الرئيسية » اللغة » بابا طاهر الهمذاني، ورباعياته المنسية إبراهيم فرحان خليل

بابا طاهر الهمذاني، ورباعياته المنسية إبراهيم فرحان خليل

حياته:

بابا طاهر عريان المعروف بالهمذاني نسبة إلى همذان إيران حيث ولد ومات, أقدم شاعر لوري إيراني اكتشف حتى اليوم، يعدّ أول من كتب الشعـر في الأدب الإيراني المدوّن على مدى تاريخه، وهذه الحقيقة يقـرّ بها الإيرانيون الفرس أنفسهم ويركنون إليها، بل ويعتزون بذلك إلى الدرجة التي عصفت بها رياح التعصب القومي والنزعة الذاتية برؤوس الكثير من مؤرخيهم الذين ـ رغم قبولهم للورية بابا طاهر ـ تداعوا إلى إنكار كوردية اللور، وتنسيب هذه الجماعة الكوردية بأسرها إلى الفرس والترويج لذلك ولسان حالهم يقول: “لو أننا سلّمنا بكوردية بابا طاهر فإن هذا يعني أن الأدب الإيراني كوردي في أساسه!”. وهذا بالطبع ما يستحيل على عامة المثقفين الإيرانيين الفرس تقبله ناهيك عن عوامهم.

يقول الجغرافي المعروف ياقوت الحموي: “اللور جيل من الأكراد في جبال أصفهان وخوزستان وتلك النواحي تعرف بهم فيقال بلاد اللر ويقال لها لرستان ويقال لها اللور أيضاً”؛ ويشير ابن حوقل والإدريسي كذلك إلى أن: “لرستان بلد غني يعيش فيه الأكراد”، أما في زمن الفتوحات الإسلامية فقد أطلق المؤلفون العرب تعبير “كورد” على قبيلة “اللورية” القاطنة في خوزستان كما تذكر لنا المصادر.

في حين يستند مؤرخو الأدب الفارسي في إثبات دعواهم تلك إلى أن ولادة الشاعر قد تمت على أرض تتبع لإيران الحالية، وكذلك على ورود بعض الألفاظ والتراكيب واللواحق الفارسية في شعره، وهذه حجة مردودة، كون اللور أقرب الكورد جغرافياً إلى الفرس، ومن الطبيعي أن تقوم بين الشعبين المتحاددين علاقة إقراض واقتـراض لغوي، ناهيك عن القـرابة العرقية واللغوية الأصيلة بين الكورد والفرس ضمن الرابطة الآرية.

وعلى أية حال، فليس هذا مجال بحث في أصل الـرجل ولا تتبع نسبه، لأن أية دراسة موضوعية يقوم بها مختص في علوم اللغات أو الأعراق كفيلة بإثبات صحة هذا من خطله، ونحن إنما يهمنا دراسة شعره وإثبات ريادته.

إن الجزء الأعظم من سيرة بابا طاهر وسنوات حياته محاط بالأسرار والغموض، حتى إن نسبته إلى همذان يكتنفها بعض الشك, ووفقاً للمراجع التاريخية القليلة المتوفرة بين أيدينا، فقد ولد بابا طاهر في أواخر القرن العاشر الميلادي، وتوفي في مطلع القرن الحادي عشر للميلاد (بعد 1055 م حسب الموسوعة البريطانية)، وقد لقب بالعريان مما يوحي بأنه كان درويشاً سائحاً وزاهداً فقيراً أو متصوفاً باطنياً.

ويقال إن هذا الشاعر الفذ كان في بداية أمره أمياً يعمل في قطع الأخشاب وبيعها قبل أن يتجه إلى دراسة علوم الدين في بعض المدارس الدينية، غير أن السخرية والازدراء اللذين لقيهما على يد زملائه الدارسين هناك بسبب قلة علمه وضحالة اطلاعه دفعاه إلى أن يهجر الدراسة ويهيم على وجهه.

وبعد مدة لاحت له بعضُ الحقائق والأفكار الفلسفية، فعاد إلى المدرسة وتحدث بما رأى، فأذهل الجميع بسعة علمه وفيوض المعارف المفاجئة التي نزلت عليه عن غير سابق تمهيد. وأشهر ما عرف عنه هو وضعه للرباعيات (دوبيتي) المكتوبة بلغة عذبة سائغة وبإخلاص وروحانية نادرة تصبغها مسحة فلسفية باطنية وعميقة. ترجمت بعض أشعاره إلى الإنكليزية في (E-Heron – Allens ) بعنوان (مرثيات بابا طاهر) سنة (1902م ). ثم نشرت سنة ( 1937) تحت عنوان (أشعار صوفي فارسي), ثم نشرها (مهدي ناخوستين) تحت عنوان (رباعيات بابا طاهر عريان) سنة ( 1967)، ثم طبع ديوانه في طهران للمرة الأولى سنة (1983.م)، وأعيدت طباعته سنة 1998 في استانبول بتركيا بمجهود بذلته مجموعة مجلة (نوبهار) الكوردية، وشرحه عن اللورية (صباح كارا)، وخرج هذا العمل إلى النور تحت عنوان (ديوان شعر بابا طاهر الهمذاني ـ دو بيتي) مشفوعاً بترجمة دقيقة عن اللورية إلى الكوردية البهدينانية.

يتمتع بابا طاهر حتى اليوم بسمعة عظيمة، وتبجيل لا نظير له في أوساط عامة الفرس ومثقفيهم الذين شيدوا له مقاماً فخماً يتوسط مدينة همذان حيث مسقط رأسه. شعره :

لا شك أن شعر بابا طاهر بحاجة إلى دراسة معمقة من لدن المختصين من نقاد الأدب ودارسيه للكشف عن معمياته ومقاصده وإضاءة زواياه وأركانه، وتقويم بنائه وأسلوبيته، وهذا ما يخرج عن طاقتي. ولذا سأكتفي في هذا المجال الضيق بإيراد انطباعاتي الأولية المختصرة جداً عنه، وذلك قبل تذييله لاحقاً بالترجمة الشعرية لبعض رباعياته المختارة لتكون عوناً للقارئ على فهم نفسية صاحبها وسبـر أغوار شخصيته الأصيلة.

إن أول ما يمكن ملاحظته في شعر “بابا طاهر” من ناحية الشكل هو قيامه على نظام (الدوبيت) أي الرباعيات، وهي تضمين الفكرة الواحدة التامة في أربعة أشطر على الوزن ذاته والقافية ذاتها، وهذا الفن معروف عن العجم ومأخوذ عنهم. وبابا طاهر هو أول من ألف في هذا الضرب من الشعر. وعلى هذا فإن ما عرف عن شاعر الفرس الأكبر عمر بن إبراهيم النيسابوري الشهير بالخيام ( 1050 – 1123 ) ونسب إليه من أنه رائد الرباعيات ليس دقيقاً، إلا إذا عددناه مقتبساً ذكياً ومتتبعاً نجيباً لخطى معلمه الهمذاني العظيم، الذي ليس في ديوانه الضخم سوى أربع قصائد لا تنتمي إلى هذا النظام ،مقابل ( 355 ) رباعية القليل منها مشكوك في نسبته إليه.

والطابع الغالب على قصائد الهمذاني الذي لاشك أن القارئ سيلاحظه هو التشاؤم والسوداوية والسخط من جهة، والنرجسية والكبرياء والشعور بالتفوق من جهة أخرى، وهي الصفات التي يتقاطع فيها عامة المبدعين، ولا سيما الشعراء منهم, ونلمح ذلك جلياً خلف بعض الأبيات المترجمة أدناه، والتي تكشف لكل ناظر نفساً أبية وروحاً وثابة ولكن قلقة… قد تتطاول حتى تحسب نفسها نسراً، فتطمع في محاسبة القدر وقد تتطامن حتى ترى نفسها مجرد جيفة فتتذلل في الشكوى وتتخيل نفسها في القبـر تحت رحمة الديدان والنمال والأفاعي وسائر هوام الأرض. كل ذلك على خلفية من نزعة التصوف والزهد الإسلامي المنتعش في تلك الفترة التاريخية بالتحديد، بكل ما يحتوي عليه من الأحوال والإشراقات التي تستدعي التذلل لله إلى درجة الإمحاء من جهة والجرأة البالغة عليه من جهة أخرى.

أما أغراض الشاعر فتتراوح بين الغزل والشكوى والحكمة والفخر، فلا مديح ولا هجاء ولا ظرف ولا خلاعة.

وقد كلفت نفسي كما أسلفت ترجمة منتخب من هذه الرباعيات إلى العربية، وحرصت كل الحرص على الدقة والأمانة جنباً إلى جنب مع الحفاظ على جرس الأبيات وموسيقاها، بعد عملية تطلبت تغيير الوزن وتبديل القافية وأخضعتها لنسقٍ تبدو فيه المعاني متصلة متلاحقة والأشطر متداركة متكاملة, وللقارئ بعد ذلك أن يرى برأيه فيمسك القمح ويطرح الزيوان، وفي هذا غاية الإنصاف.

الأحد 02-09-2012

التآخي