الرئيسية » الآداب » مأساة الأنفال في الرواية الكوردية المعاصرة 3

مأساة الأنفال في الرواية الكوردية المعاصرة 3

يتناول الروائي في هذا النص الروائي جانباً مشرقاً من مشاعر الأخوة العرب في جنوب العراق من مأساة الشعب الكوردي خلال فاجعة الأنفال، حيث تشاء الصدفة الروائية التي يخلقها الروائي في نسيج هذه الرواية مرور البدوي حمد قرب جسد الطفل الكوردي تيمور المنهك عند ذهابه الى المدينة لشراء حاجيات لأسرته البدوية، رغم جهود زوجته (وضحة) في ثنيه عن الذهاب الى المدينة. وهكذا يكون لتلك الصدفة الروائية دورها في انقاذ حياة بطل الرواية، البالغ من العمر عشر سنوات، حينما يجده بين الحياة والموت وهو يعاني من نزف جروحه الناتجة عن اطلاق النار عليه وعلى من كان معه من اسرته واقاربه ومعارفه من قبل جلاوزة النظام المقبور، بعدما رموهم في حُفر أُعدت مسبقاً لدفنهم جماعيا حتى يستحقوا فيما بعد لقب ابطال المقابر الجماعية.وبعد أن يقوم البدوي (حمد) بمعالجة جروح الطفل البطل تيمور، ويحاول أعادة الطمأنينة لأعماقه عندها يكون لعامل اللغة دور سلبي في تسهيل وسيلة التفاهم بينهما، ولكن تبقى كفة المشاعر الإنسانية هي الأرجح. وهكذا يتآلف الطفل الكوردي اليتيم والغريب عن اجواء الحياة البدوية في مثل تلك الصحراء القاحلة مع العيش مع اطفال هذه الأسرة العربية النجيبة، التي يجعلها الروائي وسيلة وحلقة وصل في خطة الروائي لأعادة هذا الطفل الى اسرة عمه في مجمع الصمود السكني القسري(*)، الذي اقام النظام المقبور العديد منها في كوردستان لأسكان ابناء القرى الكوردية التي رحّلها عنوةً بقصد سحب البساط المعيشي من تحت الفصائل الكوردية التي اشعلت ثورة كوردية جديدة عام 1976 لأجهاض فرحة النظام الصدامي بعد اتفاقية الجزائر المشؤومة عام 1975 بالقضاء على ثورة الكورد المشروعة.وبعد تلك الصدفة الروائية يتنامى الحدث الروائي ليصل الى كشف اللثام عن معاناة أُخرى لمرحلين كورد اسكنهم النظام المقبور في السماوة بقصد ابعادهم عن أجواء كوردستان التي تؤجج في مشاعرهم روح التمرد والأنتفاضة والثورة، ويجعل الروائي من هؤلاء حلقة وصل جديدة في حل عقدة البطل الروائي الصغير الذي يكون لمشاعره وارائه دور في تجسيد وجهة نظر الروائي من حدث الأنفال التراجيدي المحزن، رغم أن الروائي لتلطيف أجواء الرواية يسرد ويدون ذلك الموقف الفكاهي عن كيفية امتطاء المواطن (خوله – محمود) لصهوة الجمل حين يحل على قريتهم بعض البدو من العرب في موسم الربيع والرعي. ويتناول ثيمة وموضوع حدث هذه الرواية مأساة الطفل تيمور من اهالي ناحية (كوله جو) – التي هي ليست بالقرية كما يتحدث عنها ويصورها الروائي والقريبة من قضاء كلار في السليمانية – والبالغ من العمر عشرة أعوام، حين يُدفَن المواطنون الكورد أمام عينيه ومن بينهم والدته وشقيقاته الثلاث في تلك الحُفر المُعَدة لدفنهم وهم أحياء بعد أن يقوم جلاورة النظام المقبور بأطلاق وابل من الرصاص الغزير عليهم قبل أن ينثال التراب عليهم من قبل الشفلات، وتشاء الأقدار أن يصاب الطفل تيمور ببعض الرصاصات من دون أن يلقى حتفه، وحين يريد الخروج من الحفرة بعد أن يتعلق ببسطال أحد الجنود يجد نوعاً من التعاطف الوجداني من ذلك الجندي، ولكن الخوف من عواقب أي تصرف إنساني في تلك اللحظة الحرجة تردعه من القيام بأي تصرف لأنقاذ ذلك الطفل المصاب بعدة اطلاقات في ظهره وكتفه، فلا يجد مفراً من دفعه مرةً أخرى نحو داخل الحفرة لينال ذلك الطفل المنكوب بعدها طلقة أخرى في ساقه. وبعدها يستطيع ذلك الطفل الهروب في جنح الظلام من حفرة الى أُخرى حتى يتجاوز الثلاثين حفرة المُعَدة لدفنهم ويحث خطاه وهو جريح في السير داخل العمق الصحراوي الرملي مبتعداً عن المصير المفجع الذي لقيه ذووه ومعارفه وبنو جلدته قبل لحظات. وهكذا لا يشعر بعد ساعات من السفر المنهك إلا وهو قرب خيمة (حمد) البدوي الذي يبادر الى احتضانه ومداواته وايصاله فيما بعد الى بعض المواطنين الكورد المُرحّلين الى السماوة، الذين يتكفلون ايصاله فيما بعد الى بيت عمه في مجمع الصمود القريب من قضاء كلار في السليمانية.يمتاز البناء السردي للحدث الأنفالي في رواية (هيلانة – العش) للروائي حسين عارف بأنه محكم النسيج، وأن جزئيات أحداثها الرئيسة والثانوية موزعة بشكل جيد بين المشاهد الثلاثة والعشرين الموزعة على الأقسام الثلاثة لهذه الرواية، التي اختار الروائي، كعادته في رواياته الأخرى، بطلاً ذا وعي كافٍ لا يمتاز بالطابع السطحي، بل بنظرته الثاقبة التحليلية التي يجعله المصاب الأنفالي لعائلته وقريته ومنطقته أن يتخلى عن حياديته تجاه الواقع السياسي قبل الحدث الأنفالي، لينخرط بعد تلك المأساة في صفوف الثوار والفدائيين الكورد، وهكذا يصبح بطلاً فاعلاً وليس سطحيا في أحدث هذه الرواية.

بناء المكان الأنفالي الروائي

أمتاز البناء المكاني في رواية (الربيع الأسود) ببنائه الدائري، حين ينتقل الروائي بالحدث التراجيدي لنص روايته من المكان العام المفتوح الذي يمثله فضاء قرى منطقة الحدث، ومن ثم العيش عنوةً في المكان العام المغلق الذي يمثله سجن السلمان الصحراوي، وانتهاء بالعودة الى قراهم في منطقة الحدث كمكان عام مفتوح بعد شمول عدد من الباقين منهم بأمر أطلاق سراح الطاعنين في السن والأشخاص الذين تقل أعمارهم عن الخامسة عشر.امتاز بناء المكان في رواية (المقبرة الرملية) بانه يتنقل بين المكان المفتوح والمغلق ومرة أُخرى المفتوح، حيث لفضاء قريتهم وبيت البدوي (حمد) في تلك الصحراء القاحلة، وبيت أخيه (حمود) في مدينة السماوة، سمة الجماعية العمومية المفتوحة. بينما يكون لمعتقلات النظام والحُفر كمقابر جماعية سمة المكان المغلق ذات الطابع التراجيدي الرهيب. ولا بد من القول بأن الروائي أمتاز بالجرأة في توجيه النقد السياسي والقومي الصائب لبعض الكورد – من امثال فتاح بك الجاف – الذين كانت لهم ثلاثة افواج من الجحافل الخفيفة، والذين كان لهم دور مخز اثناء عمليات الأنفال المشؤومة حينما كانوا عن دراية وطمعٍ غير مشروع أداة طيّعة بيد النظام المقبور في تجهيل مصير اكثر من مئة وثمانين الف مواطن كوردي وتهديم ما يقارب خمسة الاف قرية. وتلك جريمة نكراء لا شفاعة ولاعذر لمن ساهم في وقوعها من ازلام النظام الصدامي الدموي، وجريرة العناصر الكوردية فيها اكبر واخطر من جريرة الآخرين.وامتاز بناء المكان في رواية (العش) بكون غالبية أحداثها تدور في اجواء الطبيعة المفتوحة لقرية (سوبحان) والمناطق المحيطة بها، حين يتجول بطل الرواية فيها كمواطن أو كفدائي، وكذلك استفاد الروائي من بعض البيوت والكهوف كأماكن مغلقة. وهنا لابد من الإشارة الى ان قرية (حاجى سبحان) هي من صنع خيال الروائي وليس لها وجود حقيقي، وحين سُئل عن سببها قال : ” مما لاشك فيه أن اختيار قرية حقيقية طالتها عمليات الأنفال، يؤدي إلى حدوث بعض المشكلات؛ لأنه من المتوقع أن تقول شيئاً، قد يرتبط بطريقة التداعي بشخص أو بمجموعة من الناس القاطنين في تلك القرية، وفي تلك الحالة ستواجه مشكلة؛ لذا كان من الأفضل لك أن تختار قرية غير موجودة في الحقيقة”(8).

الهوامش

(1)سورة الأنفال هي سورة مكية، وهي السورة الثامنة في القرآن الكريم، ويبلغ عدد آياتا (75) آية كريمة، والآية التي تتحدث عن دلالة الأنفال هي الآية الأولى في هذه السورة المباركة.

(2)يشير عبدالله كريم محمود مؤلف مجلدي أكبر كتاب تاريخي مؤرشف عن فاجعة حلبجة وماساة الأنفال والموسوم بـ (ره شه باى زه هرو ئه نفال- عاصفة السموم والأنفال) الى أن ” عمليات الأنفال بدأت في 21-2-1988 بقيادة صدام حسين وبأشراف عدنان خيرالله وعلي حسن المجيد، وتكونت من ثمانية حملات متتالية استمرت سبعة اشهر وانتهت في 6-9-1988، وكما يلي :

-1الأنفال الأولى : من 21-2-1988 حتى 18-3-1988 في وادي جافايه تى ومركَه وشاربازير (ضمن محافظة السليمانية).

-2 الأنفال الثانية : من ليلة 22-23-3-1988 حتى 1-4-1988 في قره داغ (ضمن محافظة السليمانية).

-3الأنفال الثالثة : من 31-3-1988 حتى 18-4-1988 في كل منطقة كرميان (ضمن محافظة كركوك).

-4الأنفال الرابعة : من 2-4-1988 حتى 5-5-1988 في حدود منطقة عسكر وكَوب ته به (ضمن محافظة السليمانية).

-5الأنفال الخامسة والسادسة والسابعة : من 24-5-1988 حتى 31-8-1988 في مناطق شقلاوة وراوندوز (ضمن محافظة اربيل).

-6الأنفال الثامنة : من 25/7/1988 حتى 6-9-1988 في مناطق بهدينان (ضمن محافظة دهوك).

انظر كتاب : عبد الله كريم محمود – (ره شه باى زه هرو ئه نفال – عاصفة السموم والأنفال)، المحلد الثاني، من منشورات وزارة الثقافة / اقليم كوردستان – السليمانية، 2004، ص55

(3)تعد رواية (مه سه له ى وزدان – مسألة الضمير) لكاتبها احمد مختار الجاف أول نص روائي كوردي كتب عام 1928، وظلت بشكل مخطوطة لغاية عام 1970، حين قام د. احسان فؤاد بكتابة مقدمة لها وطبعها. وما يميز هذه الرواية انها كتبت باسلوب انتقادي من قبل الكاتب والشاعر احمد مختار الجاف الذي كان عضواً في البرلمان الملكي لبعض السنين، والذي كان قائمقاماً لقضاء حلبجة التي هي مسقط رأسه ايضأ . وهذه الرواية القصيرة هي باكورة الرواية الكوردية في العراق، التي لو طبعت في حينها لكان لها دور مشهود في ازدهار الرواية الكوردية، وقد قمت بترجمتها الى اللغة العربية وصدرت عام 1989 بشكل كتاب في بغداد .

(4)قصة (له خه وما- في منامي) لكاتبها جميل صائب باكورة القصة الفنية الكوردية، وقد نشرت هذه القصة الطويلة بشكل حلقات بلغت ثلاث وعشرين حلقة في جريدتي (زيانه وه – الانبعاث) و (ذيان-الحياة) خلال عامي 1925-1926، وقد قام الكاتب جمال بابان بجمعها ونشرها بشكل كتاب صدر في بغداد. امتاز اسلوب كاتب هذه القصة الطويلة باسلوبه الواقعي السياسي الأنتقادي لما كان يدور في حينه من وقائع.

(5)محمد رشيد فتاح – ئه نفال – الأنفال، رواية باللغة الكوردية، السليمانية، 1993.

(6)حسين عارف – هيلانه – العش، رواية باللغة الكوردية، مطبعة روون، السليمانية، 1999

(7)حسن جاف – كورستانى لم – المقبرة الرملية، رواية باللغة الكوردية، السليمانية، 2000 .

(8) أحمد محمد اسماعيل – به هارى رهش- الربيع الأسود، رواية باللغة الكوردية، دار ئاراس للطباعة والنشر، اربيل، 2003

(9) حسين عارف – هيلانه – العش، رواية باللغة الكوردية، مطبعة روون، السليمانية، 1999، ص 12

(10)هيلانه – العش، رواية باللغة الكوردية، مطبعة روون، السليمانية، 1999، ص 1.2

(11) حسين عارف – رواية هيلانه – العش، 67- 68

(12)تحول هذا المجمع السكني القسري بعد انتفاضة اذار / 1991 الى ناحية تدعى حالياً بناحية رزكارى (الأستقلال).

(13)مقابلة أجراها الباحث سالار تاوه كوزى مع (حسين عارف) بمدينة السليمانية، بتأريخ 39/ 3/ 2.11 اثناء كتابته لرسالة الماجستير الموسومة ب (بنية المكان – دراسة مقارنة بين روايتي (الجحيم المقدس) لبرهان الشاوي و (هيلانه) لحسين عارف، والتي كنت عضواً في لجنة مناقشتها يوم14-4-2012.

المصادر

-1 القرآن الكريم

-2احمد مختار الجاف – (مه سه له ى وزدان – مسألة الضمير)، ترجمة : عادل كَرمياني، مراجعة وتقديم : د. عزالدين مصطفى رسول، مطبعة الفنون، بغداد، 1989 -3 أحمد محمد أسماعيل – (به هارى ره ش – الربيع الأسود)، اربيل، 2..3 -4 جميل صائب – (له خه وما – في منامي)، جمع واعداد : جمال بابان، بغداد، 197.

-5 حسن الجاف – (كورستانى لم – مقبرة الرمل ) – السليمانية، 2…

6- حسين عارف – رواية (هيلانه)، من منشورات مؤسسة سه ردم للطباعة والنشر، السليمانية، 1955

-7عبد الله كريم محمود – (ره شه باى زه هرو ئه نفال – عاصفة السموم والأنفال)، المحلد الثاني، من منشورات وزارة الثقافة / اقليم كوردستان – السليمانية، 2..4

8- محمد رشيد فتاح – (ئه نفال – الأنفال)، السليمانية، 1997 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)سورة الأنفال هي سورة مكية، وهي السورة الثامنة في القرآن الكريم، ويبلغ عدد آياتا (75) آية كريمة، والآية التي تتحدث عن دلالة الأنفال هي الآية الأولى في هذه السورة المباركة.

(2)يشير عبد الله كريم محمود مؤلف مجلدي أكبر كتاب تاريخي مؤرشف عن فاجعة حلبجة وماساة الأنفال والموسوم بـ (ره شه باى زه هرو ئه نفال – عاصفة السموم والأنفال) الى أن ” عمليات الأنفال بدأت في 21-2-1988 بقيادة صدام حسين وبأشراف عدنان خيرالله وعلي حسن المجيد، وتكونت من ثمانية حملات متتالية استمرت سبعة اشهر وانتهت في 6-9-1988، وكما يلي :

-1الأنفال الأولى : من 21-2-1988 حتى 18-3-1988 في وادي جافايه تى ومركَه وشاربازير (ضمن محافظة السليمانية).

-2 الأنفال الثانية : من ليلة 22-23-3-1988 حتى 1-4-1988 في قره داغ (ضمن محافظة السليمانية).

-3 الأنفال الثالثة : من 31-3-1988 حتى 18-4-1988 في كل منطقة كَرميان (ضمن محافظة كركوك).

-4الأنفال الرابعة : من 2.-4-1988 حتى 5-5-1988 في حدود منطقة عسكر وكَوب ته به (ضمن محافظة السليمانية).

-5الأنفال الخامسة والسادسة والسابعة : من 24-5-1988 حتى 31-8-1988 في مناطق شقلاوة وراوندوز (ضمن محافظة اربيل).

-6الأنفال الثامنة : من 25-7-1988 حتى 6-9-1988 في مناطق بهدينان (ضمن محافظة دهوك).

انظر كتاب : عبد الله كريم محمود – (ره شه باى زه هرو ئه نفال – عاصفة السموم والأنفال)، المحلد الثاني، من منشورات وزارة الثقافة / اقليم كردستان – السليمانية، 2004، ص55


Taakhi الأحد 18-11-2012