على زوايا أزقة الحي. تشاء محاسن الصدف في كل مرة أن تفتح ليلى باب دارهم في التوقيت عينه وتطل بوجهها الجميل, فتملئ الشارع بل الحي بحضورها عطرا, حسنا, جمالا, رقة ودفأ. تلتقي أعيننا هنيهة كأننا نبحث عن غاية مشتركة , نتبادل عميق النظرات, عادة كانت تختتم بابتسامة خجولة منها ونظرة متعطشة مني. تحولت بعدها تدريجيا الى تجاذب, لهفة, شغف, شوق, لدرجة أنني بدأت أشعر وأحسّ بل أرى ملامحها في وجه كل فتاة جميلة.
بدأ العرق يتصبب من جبهته,ألسنة اللهب بدأت بالارتفاع , التهمت أطراف الزاوية الشمالية من قصب السقف, أدار بجسده متثاقلا الى الجدار الجنوبي .
لماذا كان علي الانتظار ¬؟ ربما كنت أبحث عن عاهة !
تذكر صورة الكسعي مع قوسه في كتاب النصوص !
أنا لدي أخمص واحد!
سرعة البرق كان قد سمع بها حسن العاجز لكنه عايشها عندما التفت ليرى النيران في كل مكان, دفعته غريزة البقاء حيا الى النهوض أخيرا محاولا الخروج من اللهيب حين انهارت أول دفعة من ركام السقف المحترق فسقط تحت أنقاضها.
حسن العاجز استيقظ من غيبوبته بعد فترة طويلة جدا مستعيدا وعيه لكن ليس أطرافه اليمنى , استحق من يومها لقب العاجز بامتياز.



ستوكهولم
2012-12-09

فرمز حسين
مترجم وكاتب سوري مقيم في ستوكهولم