الرئيسية » الآداب » جيورجي ديمتروف – 1882-1949: كتاب في حلقات – الحلقة التاسعة

جيورجي ديمتروف – 1882-1949: كتاب في حلقات – الحلقة التاسعة





















جيورجي ديمتروف
1882-1949
القسم الثالث

الفصل الثالث


ــ المنتصر في المبارزة مع الفاشية ــ

علًقت الحكومة النازية آمالا كبيرة على المحاكمة وأرادت أن تستخدمها لتدفع عن نفسها التهمة القائلة بأن الحريق كان من صنعها . ومن اجل إدانة الحزب الشيوعي الالماني وتصعيد الحملة المعادية للشيوعية ، رددت المحاكمة تبريراتها للإرهاب النازي الذي إشتد في المانيا في الأشهر الثمانية التي سبقت المحاكمة . وإضافة الى هذه الأهداف السياسية الداخلية ، سعى النازيون لتحقيق اهداف سياسية خارجية ايضا ، فقد ارادوا من خلال المحاكمة تعزيز الحملة “ المظفرة “ للحكومة الفاشية ضد الشيوعية العالمية . وكان كبار الرأسماليين والإحتكاريين الالمان مفعمين بالأمل في الحصول على إمتيازات من الامبريالية مقابل هذه “ الخدعة التاريخية “ وفي السماح لإلمانيا بالتسلح ثانية .

في 21 ايلول ( سبتمبر ) 1933 ، بدأت المحاكمة . وكانت الجلسة الاولى مثيرة وذلك لثقة المحكمة الزائدة بأن المداولات ستكون في صالح منظمي المحاكمة .فأستخدمت الاضواء الساطعة والميكروفونات ، تسجيلات الحاكي والمصورين ،لتضفي الهيبة على مراسيم الافتتاح ، كما أُعطي الاذن للمراسلين الاجانب بالدخول الى المحكمة بإستثناء الصحافة الشيوعية ، ومنذ البداية لم يُسمح لمراسلي الصحف السوفيتية بدخول قاعة المحكمة .

ففي اليومين الاوليين سارت الجلسات بشكل “ إعتيادي “ وإنتعشت آمال النازيين بأن الإشتراكية القومية ( النازية ) ستُبرأ وسيتم تشويه سمعة الشيوعية العالمية ، وكان مظهر فان دير لوب المتخوف مفيدا للنازيين .

وفي اليوم الثالث ، حدث إنعطاف في سير المحاكمة ، ففي الثالث والعشرين من ايلول ( سبتمبر ) 1933 ، باشرت المحكمة بإستجواب جيورجي ديمتروف ، وقد كان يوما مشهودا ــ فقد صادف الذكرى السنوية العاشرة لإنتفاضة 23 ايلول ( سبتمبر ) 1923 في بلغاريا . وامام إندهاش الحاضرين ، وصف ديمتروف بنشاط عظيم صورة النضال الثوري الذي لعب فيه دورا قياديا ، واسهب في كلامه حول التقاليد البطولية للعمال والفلاحين البلغار مشيرا الى الثمار التي جنوها من نضالهم الذي لايزال مستمرا ،رغم ان الانتفاضة قد أخمدت . كما إستنكر ديمتروف تفجير القنابل في شارع كنيسة نيوديلاي والأعمال الارهابية الانفرادية التي تتعارض مع المباديء الشيوعية حول نضال الجماهير . ودوًت كلماته كتحذير لجميع اولئك الذين حاولوا “ إبادة “ الشيوعية . لقد كان دفاعا خاليا من المراوغة ، وادرك الدكتور بوينجر ، رئيس المحكمة من انه بدأ يفقد السيطرة على الجلسات تدريجيا ، اما ديمتروف فأخذ يوجًه مداولات المحكمة الوجهة التي خطط لها ,فصرًح بوقار انه بروليتاري ثوري ، وان النضال من اجل إنتصار الشيوعية هو جوهر حياته وانه يؤيد بحماس الحزب الشيوعي في الإتحاد السوفيتي ويناويء بشكل مبدئي اي نوع من المغامرات الطائشة ــ وأثار موقف البروليتاري الثوري الشجاع هذا إعجاب الملايين من الشغيلة وتردد اسم ديمتروف في جميع انحاء العالم وابدت جميع فئات الرأي العام العالمي تعاطفها معه .
ودفع موقفه البطولي هذا ، البروليتاريا الالمانية وحزبها الشيوعي البطل الى الامام ، وهنأت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الالماني ، ديمتروف لموقفه البطولي ودفاعه الشجاع عن الحزب والحركة الشيوعية .
وتحدثت الصحافة الشيوعية والتقدمية عن التفوق البروليتاري الثوري المعنوي ، فكتبت صحيفة البرافدا في عددها الصادر في 25 ايلول ( سبتمبر ) 1933 : ” لا يفكر ديمتروف بحياته او بسلامته بقدر تفكيره من اجل قضية حزبه ، وانه يعطي درسا في النضال الثوري لملايين البروليتارين، ليس فقط بكلماته بل وبموقفه الذي لايتبدل .”

وإضطرت الصحافة البرجوازية ان تعترف بالمواقف العظيمة لديمتروف بوجه النازية ، فكتبت صحيفة التايمز اللندنية تقول : ” يبدو ان هذا البلغاري يمتلك كرامة فطرية .” واكًدت صحيفة “ وارشو كازيت “ بأن ديمتروف رجل ذو فكر وقابليات متقدة وانه حوًل قفص الإتهام الى منبر إتهام .”
وفي المحكمة إرتفعت منزلة ديمتروف دوليا ، وبدلا من توصم الافكار الشيوعية بالعار ، كما خطط منظمو المحاكمة ، فقد حازت هذه الافكار على تأييد واسع من الجماهير وكسب ديمتروف عطفا وتقديرا عالميا .

وجًه ديمتروف إهتماما كبيرا لتوضيح الدور الذي لعبه فان ديرلوب وكشف الدور الحقيقي الذي قام به في الحريق . وبدأ ديمتروف يوجه له عددا من الاسئلة منها “ لماذا إرتكبت هذه الجريمة البشعة ضد الطبقة العاملة الالمانية ، ومع من إرتكبتها ؟ “ ( 1 ) ، إلا أن الدكتور بوينجر حكم على هذا السؤال بانه خارج نظام المحكمة . وبعدها مُنع ديمتروف من توجيه الأسئلة بحجة إنشغاله بالدعاية للشيوعية .

لم يكن ديمتروف بالرجل الذي يستسلم بسهولة . فبعد ايام وجًه سؤالا آخر الى فان دير لوب يطالبه فيه ان يعلن امام المحكمة وبصراحة فيما إذا قد إلتقاه أو تعرًف عليه من قبل . وردً فان دير لوب بأنه لم يلتقي به او يعرفه من قبل . ثم تسائل ديمتروف كيف لفان دير لوب ان يسبب حريقا هائلا في بناية الرايخستاغ الضخمة لوحده في حين لم يستطع إضرام النار في سقيفة خشبية صغيرة لجمعية خدمات الإغاثة الاجتماعية قبل ذلك . لم يستطع فان دير لوب إعطاء اي جواب على هذا السؤال ، مما دفع بجيورجي ديمتروف ان يصرخ بصوت عالِ قائلا : ”تطالب الشيوعية تفسيرا كاملا لمسألة حرق الرايخستاغ وإن الملايين تنتظر الجواب “ ( 2 ) . وخشية ان يعطي فان دير لوب إجابات مرتبكة ، قام رئيس المحكمة برفع الجلسة بسرعة . وفي الجلسات التي اعقبت هذه الجلسة وجًه ديمتروف عددا من الاسئلة التي اظهرت بأن الإستجوابات الاولية كانت منحازة وقاسية . واصبح واضحا ان قاعة المحكمة قد تحولت الى حلبة صراع عنيف ، وواصل رئيس المحكمة دعوة ديمتروف بالإلتزام بالنظام وإستخدم التهديدات ضده ، إلا أن المُدعى عليه نجح في البرهنة على ان قاضي التحقيق قد إعتمد بعض التهم كدليل موثوق به قبل ان يتم تمحيصها بدقة من قٍبل المحكمة وبهذا يكون قد إنتهك القانون الجنائي . وبعد ان انفضت الجلسة للتشاور ، عادت المحكمة الى تحذير ديمتروف بقولها “ إذا عاد المُدعى عليه الى التصريح بأية كلمة ، فسوف يُطرد من قاعة المحكمة ” .
إلا ان ديمتروف قدًم حقائق اخرى حول الطرق المخادعة لإستجوابات البوليس . وتحدث عن المرأة التي اكًدت بشهادتها انها قد رأته بصحبة فان دير لوب في مطعم “ دوز يلدور فيرزتزاز “ في الساعة الثالثة بعد الظهر في 26 شباط ( فبراير ) 1933 . وبعد ان ثبت ان ديمتروف كان خارج برلين في ذلك التاريخ، لم تبقى ايه قيمة لشهادة المرأة التي غابت عن الانظار دون اثر بعد بطلان شهادتها .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) ج. ديمتروف ، الاعمال ، المجلد 9 ص 121
( 2 ) المصدر السابق ص 122

وبعد إستكمال إستجواب المدعى عليه ، إنتهت المرحلة الاولى من المحاكمة ولم تستطع الجلسات ال ( 12 ) تقديم اي دليل مادي يؤكد ان للشيوعيين دور في حرق الرايخستاغ ، وإستطاع ديمتروف ان يُعري اولئك الذين لفقوا التهمة ضده وقدًم مطالعات مقنعة لدحضها . وفي 10 تشرين الاول ( اكتوبر ) ، إستأنفت المحكمة جلساتها في بناية الرايخستاغ في برلين ونادت على عدد من الشهود الذين قدًم بعضهم إفادات عن الحريق نفسه وبعضهم حول تورط المدعى عليه في الحريق ، والبعض الآخر فند التهم التي تقول بإشتراك النازيين في الحريق . فقد كان موكبا إستعراضيا للشهود الواحد تلو الآخر داخل المحكمة ، وهم من عناصر متنافرة وكان اغلبهم في الحزب النازي او لصوص و محترفي جريمة .

واثناء الجلسة الثانية حدث صدام بين ديمتروف ورئيس المحكمة حين اراد ديمتروف ان يطرح سؤالا ، إلا ان الدكتور بوينجر منعه بفظاظة معتبرا اياه خروجا على نظام المحكمة ، إلا أن ديمتروف لم يهتم لذلك وإنتقل الى الهجوم وصرًح بانه ليس فقط مًدعى عليه ، بل هو محامي للدفاع ايضا . ورغم ذلك فقد استخدمت المحكمة إجراءاتها العقابية وحرمت ديمتروف من المثول امام المحكمة في الجلسات الثلاث التالية بسبب “ عدم انصياعه المتكرر” وبينما كان يغادر قاعة المحكمة ، صرًح المناضل الجسور بأن بإمكان مدبري المحاكمة ان يرتاحوا الآن .
واستمر ديمتروف في نضاله بإرسال رسائل الإحتجاج ، وإضطره حرمانه من حضور الجلسات ، الى مهاجمة المحكمة بأساليب اخرى . ففي اليوم الثاني كتب الى رئيس المحكمة قائلا : ” إن حرماني من حضور الجلسات والمرافعات الأكثر اهمية ، إنتهاك علني لحقي في الدفاع عن نفسي ،وسوف اثبت للعالم اجمع ان الذين اتهموني تنقصهم الثقة بأنفسهم الامر الذي سيزيح الغشاوة عن عيون عدد كبير من الناس البسطاء . ” ( 3 ) ولم يتوقف هجومه عند هذا الحد ، بل اضاف قائلا : ” اذا بقي هذا الموقف الذي لايُطاق دون تغيير ، سأعيد النظر فيما اذا هناك معنى لإستمرار مثولي امام المحكمة مرة اخرى .” وكانت حيرة المحكمة واضحة حول ذلك . وفي غياب ديمتروف ، إستمعت المحكمة الى إفادات بعض الشهود المهمين . و كان من بينهم خبراء ، عارضو عند إستجوابهم ان يكون حرق الرايخستاغ عمل فردي لشخص واحد ، ورجًح الخبراء الرأي القائل بان الإستعدادات التي سبقت الحريق تطلبت وقتا طويلا وعملا مشتركا لعدة اشخاص إستعملوا سائلا سريع الإشتعال مع فتائل للإشتعال ، كما ان المسالك الداخلية للبناية تكون مألوفة لدى من اضرم النار فيها .

وعبًر ديمتروف عن قناعته بشهادة الخبراء ، التي اكًدت وجهة نظره بأن فان دير لوب لم يقم بالعمل بمفرده . وكانت النقطة الاساسية في إتهامه للنازيين هو ان يتم البحث عن شركاء فان دير لوب في جريمة اعداء الطبقة العاملة وعلى اساس إفادات المتخصصين والخبراء ، يستنبط ديمتروف نظريته الخاصة بعملية الحريق ، مستعملا الوصف الشعري لإعمال غوتة .. فأشار قائلا : ” ان فان دير لوب هو فاوست حريق الرايخستاغ ويجب ان يكون هناك وبدون شك مفيستوفيلبس ( احد شياطين الشعب ) وراءه .والآن فان “ فاوست “ البائس قد وُضع في قفص الإتهام امام المحكمة الامبراطورية ، بينما إختفى مفييستوفيلبس ، ولكوني مُدعى عليه والأكثر من هذا شيوعيا ومناضلا في الاممية الشيوعية ، فإن من مصلحتي ان تكون قضية حرق الرايخستاغ واضحة من جميع الوجوه ، وان يتم القبض على مفيستو فيلبس وهو المجرم الحقيقي . ” ( 4 )

لقد اكًد ديمتروف ان فان دير لوب لم يكن بإستطاعته ان يحرق المبنى بمفرده ، وتعززت فكرته هذه بمطالعات خبير المحكمة الكمياوي الدكتور شاتز ، الذي اشار الى ان الحريق قد تمً التخطيط له من قبل مجموعة من الاشخاص ، لأن هناك حريقان في بناية الرايخستاغ ، الأول صغير أُضرم في المطعم من قبل فان دير لوب ، والآخر كبير في قاعة الإجتماعات أُستعملت فيه مواد سريعة الإشتعال … وإعتقد ديمتروف ان فان دير لوب قد تصرف بإستقلالية ، وانه وبالبساطة والسذاجة التي يتصف بها ، لم يكن يتخيل ان هذا “ الإشعال المتعمد “ قد قام به اشخاص آخرين وهم منظمو الحريق . وبإعترافه يكون فان دير لوب قد غطى على مفيستوفيلبس بدون قصد . ثم تابع الشهود الواحد تلو الآخر بتقديم إفاداتهم لتأييد التهمة الملفقة ، بعد ذلك تقدم الى الشهادة عدد من الاشخاص الذين “ يُعتمد عليهم “ مثل كارفن وفراي وهما من الإشتراكيين القوميين ليؤكدوا انهم قد رأوا تورغلر في بناية الرايخستاغ بصحبة فان دير لوب . كما ان الميجر المتقاعد فيير شتاوت ، قائد المجموعة الإشتراكية القومية في الرايخستاغ ، شهد هو الآخر بأنه رأى تانيف بصحبة فان دير لوب . اما الدكتور دروشر الذي اصبح مختصا بمعاداة جيورجي ديمتروف ، فقد زعم بانه قد رآه في الرايخستاغ بصحبة تورغلر . وفي نهاية هذه السلسلة من “ الباحثين عن الحقيقة “ كان كوستاي ليرمان ، اللص المحترف ، الذي إعترف بأن تورغلر قد عرض عليه عام 1932 مكافأة إذا يشارك في حرق الرايخستاغ وان يدًعي بأنه إشتراكي قومي في حالة القبض عليه ، لكن ليرمان رفض هذا العرض ! ومن خلال الأسئلة الذكية والهجوم السياسي الصريح الذي دحض فيه ديمتروف هذه الاكاذيب ، إنتهى مسلسل الشهادات بصورة تراجيدية . . فقد كان ليرمان ، اللص ،آخر حلقة في سلسلة الشهود ضد المتهمين الشيوعيين ،وانها لمهزلة أن تبدأ المحاكمة بمندوبين من الإشتراكية القومية لتنتهي بلصوص . وتسائل ديمتروف قائلا : ” اود ان اعرف تحت تأثير من شهد هذا الشاهد بكل هذه الحقارة ؟ “ ولم يكن من المحكمة إلا ان توجه تأنيب رسمي قاسي ، غير ان ذلك لم يقلل من إزدراء المُدعى عليه بالشهود . وبعد هذه الحادثة قام ديمتروف بتأليف مسودة كتابه الشهير “ دائرة الشيطان “ اوضح فيه أن شهادات الشهود كانت ملفقة ومُنسقة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 3 ) ج. ديمتروف ، الاعمال ، المجلد 9 ص 134 ـ 135

( 4 ) ج. ديمتروف ، الرسائل 1905 ـ 1949 ، صوفيا ص 242 ـ 245


ووجهت صحيفتا دير ارجريف وفولكيشر بيوباختر توبيخا الى رئيس المحكمة على سكوته حين قال ديمتروف “ آخر حلقة من السلسلة “ . وفي الجلسة التالية ، سارع الدكتور بوينجر بترضية الصحيفتين ووجه توبيخا الى ديمتروف الذي ردً على ذلك بسخرية : ” فلتفرح صحيفة فولكيشر بيوباختر “ ، مما دفع بالمحكمة الى إخراج ديمتروف من قاعة المحكمة مرة اخرى . وشخصً ديمتروف المحرضين على هذه المحاكمة الذين يعملون من وراء الكواليس وكشف الدور الحقيقي الذي لعبته “ الفولكشير “ لسان حال الحزب النازي .

وفي 3 تشرين الثاني ( نوفمبر ) واثناء الجلسة التالية للمحاكمة ، ابعدت المحكمة ديمتروف مرة اخرى عن قاعة المحكمة وحرمته من حضور الجلسات لمدة ثلاثة ايام، بسبب الصدام الكلامي الذي حصل بينه وبين المدعي العام ، لكن المحكمة الغت قرارها بسبب إستجواب الشاهد “ غورنغ “ ــ لقد علًقت المحكمة ومعظم مدبري المحاكمة من وراء الكواليس ، الآمال الكبيرة على غورنغ ، وكانوا على ثقة من انه سيتنصر على الدعاية الشيوعية وبأن وجوده الفعلي سيشل من قدرة ديمتروف ويُثبت قوة الرايخ الثالث . ، لذا الغت المحكمة قرارها القاضي بإبعاد ديمتروف لتتيح الفرصة امام غورنغ ليحطًم ديمتروف معنويا وسياسيا .

وكان الرابع من تشرين الثاني ) نوفمبر ) يوما مشهودا في محاضر المحكمة . فلم يكن صدفة ظهور غورنغ ، رئيس وزراء بروسيا ورئيس الرايخستاغ في المحكمة. فقد ادرك قادة الحزب الإشتراكي القومي من أن المحاكمة التي دبروها بدأت تفلت من ايديهم بسبب الموقف الشجاع لديمتروف وبدأ إستجواب المحكمة ينقلب ضد مدبريها ، ولابد من عمل شيء ينقذ السفينة الغارقة ، وهذا ما دفع القيادة النازية الى إستخدام اسلحتها الثقيلة بدءا بظهور غورنغ ثم بور غوبلز .
وظهر غورنغ في قاعة المحكمة بزي الصاعقة النازية محاطا بحاشية كبيرة بهدف شن حرب صليبية ضد الشيوعية ، ودعا في حديثه الذي دام ساعة ونصف الساعة الى ضرورة القتال بلا هوادة ضد الحزب الشيوعي . وبعد الإستراحة ، طلب ديمتروف ان يُسمح له بالكلام وإستهدفت اسئلته الاولى الى إظهار التناقض بين إفادة غورنغ وبين إفادات شهود مهمين امام المحكمة مما اربك غورنغ في إجاباته ، فإدعى بأنه لم يطلع على إستجوابات الشهود الآخرين
.
بعد ذلك سأل ديمتروف عن مصدر المعلومات التي روجها غورنغ بأن فان دير لوب كان يحمل بطاقة العضوية في الحزب الشيوعي الالماني ، في الوقت الذي اجمع عليه البوليس بأنه لم تكن مثل هذه الطاقة مع فان ديرلوب .

وإنزعج غورنغ بشكل واضح وبدأ يفقد ثقته بقدرته على تقديم إجابات متماسكة . ثم وجًه ديمتروف سؤالا آخر الى الشاهد ، وزير داخلية بروسيا قائلا : ” لماذا يتابع رجال البوليس إستجواباتهم في إتجاه واحد فقط ويتجاهلون مسألة مهمة وهي وجود فان دير لوب في مقر بوليس هنغسدوف ليلة الحريق ، حيث إلتقى بإثنين من الغرباء اللذان بقيا حتى الآن مجهولي الهوية . فقد كان فان دير لوب على إتصال مع دوائر البوليس قبل الحريق بيوم واحد وهو السبب الحقيقي لإستمرار المحققين باللف والدوران بشأن هذه المسألة . ”

ولم يلبث غورنغ ان عاد الى نقاشه الاصلي معلنا ان الحريق جريمة سياسية ومن عمل الشيوعيين ، وإن المحكمة تسير على الطريق الصحيح في إستجواباتها للبحث عن الجناة بين الشيوعيين . وبدون اية حقائق يستند عليها، إزداد غورنغ حنقا واخذ يطلق التهديدات ضد الحزب الشيوعي ووصفه بأنه حزب للمجرمين ويجب القضاء عليه .

وكان سؤال ديمتروف التالي دفاعا مضادا حين قال : ” هل كان رئيس الوزراء على إطلاع كامل على الحقيقة وهي ان الحزب الذي يدعو الى القضاء عليه يحكم الآن في سدس الكرة الارضية ، في الاتحاد السوفيتي، اعظم بلد في العالم ، البلد الذي له علاقات دبلوماسية وإقتصادية مع المانيا والذي لاتوجد فيه بطالة .” وهنا فقد الشاهد رباطة جأشه فهرع رئيس المحكمة لمساعدته من خلال تأنيب المدعى عليه ومطالبته بالإمتناع عن إنشغاله بالدعاية للشيوعية ، إلا ان المناضل العنيد أوقف رئيس المحكمة عند حده برد سريع قائلا :” إن مستر غورنغ هو الذي ينشغل بالدعاية للإشتراكية القومية . ” ( 1 )

عندئذ ثار غضب غورنغ وراح يذرع المكان جيئة وذهابا كدب هائج ، وحين تعذر عليه ضبط اعصابه أندفع يكيل السباب على المدعى عليه . وحاول رئيس المحكمة تهدئة الامور ، لكن ديمتروف ردً بسخرية قائلا : ” انا مسرور جدا بجواب رئيس الوزراء “ وعندها إنفجر غورنغ غاضبا وصاح : ” اخرج ايها الوغد ! ” إن الدكتاتور الذي قام بدور الشاهد تجاهل الاصول الرسمية للمحاكم وطرد المتهم خارج قاعة المحكمة . لقد كانت فضيحة مثيرة لمدبري هذه المحاكمة الذين بات واضحا خسرانهم المعركة ؟

ومن اجل إيقاف هذه المبارزة الكلامية ، حكم رئيس المحكمة على ديمتروف بانه خرج على نظام الجلسات ، واعطى تعليماته للبوليس بطرده . وفي تلك اللحظة إستطاع ديمتروف أن يسحق هذا الاتوقراطي عندما قال : ” لدي إحساس بأنك تخشى اسئلتي يا حضرة رئيس الوزراء ، اليس كذلك ؟ “ وإنتشرت هذه الكلمات اسرع من البرق في كل انحاء العالم . وكان رد ديمتروف كابوسا لغورنغ ونهاية لمهمته الجنائية وتنتهي مسخرة الرايخ الثالث القضائية المعادية للشيوعية بالاخفاق التام .

وحين فشلت الخطوات الاولى ، إتخذت المحكمة ومدبرو المحاكمة موقف الدفاع ، فجاء دور غوبلز رئيس الدعاية النازية الذي حاول تهدئة الامور ، فتقمص دور الليبرالي المستعد للمشاركة في مناقشة علنية “ حرة “ وصرًح بأنه على إستعداد للإجابة على اية اسئلة يوجهها “ داعية شيوعي صغير “ ، والتي من المؤسف ان ينهزم الآخرون امامها ويصبحون خائفين من المواجهة .
وفي إجاباته الغامضة التي حاول فيها ان يتجنب الصدام المباشر ، شرًع سيد الدعاية النازية لمعالجة موضوع مجرد ، لكن تحت طائلة إلحاح ديمتروف ، فشل في إنكار الحقيقة من أن حرق الرايخستاغ قد أُستخدم كذريعة لشن حملة ظالمة ضد الحزب الشيوعي والحزب الإشتراكي الديمقراطي واحزاب معارضة اخرى .

لقد تحدى ديمتروف غوبلزمن ان ينكر سعي النازيين وراء تدمير حزب الطبقة العاملة وأكدً ان ذلك سيمكًن الإشتراكيين الديمقراطيين من التأكد بأنفسهم من هم اعداء الطبقة العاملة وسيكتشفون بأنفسهم حقيقة تفكير النازيين . فقد كانت لهذه الاطروحة اهمية بالغة بالنسبة للعلاقات بين الحزبين الشيوعي والإشتراكي الديمقراطي وساعدت العديدين في الجناح اليساري للإشتراكيين الديمقراطيين على إدراك ضرورة النضال الموحد ضد الفاشية والرجعية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) ج . ديمتروف ، الاعمال ، المجلد 9 ص 165



وبالرغم من إجابات غوبلز المراوغة ، فقد اصبح واضحا ان الإشتراكيين القوميين قد خلفوا وراءهم حمامات من الدم . وإن حماة “ القانون والنظام “ هم اعداء الديمقراطية والحرية . وحين تسائل ديمتروف قائلا : ” اي دستور الماني كان ساري المفعول في 30 كانون الثاني ( يناير ) و 27 شباط ) فبراير ) 1933 و لأن الإجابة على ذلك توضح بأن النازيين لايحترمون الدستور ، فقد فشل غوبلز هو الآخر في محاولته التمويه على الإنطباع السيء الذي تركه غورنغ .

وتمرً الاسابيع وتغرق المحكمة في خضم التناقضات وتفشل مهمة غورنغ وغوبلز . وراح منظمو المحاكمة يفكرون مليا بطريقة ينهون بها هذه الفصيحة التي باتت تشكل خطرا حقيقيا عليهم ، فقد إمتلأت الصحافة العالمية بتعليقات متعاطفة مع المناضل الشيوعي ديمتروف ، كما انها إعترفت صراحة بهزيمة القادة النازيين ــ فكتبت صحيفة “ اربايترزايتونغ “ الإشتراكية النمساوية في عددها الصادر في 5 تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1933 تقول : ” قلما يجد المرء صراعا مؤثرا وملهما مثل صراع هذا الرجل مع الحكام الالمان . ” اما الصحيفة البلجيكية فقد نشرت في 14 تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1933 مقالا بعنوان “ مزيدا من القوة لديمتروف “ قالت فيه : ” في وسط الكآبة العامة بسبب الرعب ، يشعر المرء بالعزم والارتياح عنما يتذكر الموقف البطولي الذي لايُقهر للشيوعي البلغاري في المحكمة العليا في لايبزغ . ”

وبعد الصدام مع جيورجي ديمتروف ، وصل الرجل ، الذي ارعب الجميع في المانيا ، الى حالة يُرثى لها .وإغتاض غورنغ لهزيمته وهدد وتوعد المناضل الذي لايعرف الخوف .وما كان لشيء يكفل سلامة ديمتروف سوى الجهودالموحدة للقوى التقدمية في العالم .

وفي سياق التضامن مع ديمتروف ورفاقه من بلغار والمان ، ألقت الاحزاب الشيوعية واللجنة العالمية لمساعدة ضحايا الفاشية ومنظمات اخرى معادية للفاشية بثقلها في تعبئة جميع القوى وتنظيم حملات احتجاج جماهيرية وتظاهرات وإضرابات وتعطيل خطوط سكك الحديد وتخريب التجارة الالمانية . وإهتز العالم باجمعه ، فنظم الشعب السوفيتي والشغيلة في بلغاريا والمعادين للفاشية في فرنسا وتشيكوسلوفاكيا واسبانيا والنرويج وبريطانيا والنمسا والولايات المتحدة والبرازيل وكندا والسويد وسويسرا وبلدان اخرى حملات تضامن . وفي المانيا شنً الحزب الشيوعي السري نضالا جبارا ضد المحاكمة واصدرت اللجنة المركزية للحزب نشرة سرية حول سير المحاكمة ، تمً توزيعها جماهيريا . وبفضل هذه الاعمال ، وجد نضال ديمتروف في المحكمة النازية رد فعل عظيم بين الشغيلة والمثقفين في جميع انحاء العالم .
وفي 8 تشرين الثاني ( نوفمبر ) ، أُقيم احتفال تضامني حاشد في قاعة “ البولييه “ في فرنسا ألقت فيه والدة جيورجي ديمتروف خطابا ناشدت فيه جميع الطييبين النضال من اجل حرية ضحايا الارهاب الفاشي .
وفي منتصف تشرين الثاني ( نوفمبر ) وصلت والدة جيورجي ديمتروف ، باراشكيفا ديمتروفا ، وبرفقتها ابنتها الصغرى الى برلين لتلتقيا بديمتروف بعد فراق دام عشر سنوات .

وفي غياب ديمتروف ، إستجوبت المحكمة احد الشهود وهو النادل هلمر ، الذي كانت شهادته ملفقة ومتناقضة بشكل واضح . فقد إعترف بانه قد رأى البلغار في المطعم بصحبة فان دير لوب اكثر من مرة، فيما كانت شهادات الندل الآخرين في المطعم نفسه مخالفة لذلك .

لم يرتبك ديمتروف لهذه الشهادة على الإطلاق . فلو أن البلغار ناقشوا الإجراءات التمهيدية للحريق في مطعم بايرنهوف ، فلن يكون بمقدورهم الرجوع الى هذا المطعم بعد الحريق . وإضطر المستشار المعين للدفاع عن المتهمين البلغار الإشارة الى هذه التناقضات في شهادة النادل . وعبًر الدكتور تايخرت عن اسفه بأن المحقق قد ضُلل من قبل ذلك الشاهد .

وفي 20 تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1933 ، نُقل ديمتروف والمتهمون الآخرون الى لايبزغ لتسأنف المحكمة “ الجوانب السياسية “ للقضية .وكانت هذه المرحلة الثالثة من المحاكمة التي إستهدفت إتهام الحزب الشيوعي الالماني والشيوعية العالمية بحرق الرايخستاغ . ويُعتبر تحليل “ الجوانب السياسية “ محاولة لتدارك إنهيار الدعوى ، ففي حالة عدم تمكن المحكمة من إدانة الشيوعيين المتهمين بحرق المبنى ، فمن الممكن إدانتهم بكونهم المحرضين الايديولوجيين ، وبأنهم المسؤولون الحقيقيون عن “ الخيانة العظمى للبلاد “ . وإمتلأت قاعة المحكمة مرة اخرى بمفوضي الشرطة الذين قدًموا إفاداتهم بأن الحزب الشيوعي الالماني كان يستعد للإنتفاضة وان حرق الرايخستاغ هو بداية لذلك .

كان اول المتحدثين هللر ، المستشار في قسم الجريمة ورئيس الخدمة المركزية ومسؤول مراقبة الحركة الشيوعية ، وإستمع ديمتروف الى خطابه الرتيب بتوتر ، وكان الخطاب مزيجا من إستشهادات أُخذت من مصادر مختلفة : ” قرارات اللجنة التنفيذية للاممية الشيوعية والحزب الشيوعي الالماني، مقالات الصحف والكراريس والتقارير السرية للامن وجواسيس البوليس “ مضافا اليها تأويلات وتعليقات الشاهد نفسه . كما كانت هناك مقتطفات من وثائق تعود لفترات مختلفة ومُختارة بتعمد كدليل بأن الحزب الشيوعي الالماني قد قرر تنظيم إنتفاضة مسلحة اوائل 1933 ، وبأن هناك علاقة بين حرق الرايخستاغ وسياسة الحزب . وهنا تبرز عبقرية ديمتروف حين قام بتوجيه سؤاله فيما إذا كان بإمكان الشاهد تقديم اية وثيقة سواء كانت رسالة موجهة الى عدد من الاشخاص او تعليمات تثبت ان الحكومة قد وضعت القوات المسلحة في حالة استنفار تحسبا للانتفاضة المسلحة ، واجاب الشاهد بانه لاتوجد وثيقة كهذه .

وإقترح جيورجي ديمتروف ان تستدعي المحكمة كل من شلايخر ، فون بابن و بروننغ وجميعهم رؤساء وزراء سابقين بالإضافة الى هنغنبرغ وهو قائد في الحزب الإشتراكي القومي الالماني للمثول امام المحكمة كشهود ،وصاغ ديمتروف اسئلته لتلقي الضوء على التناقضات الداخلية في الحكومة الإئتلافية ومخططات الإشتراكيين القوميين ليجعلوا من الحريق رأسمالا لهم للتغلب على الصعوبات التي تواجه الحكومة ولإقامة حكمهم الإستبدادي . وبالرغم من رفض إقتراح ديمتروف هذا ، إلا أن هذا الإقتراح أظهر للشعب خوف الحكومة الكبير من تقييم الأوضاع في المانيا وقت إفتعال حرق الرايخستاغ .
ثم تكلم في المحكمة متخصص آخر في شؤون الحركة الشيوعية ،وهو المحقق لوشي ، وتحدث لعدة ساعات حول التحضيرات الايديولوجية والعسكرية والتكنيكية للإنتفاضة . وطلب ديمتروف من الشاهد ان يقدًم دليلا واضحا على ان الإنتفاضة المسلحة سيتم تنفيذها اواخر شباط ( فبراير ) ــ وبأن الحريق كان إشارة لها . وبالرغم من ان الشاهد إستمر بسرد الاهداف البرنامجية للحزب بشكل تفصيلي ، إلا انه لم يستطع ان يقدًم اي قرار حزبي واضح له صلة بالإنتفاضة .

وفي الاول من كانون الاول ( ديسمبر ) 1933 ، وهو اليوم الثامن والأربعون للمحاكمة ، إستقدمت المحكمة دفعة اخرى من الشهود ــ كانوا عمال شيوعيين وآخرين غير حزبيين جيء بهم من معسكرات الإعتقال والسجون ــ وكانت علائم المعاناة التي كانوا تحت وطأتها بادية عليهم . وقد كان إختيارهم كشهود ، يستند الى فكرة المحقق بأنه قد تمً التأثير عليهم بشكل حسن . وبعد ان انكروا الشهادات التي ادلوا بها في الإستجوابات الاولية ، قدًم الاغلبية من هولاء الشهود تقارير ملفقة عن سياسة الحزب الشيوعي الالماني . وفي الجلسة الثانية والخمسين في 6 شباط ) فبراير )، اعلن رئيس المحكمة عن إستكمال الإستجوابات وبأن المدعي العام سيلقي مرافعته الختامية يوم 13 شباط ( فبراير )
وأصرً المدعي العام ، الدكتور فيرنر ، في مرافعته على عدة نقاط في الإتهام ، كان قد دحضها في المحكمة . فقد إدعى بأن حرق الرايخستاغ كان إشارة لإقامة دولة سوفيتية في المانيا بموافقة الاممية الثالثة ، وحسبما إدعى المدعي العام ، فإن الاهداف والمهمات في برنامج الحزب الشيوعي الالماني تتضمن مسؤولية معنوية عن الحريق .وقال بأن جميع المدعى عليهم شيوعيون ، إضافة الى فان دير لوب هو الآخر شيوعي في معتقداته ونشاطاته رغم انه لم يكن عضوا في الحزب الشيوعي .كما إدعى الدكتور فيرنر بأن الحزب الشيوعي الالماني كان يعد لإنتفاضة في شباط ( فبراير ) 1933 ، وزعم ان تعليمات الحزب الشيوعي الالماني التي ترفض الإعتراف بالإرهاب الفردي ، كانت مخادعة وإن هناك وجهتي نظر مختلفتين داخل الحزب حول هذه المسألة اي لايمكن في النهاية وضع حد فاصل بين الإرهاب الفردي والجماعي . وكرًس نائب المدعي العام “ بارزيوز” معظم كلامه عن فان دير لوب ودوره الإجرامي وإن تصرف فان دير لوب ، حسب زعمه ، برهان كافٍ على انه شيوعي ! وفي اليوم التالي اعلن الدكتور فيرنر عن العقوبات التي إقترحها الإدعاء العام وطالب الحكم بالموت على فان دير لوب وتورغلر ، وتبرئة ساحة البلغار لعدم كفاية الأدلة ضدهم .
وبعد خطابات مستشاري الدفاع ، وتفنيدات الإدعاء العام ، دعت المحكمة المدعى عليهم لتقديم إفاداتهم الأخيرة . رفض فان دير لوب تقديم إفادته وذكر تورغلر بانه يفضل ان يتكلم بعد ان ينتهي البلغار من إفاداتهم ، فجاء دور جيورجي ديمتروف ليتكلم .
في السادس عشر من كانون الاول ( ديسمبر ) 1933 ، قدًم ديمتروف خطابه الإتهامي الشهير و عالج في بدايته قضايا إجرائية معينة ، ثم أدلى بتصريح سياسي حاد قائلا : ” انا ادافع عن نفسي كشيوعي متهم وادافع عن شرفي الشيوعي الثوري ، ادافع عن افكاري ومبادئي الشيوعية ، ادافع عن معنى وجوهر حياتي . لذا فكل كلمة قلتها امام المحكمة ، هي قطرة من دمي وقطعة من لحمي ، وكل كلمة تفوهت بها تعبًر عن سخطي العميق على الإتهام الباطل وعلى تلفيق جريمة معادية للشيوعية كهذه وتُنسب الى الشيوعيين .” ( 1 )
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1 ) ج . ديمتروف ، الأعمال ، المجلد 9 ص 256 ــ 286


ودوًت هذه الكلمات في قاعة المحكمة . فقد دافع ديمتروف في خطابه عن شرف وكرامة الشعب البلغاري ، الذي قال عنه النازيون بانه شعب متوحش وبربري ، واكدً على ان شعبا ظلً قرابة خمسمائة عام يرزح تحت نير الاجنبي دون ان يفقد لغته ووعيه الطبقي ، لايمكن ان يكون متوحشا وبربريا وقال :” في بلغاريا ، الفاشيون وحدهم المتوحشون والبرابرة .، لكن اود ان اسأل يا حضرة الرئيس ، في اي بلد لايكون فيه الفاشيون متوحشين ؟ “

حاول الرئيس مقاطعته قائلا : ” لعلك تشير الى مواقف سياسية في المانيا ؟ “ “ بالطبع لا يا حضرة الرئيس “ اجابه ديمتروف وعلى وجهه إبتسامة ساخرة “ .. ليس هناك ما يخجلني ان اكون بلغاريا ، انا فخور لكوني ابن الطبقة العاملة البلغارية . ” وواصل ديمتروف هجومه على الفرضيات الاساسية في الوثيقة التي تنص على ان حرق الرايخستاغ كان من عمل الحزب الشيوعي الالماني و الاممية الشيوعية ، وانه كان إشارة ببدء الانتفاضة لتحطيم الرايخ . وإستشهد بعدة حالات تاريخية لإستفزازات سياسية حين نسب اعداء الطبقة العاملة الى الشيوعيين مختلف الاعمال الإجرامية .
وقيًم جيورجي ديمتروف عاليا النشاطات التي يقوم بها الحزب الشيوعي الالماني ــ ورفض الاعتراف بالحجة المغامرة القائلة بأنه منذ مجيء النازيين الى الحكم ، فإن البديل الوحيد امام الحزب الشيوعي الالماني هو تنظيم إنتفاضة مسلحة وفق شعار “ الآن أو ابدا “ ــ وقال إن إتهامات كهذه تدل على ان اعداء الحزب الشيوعي الالماني لايعرفون عن هذه الحزب سوى القليل . إن من يريد ان يصارع عدوه بنجاح ، عليه اولا ان يعرفه جيدا . إن الحظر الذي فُرض على نشاطات الحزب والمنظمات الجماهيرية كان بمثابة ضربة موجعة للحركة الثورية ، لكن هذا لايعني ان كل شيء قد إنتهى .
كما اورد جيورجي ديمتروف عدة امثلة تاريخية بيًن فيها قدرة الحزب الشيوعي على النضال في شتى الظروف . ,أشار الى تجربة الحزب الشيوعي الروسي العظيمة ، وذكر بان الحزب تعرض الى شتى انواع الإضطهاد ، لكنه نجح في قيام الثورة الإشتراكية . كما اشار ديمتروف الى تجربة حزبه الذي واصل نضاله بعد قمع إنتفاضة ايلول . وصرًح قائلا : ” الحزب الشيوعي الالماني يدرك تماما ان عمله السري سيكلفه العديد من الضحايا ، وسيتطلب منه الشجاعة والتضحية ، لكنه يدرك ايضا ان القوى الثورية ستزداد قوة وستثبت انها أهل للمهمات التي تواجهها ، وان الزعم القائل بأن الحزب الشيوعي الالماني يريد المغامرة لايمت الى الحقيقة بصلة . . إن من حسن حظ الشيوعيين انهم ليسوا قصيري النظر كأعداءهم وهم لايفقدون السيطرة على النفس حتى في اصعب الظروف . إن الحزب الشيوعي الالماني لم يحدد لنفسه مهمة تنظيم إنتفاضة مسلحة في اواخر شباط ( فبراير ) 1933 ، كما لم تُوجه له تعليمات كهذه من قبل الاممية الشيوعية التي ينتسب اليها . ( 2 )
وقدًم ديمتروف ، بعدئذ ، وصفا رائعا لستراتيج وتكتيك الحركة الشيوعية وقال : ” إن بداية ونهاية تكتيكات الحركة الشيوعية هي العمل الجماهيري ، النضال الجماهيري ، المقاومة الجماهيرية والجبهة الموحدة لا المغامرة . ” ( 3 )

كما قدًم ديمتروف تحليلا مفصلا لإستجوابات المحكمة ونتائجها واشار اكثر من مرة الى انه من الضروري مناقشة الوضع السياسي في المانيا في شباط ( فبراير ) 1933 لتسليط الضوء على مصدر الحريق ، لكن كان رئيس المحكمة يعلن في كل مرة بأن لامجال للبحث في طلبه وكذلك كانت النيابة ومحامو الدفاع غيرراغبين في الولوج في مناقشة الوضع السياسي . ورغم ذلك واصل ديمتروف حديثه حول هذه المسألة ، ونجح في مرافعته الاخيرة في فضح التناقضات داخل المعسكر البرجوازي وكشف الاساس الطبقي للديكتاتورية الفاشية وإرتباطاتها مع طموحات رأس المال الكبير الذي يمول الحركة الفاشية .
وأشار ديمتروف الى ميزتين ميًزتا الوضع السياسي انذاك : طموحات الإشتراكيين القوميين في إقامة السلطة المطلقة من جهة ، وجهود الحزب الشيوعي الالماني لإقامة جبهة موحدة ضد اللصوصية الرأسمالية وعنف الفاشية من جهة اخرى . وفي مثل هذا الوضع الداخلي ، كان النازيون بحاجة الى هجوم مفتعل يحوًلون به الإنتباه الى الصعوبات التي ظهرت في المعسكر البرجوازي ، ويدمرون من خلاله الجبهة الموحدة . لقد كانوا بحاجة الى تلك الذريعة ليبرروا مرسوم الطواريء الذي الغوا به جميع الحقوق والحريات الديمقراطية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 2 ) ج . ديمتروف ، الاعمال ، المجلد 9 ص 267
( 3 ) المصدر السابق ص 264

لقد كانت المسألة الرئيسية في المحاكمة ــ من هو المستفيد من الحريق ؟ وإتضحت هذه عندما إنتزع جيورجي ديمتروف المدلول الاساسي إستجواب المحكمة ، والذي تلخًص في عدم وجود إرتباط بين حرق الرايخستاغ ونشاطات الحزب الشيوعي الالماني . فالحزب الشيوعي لم يهيء للإنتفاضة ، وإن تظاهراته وإضراباته لاتتصل بالحريق . فقد كانت الطبقة العاملة في موقف دفاعي ، فيما كانت الفاشية قد إنتقلت الى الهجوم وكان الحزب الشيوعي الالماني يحاول فقط تنظيم مقاومة جماهيرية .
واوضح ديمتروف بأن حريق الرايخستاغ كان ذريعة لحملة إبادة شاملة ضد الطبقة العاملة وطليعتها الحزب الشيوعي الالماني ، وكان مرسوم الطواريء الذي صدر بعد الحريق مباشرة برهانا على ذلك . واعلن ديمتروف بوضوح ، بان الارهاب الفاشي لم يستهدف الشيوعيين فقط ، بل ويستهدف الاعداد الكبيرة من الإشتراكيين الديمقراطيين والعمال المسيحيين. لقد إستخدمت الحكومة النازية حجة التهديد الشيوعي ، لحظر جميع المنظمات والاحزاب الاخرى ولإزالة كل اثر للديمقراطية . وكان لهذه الأثر الكبير في تحشيد الجماهير للنضال ضد الديكتاتورية الفاشية وللدفاع عن حقوقها وحرياتها الديمقراطية . وبعد تحليله للوضع السياسي ، واصل ديمتروف التدقيق في صحيفة الإتهام التي زعمت بأن المدعى عليهم كانوا شركاء لفان دير لوب . وبناءا على شهادة الخبراء والحقائق التي تمً إستيضاحها من خلال إستجواب المحكمة ، فإن الحريق الذي أضرمه فان دير لوب في الطابق الاسفل للمطعم ، يختلف عن الحريق في قاعة الإجتماعات ، والذي سببه اشخاص آخرين استخدموا فيه وسائل إشتعال مختلفة ، وهم ليسوا شيوعيين ولم تحاكمهم المحكمة . وإختتم ديمتروف حديثه قائلا بأن حرق الرايخستاغ كان حماقة سياسية .
وعلى اساس حقائق واقعية ، فضح ديمتروف طرق الإستجواب التمهيدية والخط الذي إتخذه إستجواب المحكمة . وإختتم قائلا بأنه لم يتم البحث عن مضرمي الحريق ، الذي يمكن العثور عليهم ليس بين صفوف الحزب الشيوعي ، ولم تكن مصادفة بأن جميع الشهود الرئيسيين هم إما إشتراكيين قوميين نشطاء أو مؤيدين للإشتراكية القومية .

وقاطع رئيس المحكمة ديمتروف ، مهددا اياه بأنه خرج على نظام المحكمة ، لكن قبل ان يتسنى له تنفيذ تهديده ، نجح ديمتروف في توضيح الدرس الكبير الذي على الطبقة العاملة الالمانية إستخلاصه ، مستعينا بكلمات الشاعر الالماني الكبير غوتة حول الخيار الذي يواجهه الرجال في الحياة . قال بطل لايبزغ : ” نعم ، إذا لم يرغب المرء أن يكون السندان فعليه ان يكون المطرقة ! هذه الحقيقة لم تدركها الطبقة العاملة الالمانية بعد “، لانها فشلت في ربط القوى في جبهة موحدة تعيق تقدم الفاشية ، وبإعتباره مناضلا حقيقيا وقائدا للجماهير البروليتارية ، وقبل ان يحكم رئيس المحكمة عليه بالخروج على نظام المحكمة ، أعدً ديمتروف مقترحاته ورفض الإعتراف بقرار المحكمة تبرئة البلغار لعدم كفاية الأدلة ضدهم وقال : ” يجب ان نبرأ نحن البلغار وتورغلر ايضا ، ليس لعدم كفاية الأدلة ضدنا ، بل لإننا نحن الشيوعيون لم تكن لنا علاقة ولايمكن ان تكون لنا علاقة في المستقبل بمثل هذا العمل المعادي للشيوعية . ” وفي الوقت الذي كان ديمتروف يعبر عن فكرته السديدة حول مستقبل البشرية ، وحول عجلة التاريخ التي تدور وستظل تدور حتى النصر النهائي للشيوعية ، إعتبرته المحكمة خارجا على نظامها ومخلا به .
كان خطاب ديمتروف الختامي تتويجا رائعا لنضاله المتواصل الذي دام ثلاثة اشهر ، ودوًت كلماته ليس فقط كإتهام شجاع للفاشية ، ولكن كدعوة متحمسة الى النضال الموحد للجماهير ضد هذه القوى الرجعية . وفي 23 كانون الاول ) ديسمبر ) 1933 ، تُليت الاحكام وتمت تبرئة البلغار الثلاثة وتورغلر ، وحكمت بالموت على فان دير لوب . لقد تمت تبرئة الشيوعيين ، لكن الرواية “ بجريمة “ الحزب الشيوعي قد وردت في الحكم . وبسخط كبير حاول ديمتروف أن يعبر عن رأيه دون تردد او خوف ، لكن الدكتور بوينجر إلتقط اوراقه بسرعة وغادر بسرعة مع بقية الاعضاء قاعة المحكمة .

وإنتهت محاكمة حرق الرايخستاغ ، لكن لم يُطلق سراح البلغار المبرأين، بل وُضعوا تحت الحجز الوقائي لمدة شهرين اخريين . وخلال هذين الشهرين ، إبتكر النازيون كل انواع المكائد لتصفية ديمتروف جسديا ، بالوقت نفسه شنًت القوى المعادية للفاشية في العالم نضالا حازما تحت شعار “ الحرية لديمتروف ورفاقه “ ، وكان لبلد الإشتراكية الاول الكلمة النهائية الحاسمة حول مصير البلغار الأبرياء ، فقررت هيئة رئاسة مجلس السوفيت الاعلى لإتحاد الجمهوريات الإشتراكية السوفيتية ، منح الجنسية السوفيتية لجيورجي ديمتروف وبلاغوبوبوف وفاسيل تانيف .إن الهيبة العالمية لإتحاد الجمهوريات الإشتراكية السوفيتية والحركة المناهضة للفاشية في العالم ، قلبت موازين القوى ،واجبرت هتلر على التسليم بالأمر الواقع و إطلق سراح البلغار الثلاثة في الذكرى السنوية الاولى لحرق الرايخستاغ ووطأت اقدامهم ارض السوفيت .

وإنتهت هذه المبارزة التاريخية ، وإنتهت محاكمة حرق الرايخستاغ التي تمً التخطيط لها كحملة معادية للشيوعية ، وبفضل ديمتروف والاممية البروليتارية والتضامن المعادي للفاشية ومقاومة الحزب الشيوعي الالماني والكادحين الالمان والموقف الصلب للإتحاد السوفيتي ، تحقق النصر للشيوعية . إن تأثير محاكمة حرق الرايخستاغ وشعبية بطلها لن يتضائل تأثيرها بمرور الوقت . فقد كانت عظمة ديمتروف ليس فقط بشجاعته المثلى ومعرفته الواسعة ، بل بقدرته على تقييم الاحداث . وفي محاكمة حرق الرايخستاغ ، فضح ديمتروف الفاشية امام العالم ، ليس فقط كعدوة للطبقة العاملة ، بل كعدوة لجميع الفئات الديمقراطية في المجتمع . وأكدً على ضرورة توحيد القوى في جبهة موحدة واسعة للنضال ضد الفاشية .ودوًت الإستنتاجات التي توصل اليها ديمتروف في نضاله غير المتكافيء مع النازية بقوة ولم تضعف حتى هذا اليوم .