الرئيسية » الآداب » مأساة الأنفال في الرواية الكوردية المعاصرة 2

مأساة الأنفال في الرواية الكوردية المعاصرة 2

بناء الزمن الروائي الأنفالي

إذا كانت روايتا (الأنفال) و(المقبرة الرملية) قد تناولتا الحدث الأنفالي من لحظة النهاية، والأقتراب من الموت ومن ثم العودة بالسرد الى اللحظات الأولية لنمو حبكة الحدث، فإن زمن رواية (العش) يبدأ من لحظتي ما قبل الحدث الأنفالي وما بعده، حيث نجد الراوي غير المشارك (جافر – جعفر) يسرد للقارىْ جوانب من حياة اهل قريته ومنطقته عند زيارته لها بعد يوم من التحول الكبير في قريتهم ضمن الحملة الأنفالية : “… كنتُ لا أزال قريباً من السفح حين شاهدت دخاناً كثيفاً يتصاعد إلى عنان السماء عند الجانب المحاذي لـحاجي سوبحان!. وقفت لمدة متأملاً في المشهد. وقد حاولتُ مراراً، فلم أتوصل إلى نتيجة… اجتاحني خوف وقوع كارثة وخيمة العاقبة… فصعدت على الصخور، حيث تراءت لي القرية، لم أستطع الوقوف على قدمي فسقطت على ركبتي. كانت منازلها تحترق بيتاً بيتاً لترتفع ألسنة النيران إلى عنان السماء. كانت النيران تلتهم أنحاء حاجي سوبحان. من أدناها إلى أقصاها.. ولم تترك بيتاً واحداً… فتركتُ المنازل وجلت بنظري باحثاً عن أهاليها.. غير أنني… لم أرَ أحداً… هل من خروفٍ، جدي، عجل؟ هل من كلبٍ، قطةٍ؟! هل من طيرٍ حتى؟!..لاشيء. لاشيء… عدا حاجي سوبحان وهي تحترق!… “(7).

بينما نجد زمن رواية (الربيع الأسود) يبدأ بناؤه بالشكل التقليدي من لحظة بداية الأعتقال، ومروراً بلحظات العيش التي لاتطاق في معتقلات النظام، وصولاً الى ذروة حبكة الحدث الأنفالي في معتقل السلمان الصحراوي، وتجرع عذابات لفظ الأنفاس الأخيرة قبل الموت الذي يتمنونه عن طيب خاطر تخلصاً من تلك الحياة التي أصبحت غير ذات فائدة أو مجدية في ذلك المكان، الذي لا يصل لضفاف الحياة كل من فرّ من أسوارها العالية لما يحيط به من صحراء وكثبان رملية وكلاب تعودت على التهام اللحوم البشرية للأموات الذين يدفنون في الرمال، ومن ثم ترك عظامها في العراء.

تناول الروائي أحمد محمد أسماعيل تصوير الحدث الأنفالي المفجع في روايته (بةهارى رِةش – الربيع الأسود) الصادرة عام2003 في اربيل، رغم أن الروائي دون في نهاية نص الرواية أعوام (1989- 1992) كزمن لكتابة الرواية، وأنا أشهد له بسبق الكتابة عن فاجعة الأنفال حين سمح لي آنذاك بقراءة القسم المنجز منها. وهكذا نجد لهذا النص الروائي الكوردي ثلاثة أزمنة هي : زمن داخلي هو زمن الحدث الذي يعود الى أيام ربيع عام 1988، الذي يصفه الروائي بالربيع الأسود – وهو حقاً كذلك بل هو الربيع الأسود الدامي – والذي يختاره الروائي كعنوان لروايته، وزمن خارجي هو زمن الكتابة الذي يحصره الروائي بين أعوام (1989- 1992)، وزمن الطبع الذي يعود الى عام 2003. وبالأمكان أعتبار زمن الكتابة وزمن الطبع هما الزمن الخارجي الذي يؤطر زمن الحدث كزمن داخلي.

لقد أجاد الروائي أحمد محمد أسماعيل في روايته (به هارى ره ش – الربيع الأسود) في أختيار بطله الراوي من ضمن أهالي قرى منطقة طوزخورماتو، التي عانت ودفعت ضريبة الأنفال أكثر من بقية مناطق كرميان في كوردستان العراق. وكان أختيار الراوي للطفل اليافع (كرميان)، البالغ من العمر أثني عشر عاماً، كرمز له دلالته الخاصة عندما يمنحه الروائي فرصة جديدة للحياة حين يتم ضمه الى بعض الأطفال والشيوخ الباقين على قيد الحياة من بين ضحايا المؤنفلين في معتقل (نقرة السلمان) السيئة السمعة في التأريخ السياسي لمناضلي الأحزاب الوطنية العراقية بعد الحرب العالمية الثانية.

لقد أختار الروائي راوي نصه الروائي كبطل مشارك، له دراية ومعرفة بأمور الحياة والسياسة، حتى يمنح للبناء السردي في هذه الرواية سمة صدقٍ، ويمنحها نوعاً من التأثير الوجداني في نفسية قراء هذا النص، الذي صاغه الروائي بأسلوب مثير يصلح أن يكون نصاً مختاراً لفيلم سينمائي عن فاجعة الأنفال في التأريخ المعاصر للشعب الكوردي.

لقد أجاد بطل الرواية، كراو مشارك، في سرد الحدث الرئيس والحديث عن معاناة الأشخاص الأخرين المؤنفلين كضحايا ذاقوا مرارة الأيام الصعبة لمأساة الأنفال، والذين يبقى الأمل يراودهم في الحياة والخروج من ذلك المنفى الأجباري كمعتقل صحراوي وكمكان مغلق في بناء هذه الرواية القصيرة، وبذلك ينطبق عليهم قول ديموسيه : ” اثنان لا يموتان : الله في السماء والأمل على الأرض “، فأشخاص هذه الرواية لا يفارقهم الأمل في الفوز بفرصة الحياة مرةً أُخرى رغم اقترابهم من حافات الموت في نهر الأنفال الدامي بأمواجه العاتية التي استطاعت أن توقف لحظة الأزدهار والتطور في ريف جنوب كوردستان لمدة من الزمن.

أن زمن الحدث الأنفالي في هذه الرواية الكوردية له سمته الواقعية الحقيقية، الذي يساهم بطل الرواية (صابر الحاج جمعة) في تجسيده كراو مشارك، وكصوت للروائي في تصوير الجانب المأساوي لفاجعة الأنفال في وجدان المواطن الكوردي. وكذلك لمكان الحدث الأنفالي في هذه الرواية الكوردية سمته الواقعية الحقيقية، لان الروائي قد أختار بقعة جغرافية من كوردستان العراق له دراية جيدة بشعابها وتفاصيل ديموغرافية أرضها التي شهدت فاجعة الأنفال خلال ربيع عام 1988. وقد فعل الروائي الشيء الحسن حين جعل شخوص هذه الرواية من أهالي القرى التابعة لقضاء طوزخورماتو في منطقة كرميان، حتى يكونوا لسان حال ما عاناه أهالي تلك المنطقة في أيام الحدث التراجيدي لمأساة الأنفال السيئة الصيت.

يبدأ بناء الزمن في رواية (الربيع الأسود) بالشكل التقليدي من لحظة بداية الأعتقال، ومروراً بلحظات العيش الذي لا يطاق في معتقلات النظام وصولاً الى ذروة حبكة الحدث الأنفالي في معتقل السلمان الصحراوي، وتجرع عذابات لفظ الأنفاس الأخيرة قبل الموت الذي يتمنونه عن طيب خاطر تخلصاً من تلك الحياة التي أصبحت غير ذي فائدة أو مجدية في ذلك المكان الذي لا يصل لضفاف الحياة كل من فرّ من أسوارها العالية لما يحيط به من صحراء وكثبان رملية وكلاب تعودت على التهام اللحوم البشرية للأموات الذين يدفنون في الرمال ومن ثم ترك عظامها في العراء.

البناء السردي للحدث الأنفالي الروائي

يتناول القاص أحمد محمد أسماعيل في باكورة نتاجه الروائي، الموسوم بـ (الربيع الأسود)، مأساة البطل صابر الحاج جمعة كشخصية له مستوى معين من الوعي والثقافة والمكانة الأجتماعية تؤهله لدوره الريادي بين أهالي قرى منطقته، قبل وبعد وقوعه في كمين الجحافل الكوردية المرتزقة حين كانوا يتقدمون الأفواج العسكرية الغازية للنظام السابق المقبور في عمليات الأنفال المشؤومة من دون أن يردعهم الهاجس القومي. وهكذا يصبح هذا البطل والراوي المشارك الذي يحمل الرقم (18988) ضمن قوائم المعتقلين في قضاء طوزخورماتو – والذي هو مسقط رأس وسكن الروائي نفسه – شاهد حال تلك المأساة التي عاناها أهالي القرى المؤنفلة من منطقة (كرميان) – التي يصف جوانب من واقعها الجغرافي وطبيعتها الريفية في بعض أماكن نصه الروائي – حين يؤخذون عنوة نحو معتقلات النظام في المنطقة ليساقوا فيما بعد الى معتقل السلمان الصحراوي المشهور في عهود الأنظمة السابقة التي حكمت العراق خلال عقود القرن العشرين المنصرم، والتي جعلت منه سجناً لأحرار العراق ومناضليه الشرفاء، والذي تحول في العهد الصدامي الى المنفى والمعتقل المميت لغالبية الكورد المؤنفلين الذين فاقت أعدادهم مئة وثمانين الف مواطن بين طفل رضيع وشاب يافع وكهل طاعن في السن.

لقد اجاد الروائي في صنع نوع من الإيحاء الأسطوري لمنطقة كرميان التي يُعد من كتابها، حيث قدم عدة صور أدبية عن جوانبها الزاهية من حيث اخلاقيات أهلها وكرم ضيافتهم وطيبة قلوبهم، ومثل هذه الجوانب تجلت في صفات شخصية البطل صابر الحاج جمعة الذي يساهم في لحظات ما قبل نهاية الرواية في انقاذ الطفل اليافع (كرميان)، الذي يرى بأم عينيه مقتل أبيه على أيدي جلاوزة النظام المقبور أثناء محاولتهم الهرب من قريتهم خلال عمليات الأنفال المشؤومة. وكان أنقاذه من معتقل السلمان الصحراوي نتيجة لقيام بطل الرواية صابر الحاج جمعة برشوة أحد حراس المعتقل لتدوين اسمه ضمن قائمة الأشخاص الطاعنين في السن والأشخاص الذين تقل اعمارهم عن الخامسة عشر، وبهذا تقصّدَ الروائي في مثل هذا الجانب حتى يعطي صفة ديمومة الحياة لمنطقة كرميان، التي دفعت ضريبة اكثر واكبر من باقي مناطق كوردستان العراق اثناء حملات الأنفال المشؤومة.

ورغم الطابع المأساوي لتراجيدية الحدث الأنفالي في هذه الرواية الكوردية، إلا أن الروائي من خلال تأطير ذروة الحبكة في هذه الرواية بنوع من الوهم الرومانتيكي حين يرسم صورة الحب العذري للعلاقة العاطفية بين بطل الرواية (صابر الحاج جمعة) وملهمته (جنار) التي يرفض ذووها تزويجه أياها، والتي نالت نصيبها مثله من مآسي الأنفال حين تدفن حية مع من معها من النساء والأطفال في أحدى المقابر الجماعية، والتي يزوره شبحها في لحظات ما بعد قيامه بدفن جثث من تزهق أرواحهم من الأشخاص المؤنفلين خارج أسوار سجن السلمان الرهيب. وما يثير الأنتباه في مثل هذا التوظيف لحكاية الحب العذري بين بطل الرواية وتلك الفتاة هو جانب الوفاء والأخلاص للآخر حين يظل كل منهما بلا زواج حتى لحظات التواصل الروحي في نهاية تلك الفاجعة التي حلت بهما في أيام عمليات الأنفال المشؤومة. وقد فعل الروائي الشيء الحسن حين وظف شخصية المطرب الشعبي المعروف (لفته) في منطقة كرميان، حين يسهم في تسريح خيالات معتقلي سجن السلمان نحو ربى وسهول كرميان من خلال صوته الشجي العذب في أغنياته المثيرة لشجون هؤلاء المعتقلين بلا ذنب وهم يعيشون أيامهم الأخيرة كضحايا لتراجيدية الحدث الأنفالي في وجدان الإنسان الكوردي، الذي سيظل لعقود عديد لاحقة يتذكر مآسي المؤنفلين في تلك الفاجعة المحزنة، والتي هي وصمة عار في جبين أزلام النظام الصدامي المقبور.

يتكون بناء رواية (كَورستانى لم – المقبرة الرملية) للروائي حسن الجاف من قسمين، ولكل قسم مشهدان استخدم في سرد الحدث الرئيس والأحداث الثانوية فيها لسان حال البطل الصغير (تيمور) ولسان حال البدوي حمد. وامتاز السرد بكونه مفتوحاً وليس بالدائري المغلق، الذي يبدأ من نقطة وينتهي عندها، كما هو متبع في بعض الروايات التقليدية.

يمتاز البناء السردي لهذه الرواية الصغيرة – ذات مئة وست صفحات من الحجم الصغير – بانه ليس على الطريقة التقليدية من حيث تناول الحدث منذ نقطة بداية التسلسل الزمني وصعودا الى نقطة نهايتها الزمنية، بل أنه يبدأ بالسرد منذ نهاية الحدث الأنفالي المجسد ومن ثم العودة الى بدايات كيفية وقوعه، والصعود بعده نحو زمن ما بعد زمن الحدث عن طريق أختيار بيت العم في مجمع الصمود السكني القسري القريب من قضاء كلار في السليمانية، والذي لو أخذَ والد تيمور بنصيحته بترك القرية والمجيء الى ذلك المجمع لما حلّت عليهم تلك الفاجعة، ولكن لات ساعة الندم.

Taakhi الأحد 11-11-2012