الرئيسية » مقالات » عراة بلا قضية …

عراة بلا قضية …

القضية : نسيج تتشكل منه العلاقة بين الكائن ووجوده , الأنسان والحيوان وحتى الجماد , كل له قضية تبرر مسؤوليته ازاء حماية وجوده وحرية حراكه من اية اخطار خارجية .

اسباب كثيرة قد تفصل الكائن عن وجوده , عبر تشويه وتدمير او تزوير قضيتة , تلك الظاهرة ذات التأثيرات المأساوية , تفشت عبر تحولات وتغيرات وانهيارات اخلاقية واجتماعية وثقافية وسلوكية تعرض الها الأنسان بشكل خاص , دمرت قضيته واثرت سلباً على قضايا الكائنات الأخرى .

السياسات البشرية التي تشعبت وتنوعت وتعقدت غاياتها ووسائلها سلباً , جعلت من الأنسان خطراً على ذاته وعلى مجمل البيئة التي يتحرك من داخلها , شهوة التوسع والعدوان والحروب والغزوات والأحتلالات وعشوائية التدمير قد سيطرت عليه تماماً , العواطف والأنفعالات وحمى الثأرات والأنتقامات وهستيريا تدمير والغاء الآخر والذات , نهجاً اتسعت اضراره وشملت العالم بأسره .

السياسة التي اصبحت مكباً لنفايات التطرف والتعصب والكراهية والأحقاد والتلذذ بلعبة الأبادات الجماعية , لم تترك للسياسيين خياراً , الا ان يكونوا ادوات وملحقات في ماكنة جرائمها .

حتى لا نفقد بوصلة الموضوع في عموميات وجزئيات الحالة العالمية والأقليمية , نركز هنا على الشخصية العراقية التي نحن جزء منها , ندفع ثمن اشكالاتها وانشطاراتها وارهاصاتها , دماءً وارواحاً وخراباً شاملاً , وتشويه دولة , واتساع بيئة الفساد والأرهاب والعنف ورذائل التزوير وتهريب المال العام , هوية بديلة عن شرف الأنتماء والولاء للأرض والأنسان .

السياسي العراقي الآن , غير معني بقراءة الحالة ( المأساة ) العراقية , يفضل ان يبقى جاهلاً او متجاهلاً للواقع ورقعة عورته فيه , مرغماً او راغباً في التنكر للقضية المشتركة التي مفروضاً ان يكون منتمياً الها , حيث دخلت مهمة اصلاح مفاسده نفق المستحيلات , انه تراجع مخيف تخجل منه حتى مواقف البهائم ازاء حضائرها .

اننا هنا نتحدث حصراً عن الهاوية التي انحدر اليها دعاة الثقافة والفكر والفلسفة ايضاً , وهم غالباً ما يقلدون حالة العهر التي انتها اليها السياسي .

المثقف : تناسا ان الثقافة يجب وبالضرورة ان تبقى باسقة شامخة عالية الرأس , يصعب على السياسي ركوب ظهرها , فاصبح بهلواناً دبقاً سمح للسياسي ان ينتف ريش وظيفته ليضيفه عارياً الى سربه بلا قضية .

مدعي الثقافة , قد ينجح في تضليل وخداع البعض , لكنه يسمع ويرى مطرقة السياسي وهي تدق مسماراً اضافياً في تابوت سمعته , ومهما حاول خداع نفسه , فمكرمات سيده تذكره , ان دخول ابواب مكاسب اللعبة قد يكون سهلاً , لكن الخروج منها غير جائز اضافة لأستحالته , فالتطبع عليها افرغه من بقايا الضمير والوجدان ان وجدت بقايا , ولا يمكن له ان يترك فراغاً في حصة السلطان في دولة السلاطين , ان نقاط ضعفه القاتله , تعيد تهذيبه ( تأديبه ) فاعلاً مندمجاً في السرب المدجن .

هنا قد نتجنب ذكر الأسماء التي اشبعت القضايا الوطنية والأنسانية اجتراراً وتقيئاً , فالقاريء سيتعرف عليهم من خلال رائحة المعنى , وقد لا يبدو فساد البيضة على قشرتها , لكن الخراب يبقى مرعباً من داخلها .

في اواسط الخمسينات قرأنا لهم مواقف , وفي اواسط الستينات والسبعينات تغيرت المواقف , ولهم في الثمانينات والتسعينات انحناءات واعوجاجات وانكسارات تقمصوا خلالها مهام المخبر وكتبة التقارير يطاردوا مواقف الأخرين ويستجوبوا وجهات نظرهم , اذا ما خدشت وجه البناء الأشتراكي في معسكر وأد التجربة , وحتى يومنا هذا , يمهدون للسياسي مهمة افتراس العقل العراقي , في جميع الحالات لم نعثر لهم على موقف واحد متزن يعبر عن ضمائر تتحرك بدوافع وطنية او مبادي تربطهم بقضية , انهم الأن , منتوفي ريش القضية , متخذين من مكرمات السياسي عشوشاً تحتضن بؤسهم , انهم فقدوا كامل شخصيتهم متشظية بين هذا المؤجر وذاك , ولا يمكن لهم استعادة المسكوب من صدق المواقف .

ما اسؤأ ان يتجاهل البعض من مدعي الثقافة والأنتاج الفكري , انهم عراة بلا قضية يدفنوا رؤسهم في رمال المكرمات ليتجنبوا رؤية حجم وفداحة العورة , متناسين انهم ليسوا جديرين ولا يليق بهم ان يكونوا مدافعين عن حقوق الأنسان وعن السجين وحرية الفكر ومعتقد الأقليات الدينية والمذهبية او التضامن مع اكثر من قضية , مبشرين بأكثر من هدف مهاجمين اكثر من جهة مسيئين لأكثر من شخصية , وبشهية مقلوبة , يفصلوا ما في جعبهم على مقاس اكثر من حضن , يوزعوا مواقفهم على اكثر من مؤجر, يجذبوا الى سربهم اكثر من منتوف, يرتدوا ويوزعوا الألقاب والصفات ويتجنبوا الأصيل فيهم كخونة قضية , انهم صادقون فقط مع ضمان مكاسبهم .

مدعي الثقافة , عندما يخذل قضيته ويتخلى عن وظيفته الوطنية الأنساتية , انه قد خذل الثقافة اولاً وترك جروحاً غائرة في جسدها , ليتلذذ بأوجاعها , انها سادية المأزوم الخليع نفسياً وروحياً واخلاقياً واجتماعياً , يمارس القسوة ,ليس بحق الثقافة فحسب, بل يتجاوزها الى مطاردة والحاق الأذى بالمتبقي من خيرة المثقفين, ويرمي اوحاله على سمعة الأخرين , انه مصدر تشويه , ليس على النطاق الفردي فقط , بل على نطاق الرأي العام العراقي , يرتكب جريمة قطع خيوط الروابط الوطنية والأنسانية بين المواطن وقضيته العراقية , اذن اي بهلوان تافه , هذا الذي يخون وظيفته على نطاق واسع ويصغر كلما كبرت عورته .

19 / 11 / 2012