الرئيسية » الآداب » إحساسات فادحة – عصافير الجوع المكابرة

إحساسات فادحة – عصافير الجوع المكابرة

ما زالت تطل على نافذتي عصفورة صباحية، تزقزق بشجن غريب، تحثني على نفض الكسل عن جثة محنطة صلبها الانتظار على رصيف الذكريات، لعلها تظن أنني مستغرق في نوم هادئ، فما أن تصدر أول ألحانها القارصة إلا وتراني قد قلت لها: صباحك شوق أيتها الرسولة القادمة من الذكريات المحنطة، فتطير بلا رجعة حتى اليوم التالي وهكذا، اعتادت على هذا مدة ما يزيد عن شهر، وما زلت، فمن ذا الذي أدراها بما يعتمل في جوانب النفس المتشظية وَلَهَاً بلا حد، وليس له منتهى.
من ذا الذي أدراها أن عصافير الجوع في ذاكرتي ما زالت مصابرة مكابرة، عطشى لبعض ماء من دنّ رحلت صاحبته، وتركت الجوع مستفحلا في روح تولهت وتعذبت، وتردت في مهاوي الشقاوة، لا طبيب أو حبيب أو صاحب لبيب يفهم مرمى الحالة ووجع القلب الناخر في جسم تكاملت أناته، ليكون أثيريا لا يفكر إلا في الخلاص من تلك المراجل التي تكويه بنارها صباح مساء!!
تجيء العصفورة باكورة كل يوم لتعلن أنها ما زلت تعرف عني وتتضامن معي، إذ قل الأصحاب والأحباب، تأتي كل يوم لتكون معادلا موضوعيا لتلك الراحلة، وكأن روحها سكنت هذا الطائر الشفاف، ليقول لي كل صباح “يومك فل، ونهارك عسل”، تأتي معلنة أن ما خفي من عالم لا تعرف تفاصيله قد يكون جميلا ورحيما، لعل الحجاب قد رفع عنها لتكون السبب في جلب التوازن لحياة تشبث بها الخراب من كل زاوية.
وإلى أن يشاء الله، ستظل الفكرة متوهجة على وقع الشجن الغريب الجريء الذي يزداد اشتعالا يوميا، فليس بمقدور بشر أن ينسى أن تلك اللحظات الهاربة من الزمن الرديء ستنتهي بهذه القطيعة والفاجعة، مخلفة هذه الأحاسيس الفادحة، إنها لن تعترف ولن تقر بأن هذا ما حدث أصبح واقعا، فكيف لها أن تنسى رنة القلب في سويداء القلب من عمق القلب كلمة خرجت متشكلة بحروف أربعة تقول في كل ثانية “أحبك”، مكررة في ليلة واحدة من ليالينا الجميلة ما يقارب مائة مرة، كيف له أن ينسى أن الحالة تخطت الكينونتين لنغدو روحا واحدة في جسدين، كيف لا أشعر بالجوع القاتل؟ وكيف لا تظل عصافير الشوق طالبة ماء الوصال مكابرة مصابرة منتظرة الفرج، الذي سيأتي عاجلا وآجلا إن كانت تلك الكلمات التي قيلت فعلا قد خرجت من قلب سقاه الحب روحه، وحرقه بلهيبه، ليخرج منه كل أدران النسيان، ليظل متألقا ذاكرا داعيا إلى التواصل الآسر.
لن أصدق إلا قلبي وأحاسيسه، ولن أكذّب تلك اللغة، لغتها وكلماتها التي فاضت وفاضت حتى أغرقتني في بحور من العسل الشهي، فلعلك أدركت أينا المقتول المصلوب على رصيف الشوق، محروقا بغيابك، ستأتين إن كنت فعلا تحبين، وما زالت عصافير الشوق ساكنة حيث كانت تناديني بكل ما أوتيتِ من جمال يأسر الروح والعقل قبل أن يخطف الأبصار!!
لي الله وعليك السلام
ف.ح
27/6/2012