فقه الصمت

في دوامة البحث عن فسحة للحياة الكريمة التي تستحقها المرأة العراقية، ومن بين ثنايا الجهد المتعب لكادر منظمة بنت الرافدين منذ عام 2005 والى مطلع عامنا هذا حيث بلورنا تلك الجهود في حملة مدافعة لأجل حماية قانونية للمرأة تمكنها من تلك الحياة الكريمة، وقف بوجهنا من يصرخ: لا يوجد عنف ضد المرأة!!
أنتم تسمون التربية للفتاة: عنفا!
وتأديب المرأة: عنفا!
وإطاعة الاعراف والدين: عنفا!
فإذا ضُربت المرأة، فهي تستحق ذلك، ولا يمكن للرجل الولي أن يظلم، بل هو يؤدب ويمارس دوره الذي منحته له السماء والارض!!
والمؤلم في الامر، أن هذه الكلمات جاءت من أناس يُحسبون على الشريحة المثقفة والاكاديمية والتي تقود المجتمع وتبرمج له سلوكياته.
مما جعلنا نعيد النظر في حساباتنا، يا ترى نستهدف من في تثقيفنا على حقوق المرأة؟
الادهى من هذا، انهم يشرعنون كل تلك الأفكار والقناعات، ويلبسونها ثوب الدين، وهو منهم براء.
فتارة يستندون على القرآن الكريم، وهم لم يقرأوا له تفسيرا يوما ما.
ويشيرون الى روايات لم يبحثوا يوما عن سندها وقائلها، بل ورثوها كما ورثوا كل الجينات الذكورية التي منحتهم سلطة الولي والحاكم والقاضي.
ومن ألطف ما تناهي الى سمعي خلال الاشهر الماضية ما قاله البعض: (لكي تقلل المرأة من العنف ضدها عليها ان تكون مطيعة لزوجها، وان لا تخالفه بالرأي وبالتالي لن يصيبها أي مكروه!!).
بعبارة أخرى: ما دمت ايتها المرأة صامتة، فأنت بخير.
هو فقه الصمت، ذلك الفقه الذي يحكم جمهورية السلاطين ليكون عونا لهم في إسكات الناس واستمرار استبدادهم، فكلما صمت الناس، كلما استحكم حكم الطاغية واستمر بقائه.
أراه ساري المفعول في جمهورية الرجل أيضا!
فالمرأة، بكل فئاتها (أم/ بنت/ اخت/ زوجة / زميلة) وفي جميع مواقعها داخل البيت وخارجه، كلما صمتت، كان ذلك أفضل لها وله ولنا!!
هذا ما على المرأة ان تفعله، وتحديدا المرأة العراقية.. حتى تكون بمأمن من ممارسة العنف ضدها.
لذلك فعندما أرى تلك الهالات السوداء والزرقاء التي تحيط بعيون المرأة الجميلة لتزيد من بشاعة واقعها، في ثنايا يومياتي المتكررة، أتساءل: إلى متى؟!
فيجيبني دمعها الصامت: أين أذهب؟ وما هو مصير أولادي؟!
فأدرك سرَ صمتها المقدس.
وغالبا ما تحيط تلك الهالات السوداء والزرقاء قلب المرأة، فيتعذر على الآخرين رؤيتها، ولكني أراها وأتحسسها بصمت كصمت الوجع الساكن في عينيها.
يا ترى أيهما أشد قسوة، وجع العين أم وجع القلب؟!
وما هو حكم الوجعين في فقه الصمت؟!