الرئيسية » الآداب » الحنين الى سيدة الاحلام وعروس المدن الدائرية

الحنين الى سيدة الاحلام وعروس المدن الدائرية

صدر عن دار غاوون للنشر الرواية الجديدة للروائي حمودي عبد محسن ابن النجف البار ، ابن مدينة العلماء ومشاهير الشعراء ، بعنوان ( امرأة الحلم ) . رواية حسية وعاطفية ، عميقة وجميلة ، تسحر اللب ، وتسرع في نبضات القلب لما فيها من ألغاز ومن مآثر الموروث الثقافي العراقي ، فتنقل القارئ إلى عوالم متعددة في الحب والتاريخ ، إنها سبر أغوار النفس البشرية الأكثر عمقا ، تمتلك قوة لغتها ورشاقة الأسلوب كما عودنا المؤلف في إصداراته الادبية التي بلغت إحدى عشر إصدارا في الرواية والقصة والشعر. دار غاوون السباقة لتقديم كل جديد في الابداع الانساني الادبي تخوض تجربة رائدة مع احد رواد الرواية العراقية المعاصرة.
الرواية تجمع ما بين الحكمة والبلاغة والفلسفة ، تمتلك قلب شاعر وطني يحب بلده العراق الذي تعرض إلى الدمار ، وتكشف حقائق رجال ارتكبوا ذنوب وآثام باسم الله سبحانه وتعالى ، لم يغفر لهم سبحانه مما ارتكبوه من شرور وأذى ضد البغداديين لا لذنب اقترفوه أو لبدعة ابتدعوها ، بل لأنهم أحبوا بغداد درة العالم الإسلامي آنذاك ، وتبتدئ الرواية بفتح أبواب إعادة النظر في التاريخ متناولة شخصيات وسطية هامة فيه صنعت مجد العراق القديم في الميثولوجيا كتموز وعشتار وجلجامش ، وتلك التي صنعت مجدها ومآثرها بشكل وآخر كعمليق ، وذو القرنين ، وتمتاز الرواية بسحر الخيال والفانتازيا ، لتدخلنا في عالم الأسطورة المعبر عن وجود الإنسان جسدا وروحا ، إذ تارة يقودنا المؤلف إلى سومر وبابل ، وتارة أخرى ينقلنا إلى اليمن السعيد بتلك الانتقالات الواقعية السحرية ، لندور معها في دائرة مركزها سلسلة أحداث تتعاقب وتعود بنا من آخرها إلى أولها كأنها عجلة تدور . وهذا ما يكمن كنه نجاح الرواية وروعتها التي أدخلت الرواية العربية في حداثة جديدة ، لاسيما وقد ابتعدت تقنيتها كثيرا عن السرد المعتاد عليه في الرواية ، لتصاغ بلغة الأدب الرفيع الجميل والجاد .
اتساءل هل هذه الرواية ابداع جديد في الأدب العربي ؟! ساترك الاجابة على تساؤلي هذا للقارئ النبيه ليحدده بنفسه بعد أن ينتهي من قراءة الرواية ، ويكتشف أن الحب الذي يبحث عنه رياض الشخصية الرئيسية والبطل في الرواية يعطي معنى السمو والكمال في مشاعر الرجل العاطفية الجياشة تجاه المرأة كما لو أراد أن يقول المؤلف عنه لولا الحب لصدأ وجودنا البشري وسوف يكون لا معنى له وقد يتحول إلى فوضى ، أو هو الحب الذي يديم كوكبنا وإلا دونه يفنى الكون ويتحول إلى عدم ، وهذا ما نجده أيضا في رسائل الحب من الفصل الثالث من الرواية.
إن هذه الرواية نسجت بجهد كبير ومثابرة لتضع حدا للزيف الذي حجر القلوب ، وكلس وجمد الأذهان ، وحرم الجمال ، وسجن الذات في قفص من المعتقدات البائدة ، وغلفها بقشور التقاليد والعقائد والوهم والخرافات التي مرت عليها دهور طويلة ، فمرتبتها عالية تشبع جوعنا للتحرر من القيود بلغة إنسانية ذات غاية جمالية بقوة الإدراك والإرادة في نبذ الحقد والكراهية والأنانية والعداء ، ونشر الخير والمحبة والمعرفة للوصول إلى الحقيقة المطلقة والنسبية ، وكذلك تنهي الرواية إلى ما تعرضنا له من تغريب وماضوية ودوغمائية ، لنبحر في سفينة التغير بقراءة جديدة لكل ما تلقيناه بوعي أو دون وعي عبر عمر مرير لم نتنفس الحرية فيه ، فخيال المؤلف يستنطق أحداث الماضي ، ويبرزها ببراعة في لباس لغوي أنيق ، وهو يتوخى الحقيقة المجردة من شوائبها ناقدا بعيدا عن الأهواء ، محللا آثار الماضي دون انفعال أو تحيز لمذهب أو طائفة ، ويفسرها بمنطق الاستنباط والجدل ، فهو يفهم الماضي ويفسره ، ويزيد معرفتنا الثقافية والأدبية لنكتسب خبرة معاشة ، ونتآلف مع الحدث كأننا لسنا بعيدين عنه ، ففي تأمل المؤلف الذي يرى فيه أشياء لا نراها نحن ، تأمل يجعلنا ندرك ماهية دورة التاريخ وتطوره خطيا أو دائريا بخبرة وعظة ، إذ من تلك الأحداث الماضية نرى صورا لوجه بوجهين ظاهر وخفي ، ظاهر بمجد ، وخفي بكوارثه وآلامه ، ذلك كان نسق الرواية في سرد البلاغة بأسلوب الجديد ـ القديم ، وهو مبدأ التقطيع لحدث حاضر يأخذنا إلى حدث ماض ، وفي النهاية نتعرف على كائننا البشري الذي ننتمي إليه . فهذه الرواية تدمج بين أحداث الحاضر الحقيقية ، وما يتعلق بالزمان البعيد وأحواله وقصصه وأساطيره ، كل ذلك كان مباغتة جريئة فيها الصعب والشيق والمؤلم ، فيها دراسة لشخصيات وتصرفاتهم كما لو أنها تتكرر اليوم في صور ومشاهد وعهود ، إذ كل شيء ينطق في الرواية ، وفي رأي أن الروائي جعل الشخصيات تنطق ، والأحداث تنطق ، والحضارة الخفية المنسية تنطق ، وكذلك جعل الروائي الأموات ينطقون ليس ليحاكمهم على ماض بعيد ، بل هو استنطاق الآثار عندما كانوا هم الأمر والنهي ، فلذلك وقف الروائي على العدل والحسن والجميل ، وكذلك وقف على الباطل والجور والقبيح ، وهذا ما أراده الروائي أن يقول لنا : ماذا بقي من جلجامش أو ذو القرنين سوى الذكر الطيب ، وهذا هو الخلود .
الشخصية المحورية التي تدور حولها احداث الرواية “رياض” يتحول الى رمز للإنسان العراقي عبر العصور. فيعيش القارئ فصول من حياة ومعاناة هذه الشخصية توازي الحقب التاريخية التي مرت على العراق وقلبه النابض مدينة بغداد. ان اختيار المكان او الحي في الرواية جاءت موفقة “البتاويين” فهي منطقة تقع في مركز مدينة بغداد من ناحية الرصافة وفيها جرت حوادث تاريخية مهمة. التركيب الأثني والعرقي لهذا الحي الذي هو خليط عجيب من جميع ابناء العراق بكل انتماءاتهم . بما ان التاريخ كالماء الجاري لا يتوقف جريانه وحوادثه وشخصياتها المتناقضة نرى ان مجريات الامور في الرواية تقفز من مكان الى آخر عبر حقب تاريخية منفصلة بدهور وقرون وعقود. لا ريب ان العراق مهد الحضارات القديمة وإنسانها ذو تركيبة نفسية معقدة حافظ على بقاءها عبر العصور والأزمان ايام احتلها الاجنبي الطامع بثرواته فبغداد كانت ولا تزال مدينة الاحلام. سيجد القارئ صعوبة كبيرة في ربط فصول الرواية إن لم يكن ملما بالتاريخ العراقي وحضاراته القديمة وتاريخه المعاصر. لكن هذا لا يمنع طبعا أن يتعرف على شخصيات مليئة بالحياة والحيوية يجدها القارئ بالدم واللحم والروح في حي البتاويين لحد يومنا هذا.
لا ريب أن ما جرى على العراق والعراقيين أبان الاحتلال الأمريكي للعراق فترة مفصلية ومأساوية في حياة الإنسان العراقي الذي عانى ما عاناه من سطوة الأفكار الشمولية وحكم الشخص الأوحد المتعالي على البشرية والقانون. أن تلك المأساة التي تم توثيقها مرارا بين طيات الرواية شهادة العصر على ما عاناه الإنسان العراقي ولا يمكن إجراء مقارنة بأي فترة تاريخية في تاريخها المعاصر حتى أيام الانتداب البريطاني والحكم الملكي وإنتهاء بثورة الرابع عشر من تموز إلى يوم استشهاد عبد الكريم قاسم في 8 شباط عام 1963 بيد الطغمة البعثية القومية الباغية التي أدخلت العراق في دهليز من العنف وقتلت خيرة أبناء العراق ، وقضى الآخرون نحبهم في المعتقلات والسجون بيد جلادي النظام.
لا ريب أن الأفكار اليسارية كانت رائدة ما بعد الحرب العالمية الثانية وخلالها. حيث إختار المثقف العراقي الانطواء تحت راية تلك الأفكار التي جوبهت بهوادة من قبل جميع الحكومات المتعاقبة بين الحين والآخر وقد يكون الكاتب متفائلا بعض الشئ بما يدور اليوم على الساحة العراقية ولكني أعتقد بأن الأفكار المطلقة قد تكون لبعض الوقت تتراءى تسامحيه مهاودة متآلفة تقية لكنها ستعود عاجلا أو آجلا الى ممارسة العنف ، بل العنف الشديد تجاه جميع الأفكار التقدمية والإنسانية كما حصل مع الجارة ايران بعد سقوط الشاه محمد رضا بهلوي عام 1978 ونجاح الثورة الإيرانية. حيث ساد نوع من المهادنة بين الأفكار اليسارية العلمانية والإسلام السياسي ما برح الأخير ان كشف عن وجهه الحقيقي فامتلأت السجون بالتقدميين وباتت العلمانية كفر .
الرواية لا تهمل الحالة العاطفية والجياشة لهذا الشعب النبيل الذي زخر كل تراثه الأدبي والإنساني في تقديم المديح للحب والهوى وتلك العلاقة الربانية بين الذكر والأنثى . المحبة إلهية بمحتواها وكل تناقضاتها والسبيل الوحيد لبقاء الانسانية على المعمورة لحد يومنا هذا . قارئي الكريم ، رياض يستلهم من كل مفردات المحبة البغدادية ويكتب شعر ولاء لمحبوبته ومعشوقته الوطن “العراق” المدينة “بغداد” والغانية “عشتار”. هذه السفرة الوجدانية تأخذنا الى مجاهل النفس الانسانية وأسرار جوارحها فالعشق مهدد في الوطن وممنوعة كلمات المحبة والمغازلة ، إذ تراقبها عيون الحاسدين كالأفكار التي تراقب من قبل رجال الأمن وجلاوزة النظام.
رواية ( امرأة الحلم ) مغامرة جريئة وجديدة في الأدب العربي في تناول الحب والتاريخ والتراث ، تعود علينا بالمنفعة والمتعة ، تنهضنا من المهد لنخطو خطوات هادئة إلى أبواب مشرعة على مصاريعها بعد أن قفلت علينا ألف وأربعمائة عام وأكثر ، تقتحم المجهول ، وتقدح بنقد لاذع لعصور استبداد الماضي والحاضر ، هذه الريادة الشجاعة تنقذنا من القوالب الجامدة ، والأدلجة المتحجرة ، والركودية الأحادية ، لتوقف تقدمنا نحو الهاوية ، والسقوط ، ولتوقف أيضا حرب داحس والغبراء ، وحرب البسوس التي تمتد إليها عصبيتنا ، وطائفيتنا ، ومذاهبنا المتشددة ، إذ أصبحت عائقا أمامنا في الالتئام مع روح العصر ، ونجد في الرواية دعوة واضحة للتخلي عن عبودية الماضي والتعصب الديني وسطوته على أذهاننا لنلتحق بركب التطور الحضاري .
الرواية لا تهمل دور الإنسان العربي في مأساة الوطن والإنسان العراقي . في إشارة رمزية ذكية يأخذنا الكاتب إلى طرف آخر من أطراف البتاويين لنلتقي فيها بمجاميع بشرية جاءت الى العراق كي تعيل أبناءها أو ربما طمعا لجاه او مكانة من دول عربية لكنها غدت لقمة سائغة للنظام استخدمهم كأداة لضرب العراقيين.
الصمت المطبق والسكوت عن الحق تجاه ما يجري على ارض الرافدين والتجارب العسكرية في استخدام كافة الاساليب الحديثة في تركيع الإنسان العراقي يجد مكانه في هذه الرواية التي تقدم عتابا الى كافة الجهات التي تناست الإنسان العراقي ، وتناست مأساته لا بل وربما شاركت بالفعل في تلك المآسي.
الرواية شهادة حية ، تقدم ربما تفسيرا مقنعا لدور المثقف العراقي أمام ما جرى ، ويجري لحد اليوم على أرض العراق.
قراءة ممتعة في فصول ترتبط بحدث تاريخي معين او بحادثة كالكوارث الطبيعية التي عاشها الوطن بين الحين والآخر منذ الخليقة الأولى. الرواية لا أخفي عليك أيها القارئ الكريم تحتاج الى معرفة بالعراق والعراقيين كي يتم استيعابها وفهم مكوناتها وحل ألغازها وطلاسم رموزها الكثيرة.
سفرة في عقل الإنسان العراقي في رياض مهدت إنشاء أول مدينة دائرية تلملم في احضانها أرواح البشر من كل المعتقدات والأعراق والملل في دار السلام .

الآن حين انتهيت من قراءة الرواية كنت أردد مع نفسي : كم من الأعوام والجهد الذي بذلها المؤلف ليصوغ هذه الدرة الإبداعية وبهذه الصياغة المذهبة بالمعاني والرموز ؟! أتذكر كم من مرة التقينا وتناقشنا تاريخ الوطن وكم من محادثة تلفونية طويلة أخذتنا مبتعدين عن أجواء هذا القطب الجليدي إلى أجواء تفوح منها حرارة الوطن وإنسانه متخاصمين أحيانا ولكننا كنا دوما نتعانق في محبة على أمل اللقاء.
كل ما أريد أن أقوله في الختام إن هذه الرواية اكثر من رائعة تضاف الى روائع كاتبنا الكبير حمودي عبد محسن والى روائع الادب الإنساني او ليس الثقافة ملك للجميع قارئي الكريم .

يونشوبنك الاول من نيسان من عام 2012.