الرئيسية » الآداب » جيورجي ديمتروف – 1882-1949: كتاب في حلقات – الحلقة الحادية عشرة

جيورجي ديمتروف – 1882-1949: كتاب في حلقات – الحلقة الحادية عشرة





















جيورجي ديمتروف
1882-1949


القسم الرابع

الفصل الثاني

الإعداد للمؤتمر السابع للكومنترن والمشاركة فيه

في الوقت الذي كان الاعداد للمؤتمر في اواخر تموز ( يوليو ) 1935يقترب من نهايته ، ازداد العمل في التحضير حدة وتشكلت مجموعات عمل صغيرة من جهاز اللجنة التنفيذية للكومنترن ،لتقوم بتدوين مواد مشاريع القرارات الاساسية للمؤتمر . وفي خضم هذا العمل الكبير ، توجهت الانظار الى ديمتروف الذي كان يتولى قيادة عدة مجموعات مهمتها توضيح المشكلات الواقعية في النضال المعادي للفاشية .
إن برنامج ديمتروف الرسمي والشعبي النشيط عشية الاعداد النهائي للمؤتمر ، لم يترك له وقتا كافيا لمتابعة التقرير المعد حول النقطة الثانية من جدول الاعمال والتي كانت تشغل مكانا مركزيا في المؤتمر . و كانت التحضيرات للمؤتمر تسير بشكل مرضٍ وتمًت مناقشة وتوضيح الآراء السياسية والنظرية الاساسية التي يتوجب على اللجنة التحضيرية الرسمية التأكيد عليها في التقرير بشكل كافٍ ، وتحت استشارة المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي وممثلي الاقسام الاخرى في الكومنترن، مع الاخذ بالملاحظات التي قدمها اعضاء اللجنة التحضيرية . وكان ديمتروف يدرس بإمعان جملة من الصيغ المستمدة من اعمال لينين ، ويضع الخطوط تحت المباديء النظرية الرئيسية ، والتقييمات السياسية والمواقف والشعارات . وناضل من اجل اختيار كل شيء ضروري لنضال الطبقة العاملة والاحزاب الشيوعية بالشكل الممكن والملائم .
وفي 18 تموز ( يوليو ) 1935 ، دعا ديمتروف ( أو. كوستين ) وعضوين آخرين من مجاميع العمل الصغيرة الى تحرير التقرير بشكله النهائي وقدًم لهم ملاحظاته الاخيرة حول كل نقطة واردة في التقرير وكل صفحة من صفحاته .
وفي 25 تموز ( يوليو ) 1935 ، أفتتح المؤتمر السابع للكومنترن في قاعة “ الاعمدة “ في بناية مجلس السوفيت الاعلى في موسكو ، واستمر لمدة شهر تقريبا ، وانتهت جلساته ليلة الحادي والعشرين من آب ( اغسطس ) وشارك فيه 5138 مندوبا يمثلون 65 حزبا شيوعيا . كما شارك في المؤتمر عدد من المنظمات المناضلة العالمية ، وكان من بين الوفود بعض القادة والشخصيات البارزة في الحركة الشيوعية والعمالية العالمية المعادية للفاشية والامبريالية .

في الثامن من آب ( اغسطس ) 1935 ، القى ديمتروف تقريره حول هجوم الفاشية ومهمات الاممية الشيوعية في نضال الطبقة العاملة من اجل الوحدة ضد الفاشية . فقد ركًز ديمتروف في تقريره على جميع المسائل الملحة التي ترتبط بالوضع الاممي للحركة الشيوعية العالمية ، ورسم خطة واضحة وتكتيكات مرنة للاحزاب الشيوعية في نضالها ضد هجوم الفاشية والتهديد بحرب عالمية جديدة .
كما اكًد تقريره بان الفاشية اخطر واشرس عدو للاممية الشيوعية والحركة العمالية وينبغي توحيد كل القوى الخيرة للنضال ضدها . واكًد ايضا : ” انه في ظروف الازمة الحادة للرأسمالية ، وبتأثير الانتشار الواسع للافكار الثورية بين الجماهير ، تجد البرجوازية الحاكمة في الفاشية طوق نجاتها لتنفيذ خططها اللصوصية ضد الكادحين والاستعداد لحرب امبريالية جشعة “( 1 )

ولتحديد الجوهر الطبقي للفاشية ، إستشهد ديمتروف بالاستنتاج الذي جاء به الكومنترن في الجلسة الكاملة للجنته التنفيذية ، “ الفاشية ديكتاتورية إرهابية سافرة للعناصر الاكثر رجعية وشوفينية وامبريالية لرأس المال
المالي “ ( 2 ) . ووضع هذا التعريف الدقيق حدا لجميع الخلافات حول الطبيعة الاجتماعية للفاشية ، وسدد صفعة للافكار الاشتراكية الديمقراطية حول الفاشية ، بإعتبارها قوة فوق الطبقات ، وحركة برجوازية صغيرة أو سلطة للبرجوازية الصغيرة .. الخ ، واكًد على دور الفاشية كأداة لجماعات رأس المال الاحتكاري الاكثر رجعية . وحذًر ديمتروف في الوقت نفسه من الاحكام الجامدة حول خصوصيات التطور الفاشي والاشكال المختلفة للديكتاتورية الفاشية في كل قطر على انفراد وقال : ” ينبغي ان نبحث وندرس الخصوصيات الوطنية للفاشية في كل بلد على انفراد، وان نرسم خطط العمل واشكال النضال ضدها . ” ( 3 )
وذهب ديمتروف ابعد من ذلك إذ اكًد على “ الدور الخطر والرجعي للفاشية الالمانية ، الذي يجسًد السمة البشعة للحركة الفاشية . فالفاشية الالمانية يد ضاربة للثورة المضادة العالمية ، وتحرًض على حرب صليبية ضد الاتحاد السوفيتي ــ البلد العظيم للكادحين في كل انحاء العالم وتهدد بحرب امبريالية جديدة “ ( 4 )
وابدى ديمتروف إهتماما خاصا بقضية الفروق بين النظم الفاشية والبرلمانية البرجوازية “ فلا يُعد مجيء الفاشية الى السلطة تغييرا بسيطا تحل فيه حكومة برجوازية محل اخرى ، لكنه البديل لإحد اشكال السلطة للسيطرة الطبقية للبرجوازية ــ الديمقراطية البرجوازية ـ بأشكال اخرى من الديكتاتورية الارهابية
السافرة . ” ( 5 ) . إن الثورة المضادة للفاشية تهاجم الديمقراطية البرجوازية الحقيقية ، وتدخل معها في صراع مرير وتكافح من اجل ان تحل محلها بإقامة نظام يعتمد على اكثر اساليب الاضطهاد بربرية .
فقد كان لهذا الاستنتاج اهمية نظرية وعملية عظيمة كونه يشكل اساسا لرسم الاستراتيج والتكتيكات الجديدة للحركة الشيوعية والعمالية العالمية .ففي ظروف الهجوم الفاشي واجهت الجماهير العمالية في البلدان الرأسمالية الاختبار “ ليس بين ديكتاتورية البروليتاريا والديمقراطية البرجوازية ، بل بين الديمقراطية البرجوازية والفاشية . ( 6 ) . وهذا يعني ان المهمة الرئيسية لجميع الشغيلة في هذه البلدان لا يتحدد في المرحلة الراهنة بالمهمات الاشتراكية فقط ، بل وبالمهمات الديمقراطية العامة المعادية للفاشية والتي ستؤدي للاشتراكية ايضا . وبهذه الطريقة ، فقد وقفت الاحزاب وجها لوجه مع المبدأ اللينيني الاصيل حول تلازم النضال من اجل الديمقراطية مع النضال من اجل الاشتراكية .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1 ) ج . ديمتروف ، الاعمال ، المجلد 10 ص 27
( 2 ) المصدر السابق ص 29
( 3 ) ج. ديمتروف ، الاعمال ، المجلد 10 ص 136
( 4 المصدر السابق ص 29
( 5 ) المصدر السابق ص 31

( 6 ) المصدر السابق ص 152


وبهجومها على النظام الديمقراطي البرجوازي الحقيقي ،فالفاشية عرًضت للخطر ليس مصالح الحركة الشيوعية والحركة الثورية العالمية فحسب ، بل ومصالح جميع الاحزاب والمنظمات العمالية ، بصرف النظر عن إتجاهاتها السياسية ، ومصالح الجماهير التي ناضلت من اجل الديمقراطية والسلام والتقدم الاجتماعي ودرء خطر الحرب . وهكذا توفرت امكانيات واسعة للبروليتاريا لتوحيد جهودها مع جماهير الفلاحين والبرجوازية الصغيرة في المدن والمثقفين وعموم الشغيلة وحتى مع بعض الفئات البرجوازية ذات الميول المعادية للفاشية ، لتحقيق وحدة عمل معادية للفاشية .
ومع هذه الظروف الايجابية ، رسم الكومنترن سياسة بناء الجبهات العمالية الموحدة . وكرًس جيورجي ديمتروف حيزا بارزا في تقريره امام المؤتمر لهذه السياسة ، واكًد على الظروف التمهيدية لتطبيقها ، وبين اهمية الجبهة الموحدة لنضال البروليتاريا وانجح الطرق لتحقيقها .. الخ
كما اكًد ديمتروف بأن الديكتاتورية الفاشية هي سلطة ضاربة غير مستقرة ، لأنها غيرقا درة على تصفية التناقضات في المعسكر البرجوازي لإنهاء الصراع الطبقي ، بل على العكس من ذلك ، فانها تفاقم هذا الصراع وتثير الحقد والنقمة لدى الجماهير إزاء النظام الراسمالي وتعطي قوة دافعة قوية لجبهة البروليتاريا الموحدة ضد
الفاشية . لكن لايعني هذا أن الديكتاتورية الفاشية تزول من ذاتها “ والنشاط الثوري للطبقة العاملة فقط هو الذي يساعد على إزدياد حدة الصراع داخل المعسكر البرجوازي ، ليقوض الديكتاتورية الفاشية ويسقطها “ ( 1 )
واشار ديمتروف الى “ ان الفاشية كانت قادرة على انتزاع السلطة في عدد من الاقطار نتيجة لسياسة التواطيء الطبقي التي انتهجها قادة الاشتراكية الديمقراطية مع البرجوازية ، كما ان الطبقة العاملة وجدت نفسها منقسمة وغير مسلحة سياسيا او تنظيميا في وجه هجوم البرجوازية . وكانت الاحزاب الشيوعية هي الاخرى غير قوية
لقيادة الجماهير في النضال الحاسم ضد الفاشية بدون الاشتراكيين الديمقراطيين . ”( 2 )
إن تشكيل الجبهة الموحدة وتحقيق وحدة الطبقة العاملة هي الشرط الاساسي للانتصار على الفاشية ، ووحدة عمل البروليتاريا على المستويين الوطني والعالمي هي “ السلاح الذي ليس فقط يجعلها قادرة على الدفاع عن نفسها فحسب ، بل وعلى شن هجوم مضاد وناجح ضد الفاشية وضد العدو الطبقي “ ( 3 )
وبعد إيجاز تجربة الشيوعيين في فرنسا واسبانيا واقطار اخرى في مجال تحقيق الجبهة العمالية الموحدة ، اكًد ديمتروف على “ يمكن تشكيل جبهات كهذه من خلال توحيد الجهود لتحقيق المطاليب الديمقراطية المشتركة المعادية للفاشية . فإن لم يستطع العمال ذوي الاتجاهات السياسية المختلفة محاربة الرأسمالية ، فبوحدتهم يمكنهم محاربة الفاشية والدفاع عن قضاياهم السياسية والاقتصادية التي يجب ان تكون حافزهم الاول لتشكيل الجبهة العمالية الموحدة . وبطبيعة الحال ، فإن التجسيد المادي للجبهات الموحدة في البلدان المختلفة ينشأ بطرق واشكال مختلفة ، ترتكز بالاساس على قوة وصلابة منظمات الطبقة العاملة ، وعلى نضجها السياسي ، وعلى الواقع الملموس في البلد المعني والتغيرات التي تحصل في الحركة العمالية العالمية … الخ “ ( 4 )
وتعتمد إقامة الجبهة العمالية الموحدة على المستوى الوطني والعالمي على العلاقات المتبادلة بين الاحزاب الشيوعية والإشتراكية الديمقراطية . وتحدث وكتب ديمتروف عن هذا الموضوع اكثر من مرة ، وبرًزه في تقريره وخطاباته الختامية امام المؤتمر . كما وذكًر ديمتروف بسياسة التواطؤ الطبقي للاشتراكية الديمقراطية مع البرجوازية والتي سببت الويلات للطبقة العاملة . كما اكد بأن الهجوم الرجعي الفاشي لم يكن فقط عاملا في ذلك التواطؤ ، بل كان ايضا عاملا لتقوية وضع المجموعات اليسارية في دوائر الاشتراكية الديمقراطية ، التي بدأت مرحلة جديدة من التضال الثوري الطبقي . وان هذا يدعم تحقيق الجبهة المشتركة مع الاشتراكية الديمقراطية على كل المستويات ، في المعمل ،في المدينة وعلى المستوى الوطني والعالمي .
واكًد ديمتروف انه بلامكان تشكيل جبهة عمالية موحدة في الاقطار التي توجد فيها الاشتراكية الديمقراطية أو حكومات إئتلافية بمشاركة الاشتراكيين ، كما في الدانمارك ، النرويج ، السويد ، بلجيكا وتشيكوسلوفاكيا . وعلى الشيوعيين في هذه البلدان ان يستغلوا نقطة التحول في بعض المطاليب المتفرقة من خطط الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية وبرامج الحملات الانتخابية للوزراء الاشتراكيين الديمقراطيين للتوصل الى اعمال مشتركة مع هذه الاحزاب والمنظمات وتشكيل الجبهة الموحدة وتحقيق سلسلة من المطاليب الاخرى . وفي ظروف معينة ، يمكن التوصل الى وحدة متكاملة وتشكيل احزاب سياسية على اساس وحدة الطبقة العاملة في تلك الاقطارالتي يوجد فيها جناح يساري للاحزاب الاشتراكية الديمقراطية ، شرط ان تكون الاسس اللينينية قاعدة لهذا العمل .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) ج . ديمتروف ، الاعمال ، المجلد 10 ص 49

( 2 ) المصدر السابق ص 16

( 3 ) المصدر السابق ص 53
( 4 ) المصدر السابق ص 39



وصاغ ديمتروف في تقريره قضية جديدة حول كيفية تحقيق وحدة العمل النقابي التي تشًكل حلقة الوصل المهمة في عملية خلق وتعزيز الجبهة العمالية الموحدة . واظهرت تجربة الاحزاب الشيوعية في فرنسا والنمسا وفنلندا واقطار اخرى بأن وحدة كهذه امر عملي وملائم تماما ، لأن هجوم الفاشية والرجعية دفع العمال الى الالتفاف حول اتحاداتهم النقابية ، التي وجدوا فيها المدافع الامين عن مصالحهم الطبقية الاساسية . ولهذا السبب شنً الشيوعيون نضالا حاسما من اجل وحدة العمل النقابي ، والبحث عن انجع الطرق والاشكال للوصول الى ذلك الهدف من خلال دمج الاتحادات الصناعية في كل فرع صناعي في كل بلد في العالم . واكد ديمتروف “ اننا نناضل من اجل اتحادات نقابية موحدة واعية لطبقتها . ان هذه هي احدى دعائم الطبقة العاملة لسد الطريق امامج . ديمتروف ، الاعمال ، المجلد 10 ص 93 الهجوم الرأسمالي والفاشية . ” ( 1 )
واكًد ديمتروف مرة اخرى الحاجة الى العمل بين الشباب من اجل وحدة شبابية معادية للفاشية . فقد أشار الى نقاط الضعف في عمل بعض الاحزاب والكومنترن وفي موقفها من الاجيال الناشئة قائلا : ” لقد إستغلت الفاشية هذا الضعف لتسير بقسم كبير من الشباب على الطريق المعادي للبروليتاريا , وعلى الشيوعيين ان يخطوا الخطوة الحاسمة لكسب الشباب من اجل تحقيق هدفهم في إقامة جبهات شبابية موحدة تتلائم مع الظروف الموضوعية الوطنية ، بعيدا عن تطبيق النماذج الجاهزة . لقد كان من الضروري البدء بالعمل بين جميع المنظمات الشبابية المعادية للفاشية وخلق منظمات مشتركة ضد الفاشية وضد عسكرة الشباب ومن اجل المتطلبات الثقافية والاقتصادية للاجيال الناشئة . ” ( 2 )
كما خصص ديمتروف حيزا كبيرا في تقريره لتوضيح اهمية العمل في صفوف النساء لتحقيق جبهة نسوية موحدة . واكًد بأن في الاقطار التي تسيطر عليها الفاشية ، يجب ان يكون الشيوعيون “ في كل مكان توجد فيه الجماهير ، إذ أن الفاشية حرمت العمال من منظماتهم العلنية وفرضت عليهم منظمات فاشية بالقوة أو برغبتهم . ان هذه المنظمات الجماهيرية يمكن ويجب ان تكون ميادين عملنا العلني وشبه العلني ، لنتمكن من الاتصال
بالجماهير . كما يجب ان تصبح نقاط إنطلاقنا العلنية وشبه العلنية للدفاع عن مصالح الجماهير اليومية . وعلى الشيوعيين الاستفادة من هذه الفرص للحصول على مناصب انتخابية … وترك الرأي القائل بأن نشاط كهذا هودون مستوى كرامة العامل الثوري واحترامه لذاته . ” ( 3 )
وفي تقريره وكلمته الختامية في المؤتمر ، وضًح جيورجي ديمتروف بالتفصيل وببراهين شاملة ، المشاكل الاساسية لسياسة الجبهة الشعبية التي تمت مناقشتها بحذر بالغ ، لأن بعض القادة لازالو عند مخاوفهم بأن إثارة المطاليب الديمقراطية العامة يمكن ان تخلق اوهاما ديمقراطية بين الجماهير . وقد عبًر بعض ممثلي الحزب الشيوعي البولندي امام المؤتمر عن مثل هذه المخاوف .
واوضح ديمتروف “ ان هذا الفهم ناتج عن صيغة خاطئة وغير ديالكتيكية لمسألة الديمقراطية البرجوازية . ”
( 4 ) . ومن الفهم والاستخدام الخاطيء للتعاليم اللينينية حول الترابط العضوي بين النضال من اجل الديمقراطية والنضال من اجل الاشتراكية . وفي هذا السياق فقد استشهد بما قاله لينين : ” مثلما لاتكون الاشتراكية المظفرة ممكنة إذا لم تتحقق الديمقراطية الكاملة ، يستحيل إعداد البروليتاريا للنصر على البرجوازية ، إذا لم تشن نضالا شاملا ثابتا وثوريا من اجل الديمقراطية . ” (5 )

ففي الظروف التي هاجمت فيها الفاشية جميع المكتسبات الديمقالتي حصلت عليها الطبقة العاملة بعد نضال طويل ومرير ، وبعد ان الغت الفاشية جميع مظاهر الديمقراطية البرجوازية ، فعل الشيوعيين ان يقتلو بحزم من اجل الحفاظ على هذه المكتسبات وتوسيعها . إن الديمقراطية البرجوازية ليس اقل شرا مقارتة بالديكتاتورية الفاشية الارهابية ، لكن الدفاع عنها وتوسيعها يقوض مواقع البرجوازية الاكثر رجعية ويفتح ابوابا جديدة للعمل المشترك للطبقة العاملة وجميع الشغيلة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) ج . ديمتروف ، الاعمال ، المجلد 10 ص 93
( 2 ) المصدر السابق ص 97
( 3 )المصدر السابق ص 78
( 4 ) المصدر السابق ص 150
( 5 ) ف . أ. لينين ، الاعمال ، المجلد 22 ص 145



“ وفي البلدان التي إستطاعت الفاشية ان تثبًت ديكتاتوريتها الارهابية أو في البلدان التي بات يتهددها ذلك ، تبقى هناك طبقة اجتماعية واسعة ، ليس لديها الاستعداد للنضال من اجل ديكتاتورية البروليتاريا ، لكنها على إستعداد للدفاع عن الحريات الديمقراطية التقليدية التي داسها الفاشيون تحت اقدامهم .فعلى الطبقة العاملة ان تحقق وحدة عمل معادية للفاشية مع تلك تلك الطبقة وان تسعى لإقامة اساس للجبهة البروليتارية الموحدة او بصورة مستقلة عنها جبهات شعبية واسعة معادية للفاشية مع الاجراء الزراعيين ومع جماهير البرجوازية الصغيرة في المدن ، والتي تشكل الاكثرية من السكان في البلدان الصناعية المتقدمة . ” (1)
ومن اجل تعبئة جميع القوى المعادية للفاشية ، على الاحزاب الشيوعية في كل بلد ان تتقدم ببرامج لهذه الجبهات الشعبية تعبًر عن نصالات الجماهير والطبقة العاملة الاقتصادية والسياسية ، وكما دعى ديمتروف : ” إن الشيء الاساسي والاكثر حسما في بناء جبهة شعبية ، هو العمل الحزم للبروليتاريا الثورية للدفاع عن مطاليب هذه الطبقة وخاصة الاجراء الزراعيين ، وإن هذه المطاليب ترتبط مع المصالح الجوهرية للبروليتاريا، ومع مطاليب الطبقة العاملة . ( 2 )
إن الاقتراب من المنظمات والاحزاب ، التي تضم في عضويتها اعداد كبيرة من العمال الزراعيين والغالبية العظمى من البرجوازية الصغيرة في المدن له اهمية كبيرة في مهمة بناء “ الجبهة الشعبية المعادية للفاشية . وبصدد هذه المنظمات والاحزاب ، على الشيوعيين ان يبحثوا عن سبل متنوعة ، ويمكنهم تحقيق العمل المشترك ضد الفاشية من خلال المفاوضات مع قيادات هذه المنظمات والاحزاب ، كما يمكن كسب القسم الآخر منها الى صف الجبهة المعادية للفاشية، رغم ان قياداتها برجوازية . وفي بعض البلدان الزراعية ، حيث الحركة الفلاحية قوية وتتطور جنبا الى جنب مع الحركة العمالية ، وحيث الجماهير الفلاحية تمتلك منظماتها ، ينبغي ان تسير الجبهة الشعبية يد بيد مع تطور الجبهة البروليتارية . وفي بعض الاحيان يمكن للجبهة الشعبية المعادية للفاشية ان تتقدم بوتيرة اسرع من تقدم الجبهة العمالية . ( 3 )
كما اسهب ديمتروف في تقريره في تناول مسألة الجبهات المعادية للامبريالية في البلدان المستعمرة والمستقلة . فقد اكًد على “ ضرورة التحرر الوطني والدور الذي تلعبه البروليتاريا وتأثير الاحزاب الشيوعية فيها . وإستنادا الى ذلك ، فإن الجبهات المعادية للامبريالية ، يمكن ان تتسع او تضيق ، وعليهم في نهاية الامر توحيد جميع القوى المعادية للامبريالية ،التي تقع عليها مهمة قيادة النضال الحقيقي من اجل إنقاذ اوطانها و
شعوبها . ( 4 )
وسلًط ديمتروف في تقريره الضوء على الظروف التي يمكن فيها ان تُقام حكومات الجبهات العمالية المعادية
للفاشية ، واكًد بوضوح على مهمات هذا النوع الجديد من الحكومات . ” الشيء الاهم هو تحقيق مطاليب جذرية ثورية واضحة ومرئمة ، مثل السيطرة على الانتاج ، السيطرة على المصارف ، حل جهاز الشرطة ودمجه بالميلشيات العمالية المسلحة ..الخ “ ( 5 ) . وبعد حديثه حول امكانية قيام مثل هذه الحكومات ، ربط ديمتروف النضال من اجل تحجيم الفاشية أو الإطاحة بها مع إستعادة الديمقراطية والنضال من اجل الإشتراكية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) ج . ديمتروف ، الاعمال ، المجلد 10 ص 63
( 2 ) المصدر السابق ، ص 64
( 3 ) المصدر السابق ص 143

( 4 ) المصدر السابق ص 100
( 5 ) المصدر السابق ص 107



إن الديمقراطية التي على الطبقة العاملة ان تناضل من اجلها في الظروف الجديدة ، ليست ديمقراطية ليبرالية ذات شكل برجوازي ، بل ديمقراطية تقدمية ، ذات محتوى اجتماعي يعبًر عنها بقوة . إنها من النوع الذي يعزز وضع البروليتاريا وتمهيد الطريق للثورة الاشتراكية . وبإزالة العدو الرئيسي في المرحلة الفاشية وحل التنافض بين الديمقراطية والديكتاتورية الفاشية ، يؤدي الى حل التناقض الاساسي بيم العمل ورأس المال ، وبالتالي هزيمة العدو الرئيسي ، رأس المال الاحتكاري بل والبرجوازية كلها .

إن حل المعضلات المتعلقة بمسألة الحكومات ذات الجبهات الشعبية الموحدة وجبهات التحرر الوطني المعادي للامبريالية ، كشكل انتقالي نحو ديكتاتورية البروليتاريا ، قد طوًر الى حد بعيد ، التعاليم اللينينية حول طرق الانتقال للثورة الاشتراكية وحول الربط بين النضال من اجل الديمقراطية والنضال من اجل الاشتراكية . ومنحت هذه التعاليم الشيوعيين بقدرة كبيرة لشن نضالهم المعادي للفاشية / ويتم إشراك الجماهير في عمل ثوري كبير في الدفاع عن الديمقراطية وتعميقها ، وبالتالي قيادتها الى مرحلة متقدمة من النضال الى الثورة الاشتراكية .
واولى جيورجي ديمتروف اهتماما خاصا بمشكلات النضال الايديولوجي ضد الفاشية . ، وقد كان هذا الاهتمام ضروريا للغاية ، لأن الفاشيين استخدموا كل الاساليب الديماغوجية لكسب التأييد الجماهيري ، وزيفوا التاريخ ، واعتبروا انفسهم ورثة مجددين لكل ما هو جدير بالاهتمام واستخدموا كل الجوانب المشرقة في الماضي لتخدير الجماهير الشعبية بوعي قومي متطرف ، وشوفينية وحقد عنصري .لذا لم يكن بمقدور الاحزاب الشيوعية تجاهل المصالح القومية العامة لشعوبها ، بل على العكس ، عليها ، وهي تدافع بإصرار عن مواقعها الاممية ، ان تصبح قوى سيتسية وطنية حقيقية .
لقد اكًد ديمتروف بشكل خاص على النضال ذد العدمية القومية وعلى الموقف الصحيح تجاه المشاعر القومية للجماهير الشعبية ، مذكًرا بكلمات لينين في مقاله الموسوم “ حول الفخر القومي للروس العظماء “ وقال : ”
” نحن الشيوعيون الخصم العنيد للقومية البرجوازية بكل اشكالها ولسنا موالين للعدمية القومية ، وان المهمة الاساسية لكل حزب شيوعي هي تربية العمال والشغيلة بروح الاممية البروليتارية ، وان كل من بفكر بغير هذا ، فهو بعيد عن البلشفية الحقيقية . ( 1 )
وفي تقريره وكلمته الختامية ، اعطى ديمتروف جوابا شافيا لمسألة إمكانية تفادي حرب عالمية امبريالية شاملة .وبهذا اعطى حركة السلم والتجمع القوي للبروليتاريا في نضالها ضد الرجعية ودعاة الحرب العالمية الجديدة دليلا موثوق به ، قئلا :: ” إن الحروب الامبريالية هي نتاج الرأسمالية ن وعند إزالة الرأسمالية ، ستوضع نهاية لجميع الحروب ، لكن الجماهير الكادحة تستطيع بنضالها النشيط ان تسد الطريق على الحرب الامبريالية “ ، واشار ايضا الى القوى القادرة على كبح جماح المعتدين وحماية السلام وقال :” ان هذه القوى هي الاتحاد السوفيتي وجيشه الاحمر وبروليتاريا البلدان الرأسمالية والشعوب المستعمرة وشبه المستعمرة . ان الذي يشكل الجبهة الواسعة المعادية للحرب ليس فقط الطليعة الشيوعية ، بل والطبقة العاملة العالمية وكل الشعوب . ” ( 2 )
واولى ديمتروف اهتماما خاصا بقضية تقوية الاحزاب الشيوعية ، ومضاعفة نشاطها أن ذلك ضمان اكيد لنجاح الحركة من اجل إقامة الجبهات الشعبية الموحدة المعادية للامبريالية في مختلف البلدان وعلى مستوى العالم ، وكذا النضال الحزم ضد خطر القوى اليمينية التي نشطت في بعض البلدان اثناء تطبيق الخط السياسي الجديد ، وضد التطرف اليساري ، والمتحذلقين الدوغمائيين الذين اعاقوا تطبيق هذا الخط الجديد بسبب قصر نظرهم وتزمتهم ونفورهم من الحياة . وفي رأي ديمتروف فان الفئوية تكمن في “ الانحراف الطفولي “ كما شخصًها لينين ، و”مالم يتم إقصاء هذا الانحراف العميق الجذور ، فلا يمكن إقامة جبهة بروليتارية وشعبية واسعة معادية
للفاشية . ” ( 3 )
لقد كان للمؤتمر السابع للكومنترن اهمية تاريخية في تحديد نقطة الانعطاف الكبير في الحركة الشيوعية والعمالية العالمية والحركة المعادية للفاشية . وقامت جميع القوى الثورية الديمقراطية التي وقفت ضد الفاشية
والحرب بشن حملات اجتماعية على جبهة واسعة . لقد اوجد المؤتمر توجها سياسيا جديدا ، وستراتيجية وتكتيكات جديدة للحركة الشيوعية واظهر بوضوح الطرق والوسائل في حل المهمات المعادية للفاشية والمهمات الديمقراطية العامة ، وفي الوقت نفسه ، فتح امامها ابوابا جديدة من اجل التقدم صوب المرحلة الاشتراكية في النضال الثوري .واثبتت قرارات المؤتمر قوة الماركسية ــ اللينينية الخلاقة وإنتقلت الحركة الشيوعية العالمية الى مرحلة اعلى من التطور .
وقد كان تقرير ديمتروف النقطة المركزية في هذا المؤتمر التاريخي . واصبح ديمتروف بطل هذا الخط السياسي الجديد ، كما كشف تقريره بشمولية عن المشكلات الجديدة . إن إنتصار ديمتروف في محاكمة لايبزغ جلب له شعبية وإزداد رصيده البروليتاري والبطولي لدرجة ان كل وفد في المؤتمر قد شعر بالابتهاج وعرفان الجميل لعمله وشخصه .
وادركت جميع الوفود دور ديمتروف المتميز في نشاطات المؤتمر وجدارته الكبيرة في اعطاء التوجيهات الصحيحة ، فعلى سبيل المثال ، فقد اكًد موريس “ ان التقرير أثار قضايا هامة جدا ذات مغزى اممي رائع ، ولم يستطع احد ان يوضح هذه القضايا بمقدرة وجدارة اكثر مما قام به بطل معركة لايبزغ ، ديمتروف ، وان اسم البلشفي ديمتروف ، يُنطق بحب واعجاب عميقين من قبل كل شخص انضم الى جبهة القوى المناضلة ضد الهجوم الوحشي للفاشية . ” ( 4 )
وهناك اشارة اخرى لتأثير جيورجي ديمتروف الساحر خلال المؤتمر ، تمثلت بالترحيب الحماسي العاصف الذي تبع تقريره وخطابه الختامي ، وكذلك النقاشات التي دارت حول تقريره .
لقد ابدت جميع الوفود ترحيبا كبيرا للثوري والمنظر البارع ، وكانت تقابله بعاصفة مدوية من التصفيق والاغاني البروليتارية الثورية والهتافات المدوية . وبالطريقة نفسها قابلت الزفزد الهيئات القيادية في الكومنترن . ودوًت قاعة المؤتمر بعاصفة من التصفيق والترحيب الحماسي عندما اعلن الرفيق ب . تولياتي تعيين ديورجي ديمتروف سكرتيرا عاما للكومنترن .
وبعد إختتام المؤتمر ، اجتمعت اللجنة التنفيذية المنتخبة للكومنترن لانتخاب هيئة رئاسة جديدة وسكرتارية سياسية . وكان في اللجنة الدائمة ممثلون من مختلف الاحزاب الشيوعية من بينهم بلغاريان بارزان هما جيورجي ديمتروف وفاسيل كولاروف . وتمً انتخاب سبعة اعضاء للسكرتارية هم : جيورجي ديمتروف ( سكرتيرا عاما ) ، ب. تولياتي ، د.مانويلسكي ، فيلهلم بيك ، أو. كوسنين ، أ. مارتي ، ك. غوتوالد ، م. موسكفن ، ف.فلورت ، فان منيه . وفي عام 1939 ، إنظم الى السكرتارية كل من ج. دباس ، دولورميس اياروري . إن انتخاب ديمتروف لمنصب السكرتير العام للكومنترن كان تقديرا لجدارته التاريخية في النضال ضد الفاشية وتجربته الثورية والسياسية الواسعة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) المصدر السابق ص 112
( 2 ) المصدر السابق ص 181 ــ 183
( 3 ) المصدر السابق ص 118 ، 119
( 4 ) الاممية الشيوعية ، العدد 15 في الاول من ايلول ( سبتمبر ) 1935 ص 3