الرئيسية » الآداب » نعي النفس في الشعر الكوردي قراءة مقارنة

نعي النفس في الشعر الكوردي قراءة مقارنة

في الأدب العالمي نادراً ما يرثي الشعراء أنفسهم، مالكٌ بن الريب رثى نفسه، ونعاها بقصيدةٍ سارت بها الركبان، شعراء توقعوا أنْ يوديَ الشِّعرُ بحياتهم، لوركا في قصيدته(أغنية بلا جدوى) يقول(أنا/ وحدي أنا/ أصنعُ صينية/ لن يوضعُ فيها رأسي/ وحدي أنا) ، وفي قصيدته(ليليَّات النافذة)يقول لوركا(أطلُّ برأسي/ من النافذة وأرى/ كيف تريد قطعه/ سكينة الريح/ في هذه المقصلة/ الخفية وضعتُ/ رأساً بلا عيون) .

ومما قال المتنبي مخاطباً عضد الدولة بن الديلمي في شيراز (لَعَلّ الله يَجْعَلُهُ رَحِيلاً/ يُعِينُ على الإقامَةِ في ذَرَاكَا)قال المعري عن هذه القصيدة في(معجز أحمد)في الفصل الأخير من قراءته روائع المتنبي والمعنون بالعضديات(وهي آخر ما سار في شعره، وفي أثناء هذه القصيدة كلام جرى على لسانه كأنه ينعي نفسه، وإن لم يقصد ذلك: فِدَىً لك من يقصِّرُ عَنْ مَدَاكا/ فلا ملكٌ إذن إلاّ فداكا).


في مهرجان شعري في أربيل عام 1979 قرأ الشاعر مؤيد طيب قصيدته(غداً لا تبكِ يا أمَّاه)، ناعياً نفسهُ باللغة الكوردية، أمام مسؤولين بعثيين كبار، توقَّعَ أنَّهُ سيفقد حياته بعد الانتهاء من قراءتها، القصيدة ترجمت مرتين من اللغة الكوردية إلى العربية، ونظريات الترجمة الحديثة(لم تعد تعرِّف الترجمة بأنَّها نشاط يجري بين لغتين، بل تعتبرها تفاعلاً بين ثقافتين).

وإذا كان مالك بن الريب يُحرِّضُ النساء على بكائه، فإنَّ عنترة بن شداد في قصيدته (أُعاتبُ دَهراً لا يَلينُ لناصِح)يقول(فيا رَبُّ لا تجْعلْ حَياتي مَذَمَّةً/ ولا مَوْتتي بين النِّساءِ النَّوائِحِ/ ولكن قَتيلاً يَدْرُجُ الطَّيرُ حوْلَهُ/ وتشربُ غربانُ الفلا من جوانحي)ولكن مالك قال قصيدته وهو في حالة حزنٍ شديد يرى الموتَ عِياناً، والشاعر الكوردي لما عاينَ الموت كانت وصيته(غداً لا تبكِ يا أمَّاه)، الشِّعر الكوردي لم يستطع أنْ يتحرَّر من معطفهِ الإقليمي، لأنَّهُ لم يحظَ بترجمات رصينة إلى لغات العالم، كما لم يحظَ بقراءات نقدية جادة.

ماذا فَقَدَتْ القصيدة بترجمتها؟ ماذا يفقدُ الشِّعرُ بترجمته؟ كيف نميِّز بين الشِّعر وغير الشِّعر؟ هذا السؤال طرحهُ رومان جاكبسون على نفسه(إذا أردنا أن نحدد مفهوم الشعر، علينا أن نقابله بما ليس شعرا… لكن الحدود التي تفصل بين العمل الشعري والعمل غير الشعري متقلبة ومتغيرة أكثر من الحدود الإدارية لأقاليم الصين) . يبدو النص الأصيل مختلفاً، ليس فقط بسبب غياب الشعور المأساوي بافتقاد الحرية في حياة المضطهدين الخائفين، بل غياب الشعور الموسيقي الحزين أيضاً، الذي يطلقه تكرار تلاحم الألف بداية حروف الهجاء، مع الياء، ولأسبابٍ أُخَرْ.

(سبه نه كه كري دايي: سبه دايي/ هيشتا تاري/ بري روش بيته في واري/ بري هيلين فالا ببن/ بري بالا هشيار ببن/ من وسيداري شفانه)، طيب يستحلف أمَّهُ ألا تبكيهِ، وإذا انفلتت دمعةٌ من عينيها، تسارع إلى إخفائها، ومالك بن الريب يفخر ويحرِّض النساء على أن يبكينه(ويا لَيْتَ شعري هل بَكَتْ أُمُّ مالكٍ/ كَمَا كُنْتُ لَوْ عَالَوا نَعِيَّكَ باكيا/ إذا مُتُّ فاعْتَادي القُبُورَ، وسلّمي/ على الرَّيمِ، أُسقيتِ الغَمامَ الغَواديا) والريم هنا بمعنى القبر بحسب أبو علي القالي في آماليه. مؤيد طيب في قصيدة (الصباغ الصغير) يرثي نفسه بطريقة أخرى، بإباء ومكابرة، داعياً ولده الذي تركه يتيما فقيراً، يصبغُ الأحذية على جادة أحد الشوارع، يوصيه إلا يصبغ أحذية القتلة(لا يا ولدي..لا/ لا تفعل..لا تفعل/ لا ترفع فرشاتك عن الأرض/ فالبسطال الذي في حضنك/ مُلطَّخ بمخِّ أبيك/ إياك أن تصبغه/ إياكَ.. إيَّاكْ).

الشاعر طيب جبار ينعي نفسه في قصيدة ” يوم أموت” التي تتكون من عدة مقاطع يبدأ كلُّ مقطع بعبارة استهلالية “يوم أموت”، فالشاعر يظنُّ أنَّ أحداً لن يبكيه أو يذكره، حيث يقول في نهاية القصيدة(يوم أموت/ عدا بناتي/ لا تبكي عليَّ… في هذه المدينة/ أيَّـة فتاة) ، وهو رثاءٌ يُضْمِرُ نقداً لزيف العلاقات الاجتماعية، ومجتمع البهجة المستعارة، والأقنعة الملونة، هذا الاغتراب يدفعه في قصيدة السليمانية، إلى رثاء نفسهِ ثانيةً(آه.. أيها اللامأوى/ ما أشدَّ قساوتك؟/ هل يأتي يومٌ، أحصلُ فيه على شبرٍ من الأرض؟/ وأقول وا حسرتاه هذا مثواي).

قصيدة مؤيد طيب ترجمها تحسين دوسكي عام 1999 بعنوان(غداً أُمَّاه لا تبكي)(غداً أُمَّاه قبلَ أنْ/ يودِّعَ الظلام/ وقبل أن يبزغ نور الشمس في هذا الوطن/ وقبل أنْ/ تغدو العصافير من الأعشاش أو/ يستيقظ العمال/ أنا وحبل المشنقة على أجل/ غداً أمَّاه/ الصخرُ والأدغال والثلوج والدماء/ حبيبتي الفاتنة/ تأتي لكي تضمَّني/ تلفني بزندها، ثمَّ تطير عالياً/ كل الجبال/ كل البحار/ سيرفعُ لنا الأيادي داعياً/ فنهبطُ شمساً وربيعاً/ ووابلاً مقدساً/ فوق رياضٍ كانت النابالم/ حولتها إلى قفار/ غداً أمَّاه/ حذائي ذا/ أشرفُ من تاجِ الأمير!/ وفرحتي/ أجملُ فرحةٍ هنا/ وقامتي أكملُ من كلِّ ربيع/ فكيف تبكين إذن؟/ وتلطمين صدرك الواسع كالبحار/ أو تنتفين شعرك الأبيض كالثلوج/ لا ثمَّ لا/ لا تفعلي/ لا تلبسي السواد لا/ لا تفتحي للهم والأحزان باب كوخنا السعيد/ غداً أمَّاه/ يغني خاني للفرح/ فرددي أنت معه/ غداً أمَّاه لا تبكي/ إذْ أنَّهُ/ كلُّ جميلةٍ ستقصد بيتنا/ فإنْ ذرفتِ من عينيك دمعة/ أو سقطت من غيرِ قصدٍ عبرة/ فخبئيها عن عيني حبيبتي/ كي لا تقول قد رحل/ من فوهة البارود التي معه/ قد وَلدت بشارته/ في حضرة السلطان عبداً يرجع/ كي لا تقوم تصبغ فستانها/ ذاك الذي من قمم الجبال من/ اشعة الشمس جلبته لها/ تصبغه بلون ليلٍ كالح/ لا يا أماه حبيبتاه).

المترجم وقعَ في أخطاء منها: لا الناهية تدخل على الفعل فتحذف حرف العلة، إذا كان حرف العلة واواً تستبدله بالسكون: نقول لا تَقُلْ، وتستبدل الياء كسرة فنقول لا تبكِ، كما قال امرؤ القيس(بَكَى صاحِبِي لَمَّا رأى الدَّرْبَ دُونَه/ وأيْقَن أنَّا لاحِقانِ بقَيْصَرا/ فقُلتُ له لا تَبْكِ عينُك إنَّما/ تُحاوِلُ مُلْكاً أو نَموتَ فتُعْذَرَا)، وقول أبي نواس(فقلتُ لا تبكِ على مَنْ مضى/ وابكِ قتيلا لك بالبابِ).

والصخورُ والأدغال والثلوج والدماء، أو الصخر والدغل والثلج والدم، وللهم والحزن باب كوخنا، أو الهموم والأحزان، حيث إن حروف العطف(الواوُ والفاءُ وثمَّ وحتَّى) تتطلب مطابقة المعطوف للمعطوف في التثنية والجمع، وفي الحُكم والإعرابِ دائماً، فلا يجوز عطف المفرد على الجمع باستخدام حرف الواو. والجبال، والبحار ترفعُ الأيادي، وليس سيرفع، وفسِّرَ قول الشاعر(حذائي أعلى من تاجِ الأمير)بقوله(حذائي ذا، أشرفُ من تاجِ الأمير)وهو المقصود بالكلام، لكن من شأنِ التفسير تضييع الصورة الشعرية، حيث يتمرجحُ المشنوق وحذاؤه فوق رؤوس الحاضرين، وترجم(كي لا تقول قد رحل/ من فوهة البارود التي معه/ قد وَلدت بشارته/ في حضرة السلطان عبداً يرجع)كيف يرحل وتتشظى بشارته من فوهة بندقيته، ليعود عبدا في حضرة السلطان؟ بينما المُراد وصف حالة يأسها من موت حبيبها المقاتل المقاوم، وسقوط بندقيته، فيدفعها يأسها إلى أنْ تصير جاريةً في قصر السلطان.

والقصيدة عينها ترجمها صلاح برواري عام 2010 بعنوان(غداً صباحاً لا تبكِ يا أمَّاه).

غداً.. أمَّاه/ في جنحِ الليل/ وقبل انبلاج الصبح/ قبل أنْ تُتركُ الأعشاش/ قبل إفاقة العمال/ أنا والمشنقة/ على موعد/ ستحضنني/ الصخور والأحراش/ الثلوج والدماء/ وحبيبتي الحسناء/ سنحلق معاً في السماء/ كل الجبال/ كل البحار/ ستبتهل إلينا/ ستنادينا/ فنهطل شمساً/ وربيعاً/ وشآبيب مباركة/ على مروج/ أحالها النبالم/ فحماً ويباباً/ غداً أمَّاه/ سيكون حذائي/ أعلى من تاج السلطان/ وعرسي/ أبهى من كلِّ الأعراس/ قدي وقامتي/ أزهى من الربيع/ فلم تبكين/ وتلطمين صدرك/ الأوسع من البحر/ وتشدين شعرك/ الأنصع من الثلج/ لا يا أمي/ لا لا تبكين/ لا تتشحي بالسواد/ لا تفتحي باب كوخنا الجميل/ للحزن والعويل/ غداً أماه/ سيزفني خاني/ بأغنية العرس/ فلتردي عليه/ غداً أماه/ لا تبكِ/ ستحيط بي/ كل جميلات قريتنا/ وإذا انفلتت من عينيك دمعتان/ فبالله عليكِ/ أخفيهما بسرعة/ لئلا تقول حبيبتي/ مات فتاي/ فتشظَّت البشرى/ في فوهة البندقية/ أواه ستقبعُ أسيرة/ في قصر السلطان/ عندها/ سـتأخذ فستانها الذي/ نسجته لها/ من ذرى القمم/ من خيوط الشمس/ وستمرغه في سواد الليل/ وتجعله سخاماً/ لا/ يا أمي/ لا/ يا حبيبتي).

ووقع المترجم في أخطاء: ففي العنوان زاد المترجم لفظة الصباح، ففي النص الأصيل العنوان (أماه لا تبكِ غداً)وهو الأفضل، لأنَّ تخصيص الوقت بالصباح، يعني مسموح لها البكاء في الليل وهو غالباً ما يكون، وفي المتن الشاعر مؤيد طيب لم يذكر ليلاً ولا نهاراً، إلا مجازاً، فلم يقل (في جنح الليل)بل قال (هيشتا تاري) وهي تعني لم يبرح الظلام، والشعراء تذكر إقبال الليل مجازاً، فيكتور هوجو يقول (صارت الحشائش سوداء)والشريف الرضي(جذبت بضبعي من تهامة قاصداً/ والنجم في بحر الظلام غريق)ولو ترجمنا البيت لقلنا(قصدت تهامة ليلاً). فالمترجم إذا التزمَ بالصورة الشعرية، فاته اللفظ والمعنى، والعكس صحيح، وإذا استطاع التوفيق وهو ما يكادُ يكون مستحيلاً فاته الوزن الموسيقي، كما حدث حين حاولتُ ترجمتها(غداً.. أمَّاه/ قبل رحيل الظلام/ قبل طلوع الشمس/ قبلَ أنْ تغدو الطيور/ قبل استيقاظ الكادحين/ على موعدٍ أنا، مع حبلِ المشنقة).

أبو فراس الحمداني في أسرهِ ينشد(أيَا أمَّ الأسيرِ، سقاكِ غيثٌ/ بكُرْهٍ مِنْكِ، مَا لَقِيَ الأسِيرُ/ أيا أماهُ، كمْ همٍّ طويلٍ/ مضى بكِ لمْ يكنْ منهُ نصيرُ/ أيا أماهُ، كمْ سرٍّ مصونٍ/ بقلْبِكِ، مَاتَ لَيسَ لَه ظُهُور/ أيا أماهُ ، كمْ بشرى بقربي/ أتَتْكِ، وَدُونَها الأجَلِ القَصِير).

Taakhi الأحد 04-11-2012