الرئيسية » الآداب » الربيع الطائفي يحرق آخر أوراق الخريف الديمقراطي العربي

الربيع الطائفي يحرق آخر أوراق الخريف الديمقراطي العربي

مظاهر الخريف الديمقراطي العربي التي دامت فصولها طويلاً بكل مرارة في الدول العربية المحكومة بالكامل من قبل أنظمة أستبدادية، بالرغم من التباين الواضح في أداء وأدوات كل منها، أستحوذت على السلطة لعقود طويلة وقد تجاوز أحداها القرن من الزمن دون أن تحقق شكلاً مقبولاً بدرجة ما من أشكال التقدم الحضاري والثقافي الذي أجتاح منذ أكثر من قرنين من الزمن مناطق واسعة من مايسمى اليوم بالعالم المتحضر والمتقدم كما لم تستطع إيجاد أية آليات لتداول السلطة ومشاركة الشعوب لها بما يحقق قدراً من الديمقراطية والحرية والعدالة مما تسببت بخلق هوة واسعة تشمل الكثير من المجالات العلمية والثقافية والسياسية والإقتصادية والأجتماعية مابين هذه الشعوب وشعوب العالم المتحضر.
لقد أعتمدت الأنظمة العربية وبمساعدة أطراف دولية مستفيدة متعددة في المحافظة على السلطة عن طريق تكريس برامج سياسية وثقافية وفكرية متنوعة كان العامل المشترك فيها على مدى عقود وعند جميع هذه الأنظمة هو العمل على أشغال الشعوب العربية بالصراع العربي الأسرائيلي المفتعل وتبني الفكر القومي المتعصب والمتجذر في قطاعات واسعة من هذه الشعوب لأسباب تأريخية عديدة. وفي هذا المجال أيضاً عملت على دعم الكثير من التيارات والطوائف الدينية الأسلامية التي تروج لأفكار دينية تصب في صالح بقاء هذه الأنظمة وتحرم الخروج عن طاعتها في الوقت الذي تعمل على أدامة هذا الصراع المفتعل مع سيطرة هذه الأنظمة على مفاتيح إدارته وتوجيهه حسب المقتضيات والبرامج الموضوعة لذلك. وبغض النظر عن الممارسات القمعية البشعة التي مارستها هذه الأنظمة لحماية سلطتها وبالرغم من التباين الواضح في هذه الممارسات أيضاً، إستطاعت فعلاً هذه الأنظمة من الإستمرار والبقاء في السلطة وتكريس (توليفة) ثقافية قومية طائفية تكاد تسيطر على عقل وتفكير غالبية هذه الشعوب وعلى أجيال متعددة منها على إختلاف طبقاتها وتوجهاتها وإنتماءاتها بحيث أنها تشكل إعاقات فكرية مستفحلة لايمكن علاجها على مديات زمنية قريبة.
تمسك هذه الأنظمة بالسلطة والإستمرار بممارسة الإستبداد رغم فشل أو إستهلاك المشاريع القومية التي تبنتها هذه الأنظمة وعمليات الأستسلام المذلة مع إسرائيل والتراجع العلمي والثقافي والحضاري الذي خلفته هذه الأنظمة والأزمات الإقتصادية الخانقة التي تعاني منها معظم الشعوب العربية وتنامي التيار الأسلامي المتطرف لأسباب وأحداث دولية وأقليمية معروفة مرت بها المنطقة بالإضافة إلى إنتشار وتطور وسائل الأتصال والأعلا م والميديا بشكل عام وأطلاع هذه الشعوب على التقدم الحضاري والنظم الديمقراطية والرفاهية الأجتماعية في العالم. كل ذلك عمل على خلق أرضية صالحة لحراك جماهيري كبير وحاجة ملحة للتغير بأتجاه أستخدام الوسائل الديمقراطية والسلمية لتداول السلطة والمطالبة بأطلاق الحقوق والحريات والخلاص من هذه الأنظمة العربية الفاسدة. ومع بدأ مظاهر الأحتجاج والمسيرات الشعبية العارمة التي أجتاحت الشارع العربي أصيبت هذه الأنظمة الهزيلة بهلع وإضطراب كبير في أركانها الواهية أصلاً وإستبشر العالم كله خيراً بربيع عربي قادم يعمل على نشر الحرية ويضمن حقوق الأنسان ويوفر له حياة كريمة وأزدهار المنطقة المنطقة أقتصادياً لما تمتلكه من موارد وثروات طبيعية هائلة.
المظاهرات السلمية التي قادتها طلائع من الجيل الجديد من الشباب والمثقفين والتقدميين والتي أنظم إليها لاحقاً قطاعات مختلفة من الشعب كانت تثير القلق والمخاوف في أوساط الكثير من المهتمين بالشأن السياسي في المنطقة حول أمكانية هذه الطلائع الشابة في المحافظة على التحكم في بوصلة وتوجيه هذه المسيرات في تحقيق أهدافها التي خرجت من أجلها ومن أدارة الوضع السياسي بعد زوال الأنظمة وسط قوى وأحزاب لها أمكانيات خطيرة ترعرعت في ظل هذه الأنظمة من مختلف الأطراف المشاركة في الأنظمة والسلطات السابقة أو خارجها بالأضافة إلى تأثير الأوساط الدولية والأقليمية التي أعتادت التدخل في شؤون المنطقة بطرق شتى تحت عنوان حماية أمنها ومصالحها في المنطقة. أن عدم الخبرة وغياب البدائل والآليات الفاعلة في أدارة كل هذه الأوضاع والملفات كانت تعزز هذة المخاوف في ظل خطر أكبر متمثل في الأرث الثقافي المتخلف التي ورثته هذه الشعوب من أنظمتها الفاسدة على مدى عقود طويلة من الزمن. ولتبسيط الفكرة، فالسؤال الذي يطرح نفسه بأستمرار في هذا الصدد هو كيف يمكن لشعوب تتخذ غالبية أفرادها من رموز الأجرام والدكتاتورية و التخلف والأرهاب مثل صدام وإبن لادن مثلاً أعلى وقدوة لها أن تمارس الديمقراطية وتحترم الحريات وتراعي حقوق الأنسان؟
إن معظم الأنظمة العربية وبالرغم من كل ممارساتها الأجرامية وبرامجها المتخلفة في أدارة الحكم إلا أنها تحاول أن تعطي عن نفسها إنطباع على أنها أنظمة مدنية تواكب حركة التقدم والتطورفي الحياة وكانت تعمل على ترك هوامش ضيقة من الحرية الشخصية للفرد والتي لاتمس أمن هذه الأنظمة كالملبس والمأكل وبعض مجالات الفن والأدب مع الرقابة الشديدة المفروضة على مثل هذه الفعاليات ومحاولة هذه الأنظمة توظيفها لصالحها.هذه الهوامش الضيقة كانت توفر للفرد متنفس مهماً على الصعيد الشخصي وكانت تلعب دوراً غير مباشر في التأثير بالوعي الجمعي بأتجاه التقدم والتطور الحقيقي لذلك كانت على الدوام مصدر قلق مهم لهذه الأنظمة وبالفعل أن بوادر الدعوة للتغيير وتحريك الشارع العربي إنطلقت من الهوامش الضيقة لتتسع وتأخذ مدياتها الطبيعية وبالنتيجة الإصطدام مع هذه الأنظمة. ويبدوا من تلاحق الأحداث أن القوى الدولية والأقليمية والداخلية المتربصة لهذه الشعوب والتي لا تريد لها تقدماً حقيقياً كانت تعي مبكراً كل هذه التوجهات وأستطاعت فعلاً أن تركب موجة الأحتجاجات الشعبية وتحرفها عن أهدافها الحقيقية بأستثمار الأرث الثقافي المتخلف الذي تركته الأنظمة الفاسدة. والحصيلة هي أنهيار أنظمة عربية تعد أقل سوء بكثير من الأنظمة الباقية وبدعم مباشر وقوي من أنظمة عربية هي الأفسد والأكثر تخلفاً ليس في المنطقة العربية فحسب بل في العالم أجمع وبمباركة ودعم أطراف دولية وأقليمية تعتبر اللاعب الأساسي والمستفيد الأساسي من أنحراف هذه المسيرات الجماهيرية الحقيقية. وما نشاهده اليوم من صعود للتيارات الأسلامية وأستلامها لمقاليد الحكم والدعوة إلى السلفية وتكريسها لثقافة العداء والتطرف والطائفية والتدمير المبرمج للبنية التحتية ولمؤسسات الدولة المدنية والعسكرية ومظاهر العنف والذبح والقتل التي تمارسها جماعات مسلحة متطرفة أرهابية في مناطق أخرى هو إعلان واضح للقضاء على كل الآمال بتحقيق مجتمعات ديمقراطية حرة حقيقية والقضاء تماماً على الهوامش الضيقة التي كانت نقطة أنبعاث هذه الآمال وقيادة المنطقة نحو هاوية الحروب والدمار والبؤس والتخلف والمزيد من التراجع والأنحطاط علماً أن أزاحة الأنظمة الجديدة أصعب بكثير من سابقاتها.