الرئيسية » شخصيات كوردية » جلال زنكَابادي .. تألّق أدبي وذاكرة عراقيّة ممراعة

جلال زنكَابادي .. تألّق أدبي وذاكرة عراقيّة ممراعة

تعوّدت أن ألتقي الشاعر والمترجم جلال زنكَابادي في العديد من مقاهي كركوك ومنها(كَازينو النصر بالأخص) إبّان العقد الستيني من القرن المرتحل ، ونحن بين الصبا والشباب ، وكان جلال أصغرنا عمراً، وكان الفضل لصديقنا المشترك الشاعر المبدع الكبير صلاح فائق في التعارف بيننا.
لقد كنّا فتية ممتلئين حماساً واقتحاماً وجرأة ، نلتهم ما يقع بأيدينا من كتب ومجلات وصحف ، ونتحلّق عادةً حول مائدة من الموائد رافعين أصواتنا ، حيث تحتدم بيننا النقاشات الأدبيّة والفنيّة، وكلّ واحد منا يحلم بأنه سيزيح عمالقة الأدب عن أماكنهم ويشغلها بدوره! وبالفعل قلبنا الكثير من المفاهيم الأدبيّة خصوصاً والثقافيّة عموماً، وأحللنا مكانها مفاهيم جديدة لمْ تألفها ولمْ تعرفها حتى أذهان أدباء الأجيال السابقة… وطالما كنا نقرأ ماحبّرناه من قصائد ونصوص أدبيّة أخرى…ثمّ تفرّقت بنا السّبل ؛ بعضنا شرّقَ وغرّبَ بعضنا وبعضنا استقرّ ولمْ يغادرْ…لكن الشيء الذي أسعدني مع صديقنا جلال هو لقاؤنا من جديد في سنة 2008 بمدينة السليمانيّة أثناء مهرجان كَلاويج ، حيث ذكّرني بأحدى قصائدي التي قرأتها له في كَازينو النصر بكركوك سنة 1968 وهي قصيدة عن الفنانة (آفا كَاردنر…) احتفاءاً بشفتيها الخلابتين ؛ ممّا حدا بي أن أثمّن حدّة ذاكرته وأقدّر قوّتها وصفاءها وتجلّيَاتها…
وبمناسبة المهرجان المذكور؛ احتفت مجلّة كَلاويج (ع 20/ 2008) به بصفته (أشهر شاعر عراقي مغمور)! بملف خاص (نحو 140 صفحة = تقديم وحوار طويل معه وسبع مقالات ودراسات عن شعره وأكثر من 40 قصيدة له) وهنا لاحظوا المفارقة الجميلة في هذا التوصيف : ” مشهور مغمور!” وهو توصيف محق ؛ فقد طاله ومازال يطاله الإقصاء والتهميش ولمْ ينل المعاملة التي يستحقها من لدن المؤسسات الثقافيّة والنقاد رغم مكانته الأدبيّة المرموقة في الشعر والترجمة والبحث باللغتين الكرديّة والعربيّة…
لاأستطيع في هذه الفسحة الضيّقة وبهذه العجالة أن أسرد مآثر صديقنا زنكَابادي الأديب الموسوعي العصامي وما أكثرها ؛ فهو شاعر مخلص دوماً لفنه الشعري ومترجم متمرّس قدير عن بضع لغات شرقيّة وغربيّة وباحث متعدد الإهتمامات…وكمْ سأكون سعيداً ؛ لو توافر لي الوقت اللازم للإبحار في ديوانه الشامل (جلالستان) وأتناول عالمه الشعري اللامألوف والفسيح جدّاً…
إنه شيء جميل وحسن أن يحتفي اتحاد أدباء وكتاب كركوك بالتعاون مع مؤسسة الرعد الإعلاميّة بجلال زنكَابادي ؛ فهو يستحقّ كلّ احتفاء ، حيث عادت بنا الذاكرة إلى عقود منصرمة بأيّامها المتوهّجة التي قضيناها في كركوك التىخي القومي والتسامح الديني والطائفي ،ونحن يافعون وفتية نرسم أحلامنا وآمالنا الكبيرة على الأوراق التي تتشرّبها ، ثمّ تتطاير مع رياح الشتاء…
يقول زنكَبادي في إحدى قصائده:
” يطفحُ بكِ تاريخيّ الشقيًّ
فأخبو في رعشات أوصالك السحيقة
كالأرق
وأتلاشى في دوّامة النور..”
وطبعاً يظلّ شأنه شأن الشعراء المبدعين الحقيقيين الذين يحترقون وينهضون كالعنقاء ؛ فتجوب كلماتهم آلاف العوالم في أغوار قلوب وعقول وأرواح البشريّة…
وأخيراً مابرحت أتابع بشغف ماتحبّره يراعة زنكَابادي على صفحات جريدة (الإتحاد) الغرّاء وغيرها من نصوص أدبيّة وترجمات ومقالات ودراسات…
وختاماً
تحيّة ود وإجلال لصديقنا كاكه جلال ، حيث يحتفي أدباء ومثقفو كركوك بإنجازاته الإبداعيّة الغزيرة والمتنوّعة..ودعاء من صميم القلب باستكمال ديوانه الكبير(جلالستان) ونشره ؛ لتمتدّ ظلاله وتصدح أفياؤه وتينع ثماره للجميع…
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* شهادة للأديب فاروق مصطفي في حفل تكريم اتحاد أدباء كركوك ومؤسسة الرعد للأديب جلال زنكَابادي ، في عصر يوم 16 أيلول 2012