الرئيسية » مقالات » مصالحة وطنية لتحصين انجازات الدبلوماسية والمقاومة

مصالحة وطنية لتحصين انجازات الدبلوماسية والمقاومة

حدثان بارزان تزامنا خلال أسبوع واحد أخرجا القضية الفلسطينية من حالة الركود والشعب من حالة الإحباط واستنهضتا الحالة الوطنية ومعها الأمل بإنعاش جهود المصالحة الفلسطينية . خلال أسبوع واحد احتفلت الجماهير الفلسطينية بإنجازين (انتصارين) تاريخيين أفرحا الشعب وكانت لهم دلالة ورمزية كبيرة بالرغم من أن المحرك لهما طرفان متخاصمان لكل منهما رؤيته وإستراتيجيته معلنة ليس فقط مختلفة مع الطرف الآخر بل ومشككة فيها . انتصار بطعم الدم والدمار والصمود والصبر حققه الشعب الفلسطيني وأحزابه في قطاع غزة وعلى رأسها حركة حماس،من خلال الرد على العدوان الإسرائيلي بإطلاق صواريخ وصلت لأول مرة إلى تل أبيب والقدس،حيث اعتبرت حركة حماس ومن يشايعها أن وصول الصواريخ لتل أبيب والقدس يؤكد على نجاح خيار المقاومة المسلحة وفشل خيار التسوية والمراهنين عليها ،وارتفعت أسهم حركة حماس وشعبيتها نتيجة هذا الإنجاز. لم تمر سوى أيام معدودة وقبل أن تستكمل حركة حماس مهرجانات النصر ،جاء التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 29 من نفس الشهر لصالح طلب منظمة التحرير بالاعتراف بفلسطين دولة مراقب غير عضو، حيث شكل التصويت نكسة كبيرة لإسرائيل وانتصار ولو معنوي لصالح الفلسطينيين ،ومع انه انتصار للنهج السياسي السلمي للرئيس إلا أن العدوان على غزة وشهداءها كانوا حاضرين في أجواء اجتماع الجمعية العامة وفي خطاب الرئيس وكان لهم دور في قوة خطاب الرئيس الذي أكد مرة أخرى انه رئيس كل الشعب الفلسطيني . بعد التصويت عمت المظاهرات المؤيدة لهذا الإنجاز (الانتصار) في عموم الضفة وفي مخيمات الشتات وبشكل اقل في قطاع غزة ،وارتفعت أسهم منظمة التحرير والرئيس أبو مازن ونهجه الذي لم يتزحزح عنه طوال سنوات والذي أكد عليه في خطابه في الجمعية العامة ،وهو السلام والمفاوضات والمقاومة الشعبية السلمية.

لا يجوز أن نبدد فرحة الشعب بما تحقق في الحالتين ،فبالنسبة للشعب الفلسطيني الخاضع للاحتلال والذي يواجه عدوا قويا كإسرائيل ،فإن الصمود نصر وأي قرار دولي يناصر حقه بدولة يعتبر نصرا ولو صغيرا أو معنويا . لكن علينا التذكير بأنه سبق أن احتفلنا بانتصارات دبلوماسية كثيرة كانتصار الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني ثم عضوا مراقبا في الأمم المتحدة عام 1974،ونتذكر فرحة النصر عندما اعتلى الرئيس الراحل أبو عمار منصة الأمم المتحدة قائلا : جئتكم بغصن الزيتون بيد والبندقية باليد الأخرى فلا تسقطوا غصن الزيتون من يدي ، وعلينا تذكر فرحة الانتصار عندما تم الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية في المجلس الوطني في الجزائر 1988،وعسكريا علينا تذكر عديد من فرحات النصر منذ فرحة نصر معركة الكرامة وفرحة النصر مع كل عملية فدائية داخل إسرائيل حيث كانت توزع الحلويات على الناس في الشارع ، وفرحة الصمود في الانتفاضتين وفي مخيم جنين، وفرحة انتصار معركة الفرقان ويضاف لها اليوم انتصار معركة السجيل… .

بالرغم من كل هذه (الانتصارات) ما زلنا نعيش النكبة والشتات ونخضع للاحتلال سواء في الضفة أو غزة منذ ،1948 وما زال بيننا وبين الاستقلال والحرية مشوار طويل. السبب ليس لأن ما جرى لم تكن انجازات أو انتصارات بل لقوة الخصم وتحالفاته الدولية من جانب ،ولأن الأحزاب والنخب كانت تضخم هذه الانتصارات المحدودة للتغطية على مأزق خياراتها وسياساتها استراتيجيا ، ولأنها تريدها انتصارات للحزب وليس انتصارات للوطن ، ولأنها لم تُحسن توظيف هذه الانتصارات ولم تراكم عليها في إطار إستراتيجية وطنية واحدة تخلق التكامل ما بين الانتصارات السياسية والدبلوماسية والانتصارات الميدانية العسكرية.

ضمن الواقع الانقسامي الفلسطيني ومحدودية المتغيرات العربية من حولنا على القضية الفلسطينية إن لم يكن دورها ككابح لخيار المقاومة المسلحة كما جرى من موقفها من العدوان الأخير على غزة ،ومع وصول المفاوضات إلى طريق مسدود، يمكن لمنظمة التحرير القول بأنها حققت انتصارا ولو جزئيا وقد قال الرئيس في خطابه إن قرار الجمعية العامة خطوة في طريق طويل،وفي ظل نفس الوضع يمكن لحركة حماس أن تقول بأنها لا تستطيع تحقيق صفقة أفضل مما حققت بصفقة الهدنة. في ظل الانقسام يتم احتساب الإنجازات ليس اعتمادا على قوة الشعب وممكناته الكلية بل على الممكن الحزبي المُقيد بخيار أحادي،إما خيار المقاومة بدون رؤية سياسية ودبلوماسية دولية داعمة ،أو خيار تسوية دون الاعتماد على المقاومة ولو كورقة تهديد أو خيار يمكن التلويح به . راهنت وتراهن منظمة التحرير وسلطتها في الضفة على نهج السلام وتسقط خيار المقاومة المسلحة ،وحركة حماس وسلطتها في قطاع غزة تراهن على خيار المقاومة في حدود قطاع غزة فقط وكإستراتيجية دفاعية وتتجاهل أهمية العمل السياسي والدبلوماسي والقوة التمثيلية لمنظمة التحرير.

عندما تصبح المواجهة بين إسرائيل والحركة الصهيونية وواشنطن من جانب وحركة فتح والسلطة من جانب آخر فالنتيجة لن تكون أفضل مما تحقق،وعندما تكون المواجهة أيضا بين إسرائيل والحركة الصهيونية وواشنطن من جانب وحركة حماس وسلطتها في غزة من جانب آخر فلن تكون النتيجة أفضل مما تحقق. هناك درس آخر علينا الاستفادة منه مما جرى.وهو أن حاجة شعب خاضع للاحتلال للعمل السياسي والدبلوماسي لا تقل عن حاجته للعمل المقاوم بكل أشكاله،فالدبلوماسية الفلسطينية حققت إنجازات وبلَّغت رسالة للعالم بأن الفلسطينيين شعب مسالم وينبذ العنف والتطرف ويؤيد الشرعية الدولية ولا يهدف للقضاء على إسرائيل بل يريد العيش بسلام في دولته المستقلة بجانب دولة إسرائيل،أيضا المقاومة المسلحة والصمود والصبر يمكنهم تحقيق إنجازات وقد حققت كثيرا من الانجازات وعلى رأسها أن الشعب الفلسطيني يستطيع ان يرد الضربة بضربة وانه لم يستسلم ولن يستسلم .طبيعة إسرائيل كدولة لها علاقات دولية متشعبة وتُرًوِج نفسها للعالم بأنها دولة تريد السلام وبأنها واحة الديمقراطية الخ، تحتاج للدبلوماسية لكشف هذه الأكاذيب، كما أن طبيعتها الاستيطانية والديمغرافية وبنيتها الداخلية وسياستها العدوانية، يتطلب شكلا من المقاومة الشعبية والمسلحة إن تطلب الأمر،ولذا يجب أن نواجهها بكلا الخيارين ،المشكلة لم تكن في خيار السلام ولا في خيار المقاومة بل في غياب إستراتيجية وطنية توفق بينهما.

المطلوب اليوم الانتقال من خطاب انتصار الأحزاب لخطاب انتصار الوطن . سواء تعلق الأمر بإنجاز الشرعية الدولية أو انجاز الصمود في غزة فستتبدد نشوة الفرح والانتصار ويعود الطرفان لمواجهة الواقع وهو الانقسام والاحتلال والاستيطان والتهويد وقضية اللاجئين،والسؤال الذي سيفرض نفسه بعد نشوة (النصر) ماذا بعد؟هل ستبقى منظمة التحرير تنتظر مزيدا من القرارات الدولية حتى تقوم الدولة بالفعل ؟ وماذا لو استمرت إسرائيل في غِّيها واستيطانها وتهويدها لأرض دولتنا الموعودة ؟ وما هي الخطوة القادمة بعد صدور القرار؟ وهل بنية السلطة والمنظمة ونخبتهما السياسية مؤهلين للاستمرار بالمعركة الدبلوماسية والسياسية إلى نهايتها حتى لو قامت واشنطن وتل أبيب بإجراءات انتقامية؟. وماذا بعد الهدنة بين غزة وإسرائيل ؟ ومن يضمن استمرارها وعدم تحولها لستار يخفي وقف المقاومة ونزع غزة من الحالة الوطنية ؟ ،وإذا كان فتح معبر رفح البري أحتاج لحرب فكم حرب سيخوضها أهل القطاع حتى يمتلكوا السيادة على بحرهم وجوهم ؟ وإن أصبح القطاع مستقلا فماذا بالنسبة لقضية فلسطين ؟وهل ناضل الفلسطينيون طوال أكثر من ستة عقود من اجل تحرير قطاع غزة أم تحرير فلسطين ؟.

تخوفات وتساؤلات نطرحها ليس من باب التشكيك بل خوفا من تكرار تجارب سابقة بددنا فيها انتصارات بسبب الانقسام والخلافات الحزبية ،إن كل هذه التخوفات والمحاذير يمكن تبديدها والتغلب عليها ويمكن قطع الطريق على إسرائيل من كل محاولة للالتفاف على الانجازات الفلسطينية ،وذلك من خلال مصالحة إستراتيجية توظف الزخم الشعبي السائد ،والتقارب في الموقف السياسية والتفهم المشترك من حماس وفتح لما أنجزه كل طرف ،وهذه المصالحة يجب أن تبدأ بدعوة الرئيس أبو مازن لاجتماع عاجل للجنة المكلفة بإعادة تفعيل وبناء منظمة التحرير للبحث في كيفية تطبيق التفاهمات السابقة حول المصالحة ويمكنها أن تبدأ بخطوات مصالحة مجتمعية وإعلامية تبدأ بالممكن ضمن الواقع القائم في قطاع غزة والضفة ،ثم تتدرج بعدها نحو تفكيك استعصاءات الانتخابات والحكومة ،ونقترح في هذا السياق توسيع لجنة المنظمة بإشراك شخصيات وطنية من مشارب متعددة وممثلي مؤسسات المجتمع المدني في الوطن والشتات لتصبح بمثابة لجنة تأسيسية يُسند لها أمر صياغة ميثاق المنظمة وبرنامج الحكومة في حالة تشكيلها .

2-12-2012