الرئيسية » الآداب » مذكرات طالب من كوردستان – الحلقة السادسة

مذكرات طالب من كوردستان – الحلقة السادسة




















من الادب الكردي



مذكرات طالب من كوردستان

******************


 

وتموت الايام منصرمة وأنجح من صف الأول بتفوق إلى الصف الثاني، ومن الثاني إلى الثالث، ومشكلة آفتي ولغتي تتكاتفان وتتعاونان على الإيقاع بي ولكنهما تفشلان، فتلجئان إلى أم المشكلات ((فقري)) فتطلبان منها خنجرها القاتل، وتتسارع ملبية… الطلب فإذا هي واقفة معها ثلاث دوامات صارمات تحيط بسفينة عبوري أماماً ويمنة ويسرة. فقد تزوج خالي الذي أخذ على عاتقه أن يسدد أجور مدرستي، وأنتقلنا معه إلى دار صغيرة تكرس وجودها لعائلته وعائلة أبي. ومن هنا كانت محفظته تنغلق أمام أنامله التي ترجو عبثاً أن تتناول منها تلكم الأجور التي كانت تشكل جميع تكاليف المدرسة تقريباً، إذ أنني لم أكن محتاجاً إلى ملابس جديدة ما دام بنطلوني ذاك يحتضن أطراف قميص جديد أشتراه لي خالي يوم نجاحي ذاك الباهر في نظري ونظره فقط. ففي نهاية الشهر الثالث من دوامي وفي الصف الثالث ناداني مدير المدرسة ليقول لي: (( ها قد حان موعد دفع القسط الثاني وأنت لم تدفع حتى الأن القسط الأول إن عليك أن تأتينا غداً بالقسطين وإلا فستخرج من المدرسة)) … جمعت قواي، وفتحت فمي لأخبره بأنني عاجز عما يريده مني لأن ظروفاً جديدة ألمت بخالي، وأنطلقت أشرح له هذه الظروف في لغة ساذجة بريئة كأنني أعرف قلبه الطيب الذي راح يجول ويتحرك ثم يفيض بعبارات لم افهم كلمة واحدة فيها ( إنه يقول سأطلب من أعضاء مجلس إدارة المدارس الجعفرية إن يقبلوك مجاناً). ما معنى (مجاناً) في اللغة الكردية ؟ لست أدري المهم إنه لن يطردني غداً. نقلت ما جرى بيني بين المدير الى خالي، فتراقصت أسارير وجهه مستبشراً بما سمعه مني وأوقفني على معناه، أن المدرسة لا تريد مني بعد اليوم أجوراً ، وسأتلقى العلم بين جنانها مجاناً. ما أجملك يا كلمة (مجاناً) وأن لم أفهم معناك. إن الانسان المحجور عليه ظلماً يصفق لضوء الشمس الذي يتسلل إلى حجرة دونما قصد منه … أنا سررت بأعفائهم لي من دفع الأجور ، كأن هذا الأعفاء سيمد يده الكريمة لتكسوني ، لتشتري لي الكتب ، لتخنق الخصومات بين أمي وزوج خالي التي فتحت جبهة داخلية في الدار الجديدة . أن زوجها ينهض بمعظم التكاليف، أما أبي فأنه لا يدفع شيئاً. ثم إن عدد أفراد عائلته قد اصبحوا سبع أشخاص، في حين إن زوجها غير مسؤول إلا عن أعاشتها وحدها. إن أناملك قصيرة أيتها اليد الكريمة، فأنت لا تستطيعين أن تسدي جحيم هذه الخصومات أو تسكتي حاجاتي المادية الأخرى ، لذلك فأن مثلك عندي مثل العشب الهزيل في الصحراء المشمسة لا يلقي ظلاً هزيلاً على أديميتها فحسب، بل إن ظله لا يدوم لحظات. إنك تطلين على حياتي من نافذة غرفة المدير. حياتي هذه التي هي صحراء، وأنك ذلك العشب الهزيل فما هي جدواك لي؟ أبقى في المدرسة التي تديرينها ساعات تقضمني فيها مشكلة آفتي ولغتي، ثم أتركك لأسير في الطريق الممتد بين مدرستك وبين داري الجديدة، وأنا كتلة من العظم والجلد يقضم الدرب قدمي، وتلسع الحيطان أناملي، ثم تنهال الكلمات عليّ صواعقاً فلأتدحرج كرة تستقر في تلك الدار، أحاول أن أكتب واجباتي في الخط، وأحاول أن أحل مسائلي في الحساب بيد أن ربع عيني اليمنى لا تسعفني كثيراً. يجب عليّ أن انتهي من واجباتي قبل غروب الشمس، لأنني إن كنت نصف عاجز عن القيام بتلك الواجبات في ضوء الشمس الوهاج، فإن العجز هو أنا عندما أفكر في القيام بتلكم الواجبات معتمداً على مصباحنا الزيتي، وهكذا فإن دوامات مشكلاتي توقف سفينتي على السير ولكنها ستسير بل انها تسير ما دمت أسير وأسير ما دامت إنساناً مصمماً على السير ، ها هو درس الجغرافية يطلب مني أن ارسم خرائطاً تشير الى المدن، والانهار، وطرق المواصلات، بنقط لا يستطيع نافذة نوري تلك المحتقنة أن تلمحها إلا إذا كبرت دراهماً أو ريالا، وها هي اللغة الأنكليزية تطل بأسنانها الصفراء من بين دروس الجدول الاسبوعي، وها هي أمور غير تلك تصرخ بي أن أقبع هناك في الطرقات. ولكن أراني أشيح بأذني عنها، واضعاً يدي في يد زملاء خلقتهم لي حاجتهم إلى في حل مسائل الحساب، وأيضاح مشكلات الجغرافية. هم يقرأون لي تلك الأحرف الصغيرة جداً ثمناً لاجابتي على ما يشكل امام عقولهم,اذا فهنا سبل ضيقه تفتح صدورها لانفذ منها خلال ظلام مشكله افتي. لأن (عبد السادة) زميلي في المدرسة يقرأ لي كتبي الصغيرة الحروف، وأنا أعينه على تفهم المعضلات مختفية بين مخالب تلك الأحرف. حقاً إن قراءته لي رغم اخذها ثمنها لم تكن منتظمة، وحقاً انني كنت أتعذب قبل أن ينسكب رنينها في أذني المرهقتين. كم مرة طوقت بابه فردني أبوه بعنف قائلاً لي: أنت لا تدع ولدي يرتاح (( أرجع إلى بيتك، وخلي الناس يرتاحون)) فأتضاءل أمام زجره هذا، وأنكفئ راجعاً وقدماي تصفقان في ارتباك. إنك ستخرج أيّها الأب المحب لولدك وسأعود أنا ثانية وثالثة حتى أمكن أذني من سماع تلاوة دروس الغد. ويأتي الغد وأنا متفهم لدروسي، ويتوالى غد آخر وأنا أكثر تفهماً، فإذا أنا لا أؤدي امتحانات رأس السنة لماذا؟ قد نلت في الأمتحانات الفصلية معدلاً ينوف على التسعين في كل درس، فالقرار الذي تعلقت عباراته بذهني وهي تغني (لقد عفي من الامتحان في جميع الدروس لحصوله على معدل اكثر من تسعين) أخذ يرصع شهادات أمتحاناتي في الصفوف الثالثة والرابعة والخامسة الابتدائية، وهكذا أراني متغلباً على آفتي، وإن كان تغلبي ذاك يكلفني مشياً بطيئاً على الجمر، ثم أن مشكلة لغتي شرعت تختفي تدريجياً وإن كان هذا الاختفاء يتخذ سبيله على رنين سخرية الطلاب وضحك بعض المدرسين مني، فإن اعتقدت بان معنى كلمة الجاف في معرض وصف مناخ أفريقيا في درس الجغرافية أنما هو معنى القبيلة الكردية ((الجاف)) الساكنين في قضاء حلبجة، فإن هذا الاعتقاد كان يتغير بعد الضحك وتلك السخرية إلى يقين صحيح يتعلق بشغاف قلبي، فأستعمل تلك الكلمة استعمالاً معيباً وهكذا دواليك حتى أصبحت من المتفوقين في موضوع الانشاء بصورة خاصة.