الرئيسية » مقالات » منابع التأزم في العملية السياسية بالعراق ومعالجاتها

منابع التأزم في العملية السياسية بالعراق ومعالجاتها

تشهد الساحة السياسية العراقية هذه الأيام تحركات بين عدد من الكتل السياسية في محاولات منها للانضمام الى بعضها البعض وتوحيد كلمتها من أجل الجلوس تحت قبة البرلمان والتصويت على سحب الثقة من رئيس الوزراء نوري المالكي.
وإذا كانت عملية سحب الثقة، أو التلويح به، عن الحكومات أو الرئاسات أو الوزراء أو رؤساء الهيئات القضائية، من خلال السلطة التشريعية، ممارسة ديمقراطية برلمانية لا شائبة عليها، وحدثت وتحدث في الغالبية الساحقة من الدول الدستورية، وتدخل في عداد إجراءات الرقابة النيابية على سلوك السلطات الأخرى، وتكريس مبدأ المراجعة والمحاسبة والتصويب، فان لها في العراق نكهة الأزمات السياسية المستمرة والمتفاقمة، على الرغم من ان الأزمة السياسية التي يمر بها العراق اليوم هي الأخطر منذ عام 2003، اذ لم يصل مستوى الخلافات الماضية الى ما وصل اليه اليوم من تراشق إعلامي وتبادل للاتهامات وتهديدات بسحب الثقة، ما ينذر بعواقب خطيرة على مسار العملية السياسية وحتى على الوضع الأمني في العراق، إذا لم يتم التوصل الى اتفاقات محددة او تسوية سلمية مدارها الحوار وإعادة بناء الثقة بين أقطاب العملية السياسية على أرضية المصلحة الوطنية.
وفي سياق هذه الأزمة وسابقاتها يصبح من الضروري بمكان التساؤل عن منابع هذه الأزمات، سبيلا لتجفيفها بمعالجات عملية تكون بمثابة مصدات أمام احتمالية عودتها بالمستقبل، وسيكون مدخلنا الى ذلك، التشبث بتحليل أزمة بعينها كأزمة سحب الثقة من السيد رئيس الوزراء بوصفها الأزمة السياسية الأكثر شدة واستمرارا والأعمق تأثيرا على مستقبل العملية السياسية في العراق الجديد.

أولا: منابع التأزم ومقدمات الأزمة الراهنة

عند الانطلاق في طريق تحليل الأسباب الحقيقية التي تقف وراء تصاعد أزمة الثقة الأخيرة، لابد من البحث عن الإطار العام الذي تنضوي تحت لواءه والمنبع الرئيس الذي تنبع منه كل الأزمات السياسية في العراق بعد عام 2003.

الطائفية والعرقية المسيسة
فلم يعد خافيا ان النظام السياسي في العراق تم تشكيله على أسس المحاصصة الطائفية والعرقية المسيسة؛ فكانت بمثابة الضمانة الوهمية للتعايش بين القوى السياسية وامتداداتها في المجتمع العراقي دون ان يكون لها امتدادا حقيقيا في التاريخ الاجتماعي للعراق الحديث. فكانت المخرجات الطبيعية لهذه الصورة المفروضة تتمثل في استفحال عنصر انعدام الثقة بين مكونات الشعب العراقي بفعل التأثير السلبي للقوى المتصارعة على الحكم والمحتمية بالادعاءات الطائفية لاستدراج مجال الشرعية الذي يمكنها من البقاء في قمة السلطة من خلال استغلال التوظيف السياسي لهذه الادعاءات الطائفية في كسب الأصوات الانتخابية الماثلة في الممارسة الديمقراطية للعراق الجديد…. وهكذا استبد عنصر فقدان الثقة بين القوى السياسية الطائفية والعرقية، وكانت حكومة نوري المالكي نتيجة أخرى من نتائج غياب الثقة الى جانب الصراع الطائفي السياسي.

المتغير الاقليمي والدولي
وقد زاد من تفاقم هذه الأزمة دخول المتغير الاقليمي والدولي بقوة على حساب التوازنات السياسية وصراعات أقطاب السلطة بسب الاجندات الاقليمية التي تحملها الكتل السياسية من جانب والمصالح التي تحاول تلك القوى حمايتها وقطع الطريق على غيرها من جانب اخر؛ حتى انقطع خط التواصل المباشر بين شركاء العملية السياسية وارتفع حاجز الشك التوجس بينها ليصل في أكثر من مناسبة الى الاصطدام والصراع المحتدم على تامين مساحات النفوذ.

شخصنة السلطة
المصدر الآخر للازمات السياسية في العراق يقوم على شخصنة السلطة والاستئثار بها بعيدا عن اي دور حقيقي للمؤسسات السياسية وهذا الامر قد شمل الأحزاب المشاركة في العملية السياسية التي لم تكن احزاب برامج وايديلوجيات حقيقة مثلما كانت احزاب شخصية. وما بين التقديس والتدنيس لشخصية الحكام المتعاقبين على سدة الحكم في العراق تدور دائرة الازمات السياسية
، فمثلما تؤدي مشكلة التقديس إلى غض النظر عن تجاوزات الحاكم، فان تدنيس هذه الشخصية قد يفضي الى تجريم كل أعماله واتهامه مهما كانت درجة النبل والمثالية في قراراته ومواقفه؛ حتى لايبقى غير منطق الشك والصراع واللعبة الصفرية بين من يملك السلطة وبين من لايملك منها شيء.
ولاننس في هذا المقام الذي يجعل من السلطة غنيمة وامتياز، فظل التاريخ الاجتماعي للعراق الذي رسخ في الوعي الحضاري لأبناء هذا الوطن تركة ثقيلة من ذكريات الاستبداد بالسلطة واستغلالها في حصد المكاسب الشخصية والطائفية؛ فكانت محصلة ذلك انقسام وتباين في النظرة الى سلطة الحاكم بين متوجس وبين حاسد مترقب وهذا الامر قد شمل حتى شركاء العملية السياسية في العراق.
وإذ يجري الان، وعلى نطاق واسع، مناقشة اللجوء إلى “سحب الثقة” من حكومة “الشراكة الوطنية” فليس من قبيل كشف السر القول بان هذه المناقشة تتركز على شخص رئيس الوزراء، سياسةً وأداءً، ومن هنا تبدأ أولى مشكلات هذا الخيار، فان التجربة أكدت بان استبدال الأشخاص لا يحل أزمة الحكم القائمة على معادلات افتراضية خاطئة، ومنتجة للازمات، كما أن “الرجل المنقذ” البديل وصاحب الحلول السحرية كف عن الخروج من اتون تلك المعادلات، بديلا عن “الإرادة الجمعية” التي أضاعت زخمها في سياق الصراع على السلطة.
أن العراق يشهد خلافات منذ تشكيل الحكومة العراقية التي جاءت بعد مخاض عسير دام نحو تسعة أشهر على خلفية خلافات بين الكتل على تشكيلها، لكنها بقيت من دون الوزارات الأمنية الداخلية والدفاع والمخابرات التي توزعت بين المكونات الرئيسة في العراق الشيعة والسنة والكرد. وبقيت تدار حتى اليوم بالوكالة وبإشراف رئيس الوزراء باعتباره القائد العام للقوات المسلحة، الأمر الذي جعل الكتل السياسية تتهم رئيس الوزراء السيد نوري المالكي بالتفرد والديكتاتورية وعدم إشراك بقية الكتل في القرارات السياسية، والاستحواذ على المناصب السيادية والأمنية ومجالس الإسناد والهيئات المستقلة. فضلا عن الملفات والوعود العالقة التي قطعت حبال الود بين دولة القانون وبين معظم شركاء العملية السياسية بما فيهم التيار الصدري الذي يحمل هو الآخر حافظته الخاصة من الملفات التي لم تنجزها الحكومة لسبب او دون سبب.

وباستنطاق فقرات الدستور تطالعنا المادة 61 من الدستور العراقي التي نصت على أن:
1. “لرئيس الجمهورية، تقديم طلبٍ الى مجلس النواب بسحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء.
2. لمجلس النواب، بناءً على طلب خُمس (1/5) اعضائه سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء، ولا يجوز ان يقدم هذا الطلب الا بعد استجوابٍ موجهٍ الى رئيس مجلس الوزراء، وبعد سبعة ايام في الاقل من تقديم الطلب.
3. يقرر مجلس النواب سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء بالأغلبية المطلقة لعدد اعضائه.
4. تُعدُ الوزارة مستقيلةً في حالة سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء.
5. في حالة التصويت بسحب الثقة من مجلس الوزراء بأكمله، يستمر رئيس مجلس الوزراء والوزراء في مناصبهم لتصريف الامور اليومية، لمدة لا تزيد على ثلاثين يوماً، إلى حين تأليف مجلس الوزراء الجديد وفقاً لاحكام المادة (76) من هذا الدستور”.
ومن النص اعلاه يتبين ان هناك طريقان لسحب الثقة من الحكومة، يتمثل أولهما والاسهل من بينهما بطلب يقدمه رئيس الجمهورية الى مجلس النواب يتم على إثره التصويت بسحب الثقة بالأغلبية المطلقة لعدد أعضاءه الكلي من دون اللجوء الى استجواب لرئيس الوزراء. وهذا الطريق تم استبعاده بعد الرسالة التي وجهها السيد رئيس الجمهورية الى قادة الكتل معتذرا فيها ولأسباب موضوعية عن استخدام هذه الورقة الضاغطة.
أما الطريق الثاني فيتمثل بتحريك خمس أعضاء مجلس النواب لطلب سحب الثقة من رئيس الوزراء ليتم بعد ذلك استجوابه بعد سبعة ايام من تاريخ وصول الطلب الى السيد رئيس الوزراء وهو الخيار الاصعب لا بدلالة الثقل الصوتي المطلوب لسحب الثقة، وإنما لضرورة ان تتوافر القناعة والشروط الموضوعية لسحب الثقة عن رئيس الوزراء فضلا عن الاحراجات السياسية التي قد يسببها مثل هذا الاستجواب لكثير الكتل التي لم تبد التعاون المطلوب ابان انخراطها في سلك الحكومة او التي كان لها نزوعا انتهازيا تدميريا لعموم مسار العملية السياسية الى جانب ملفات الفساد التي تتكتم عليها بعض الكتل لبعض نوابها والمحسوبين عليها.

ثانيا: أطراف الأزمة وتعقيداتها

1- الأطراف الداخلية
في الوقت الذي تتفاعل فيه أزمة سحب الثقة عن رئيس الوزراء العراقي نورى المالكي، التي فجرها اتفاق اربيل والنجف بين قائمة “العراقية” بزعامة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوى، الخصم السياسي الأبرز للمالكي، ورئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، والتيار الصدري.
ومع استئثار كل طرف بما لديه من مكامن القوة، ومحاولة إعادة رسم المشهد لصالحه، يبدو الوضع العراقي أكثر هشاشة وأقل اتساقا مع ما تقتضيه تلك المرحلة من تغليب للمصلحة الوطنية العليا للعراق وتناسى المصالح الفئوية والجهوية خاصة تلك التي تأخذ بعدا طائفيا.
وكانت رئاسة الجمهورية العراقية قد أعلنت عن تسلم طالباني تواقيع أعضاء من مجلس النواب لسحب الثقة من رئيس الوزراء نوري المالكي، وأنه أمر بتشكيل لجنة للتدقيق بتلك الرسائل والتواقيع وإحصائها تفادياً لأي طعون أو شكوك في صحتها وضماناً لسلامة العملية الدستورية في البلاد.
الا أن “رئيس الجمهورية لم يوقع على طلب سحب الثقة عن الحكومة الحالية لسببين أولهما أخلاقي والأخر قانوني”، يتمثل “السبب الأخلاقي بكون الرئاسات الثلاث جاءت بصفقة واحدة وليس من الحق أن يتم سحب الثقة عن احدهما، والقانوني هو أن رئيس الجمهورية لم تتولد لديه القناعة بضرورة سحب الثقة عن الحكومة”.
وما تقدم يعني ان الاطراف المعارضة ستضطر الى اعتماد الخيار الاصعب المتمثل باستجواب السيد رئيس الوزراء في البرلمان كورقة اخيرة لديها بعد تراجع عدد من نواب العراقية وإعلانهم معارضتهم سحب الثقة من المالكي ما يحول دون وصول عدد الأصوات (164 صوتا) كأغلبية كافية للتصويت على سحب الثقة.
ويأتي هذا التوجه من قبل الكتل المعارضة للمالكي كمخرج من الحرج الذي قد تقع فيه أمام جمهورها بعد إصرارها وتأكيداتها أن سحب الثقة أمر في حكم التام وبانتظار جلسة طارئة لتنفيذه.
إلا أن الائتلاف الوطني الشيعي الحاكم الذي ينتمي إليه المالكي رفض تلك التوجهات مدعوما بقوى سياسية أخرى، وتمسك- في مقابل ذلك – بالسير باتجاه التهدئة وبمبادرة الرئيس جلال طالباني بعقد مؤتمر وطني تشارك فيه كل الأطراف، مؤكداً انفتاحه على الحوار مع الشركاء السياسيين.

2- الأطراف الخارجية
كلما تصاعدت الأزمة السياسية في العراق زادت تحركات الكتل السياسية باتجاه دول الجوار العراقي، على شكل زيارات فردية أو وفود سياسية، ويرى مراقبون ومحللون سياسيون أن المشهد السياسي معقد للغاية، ويبدو فيه دور دول الجوار أكبر من دور وتأثير الولايات المتحدة الأميركية بعد أن قامت بسحب قواتها من البلاد نهاية العام الماضي.
والملاحظ ان إيران تعد من الأطراف الإقليمية الأكثر حضوراً وتأثيراً في المشهد العراقي، بحكم علاقاتها الواسعة مع مختلف الأطراف السياسية العراقية الكبيرة التي تمتد لأكثر من ثلاثة عقود من الزمن، والمصالح والروابط الاقتصادية والتجارية والدينية والثقافية الواسعة بينها وبين العراق، فضلاً عن وجود اجندات خارجية من قبل أطراف إقليمية ودولية تهدد الأمن القومي الايراني، من الطبيعي جداً ان تدفع طهران دوماً الى المبادرة والتحرك.
وفي تطور لافت، كشف المتحدث باسم زعيم التيار الصدري صلاح العبيدي، عن لقاء جمع وفد من التيار في طهران بوفد إيراني رفيع المستوى للتباحث بالأزمة الحالية، فيما بيّن أن إيران تؤكد على دستورية سحب الثقة من رئيس الحكومة نوري المالكي، أشار إلى أنها في الوقت نفسه تضغط على أطراف سياسية لإبقاء الأخير.
وأوضح العبيدي أن “الجانب الإيراني أكد أن مسألة سحب الثقة مسألة دستورية”، لافتاً إلى أن “هناك ضغطاً من الجانب الإيراني على بعض الأطراف لعدم سحب الثقة”.
وأضاف المتحدث باسم مقتدى الصدر “توجد محاولات من الجانب الإيراني على المالكي كي يلتزم بنقاط اربيل التسع ولو بعد فوات المدة”.
وفي ذات الوقت يؤكد مطلعون على بعض ما يدور خلف الكواليس ان المحور التركي ـ القطري ـ السعودي دخل على خط الأزمة بإيقاع عبر بوابة انقرة، باعتبار ان الأخيرة لا تثير حفيظة بعض الأطراف والقوى السياسية العراقية بنفس القدر الذي تثيره الدوحة والرياض، وتشير المعلومات الى ان جهوداً تبذل من العواصم الثلاث لإضافة عمان (الأردن) الى هذا المحور الثلاثي لترجيح وفرض خيار حجب الثقة عن رئيس الحكومة نوري المالكي، فيما تريد الولايات المتحدة إيجاد حل وسط للأزمة، بينما لا تؤيد إيران حجب الثقة عنه”.
ما تقدم يدفع الى الاستنتاج ان الهدف الستراتيجي المهم الان للسعودية وقطر هو “القضاء على بشار الأسد في سوريا ونوري المالكي في العراق”. ضمن منحى تصعيد الصراع الطائفي الذي انخرطت فيه القوى الاقليمية سبيلا لتغييب دور العراق عن المجتمع الدولي بعد أن حظي باهتمام عالي وثقة من جميع دول العالم، وبنفس الوقت سيكون العراق ساحة للصراع الإقليمي بين الدول المحيطة وكل دولة تعتزم أن ترسل أجنداتها السياسية لتحصل على موطئ قدم سياسي، وستلعب أمريكا هنا دوراً مهماً وربما تزيد من نفوذها بحجة حماية مصالحها والحفاظ على أصدقائها من أعداء العراق، بتغير السيد المالكي سيفقد العراق الكثير لان الطريقة لم تكن قانونية وستجعل أعداء العراق والخلايا النائمة يواصلون اعتداءاتهم على المؤسسات واستهداف الشخصيات والرموز الدينية لغياب الدور الأمني والاستراتيجي، وقد تحصل بعض الأمور غير متوقعة.
فعلى جميع الكتل السياسية أن تنحني لشعب العراق الذي تحدى الإرهاب وصوت لصالهم بعقد مؤتمر يضم جميع القوى والكيانات السياسة لتناقش فيه كل الخلافات والأزمات وفيصلهم الأول والأخير هو الدستور وأمام أعين الشعب ليكون شاهداً وحاكماً عليهم، مع أن الحكومة استطاعت أن تلحق بالإرهاب الهزيمة وحققت بعض الانجازات في المجال الاقتصادي والعمراني وهي في طور تقديم أفضل ولكن التحديات والمؤامرات تطرحها أرضا بين فترة وأخرى على حساب الشعب المسلوب الإرادة في جميع الأزمات السياسية المغيب دوره والمصادر صوته.

ثالثا: أبعاد الأزمة ومعالجاتها
قد يكون من الصواب الاعتقاد أن سحب الثقة عن رئيس الوزراء ” سيؤدي إلى الوقوع في المجهول”. مثلما قد ينذر بإدخال العراق في فوضى عارمة تتفاقم في كنفها الاحتقانات الطائفية والأعمال الإرهابية مرة ثانية لتمزق جسد العراق؛ وقد لا يتوقف العنف حتى اذا أعيد السيد المالكي مرة ثانية للحكم. ولن تكون وحدة العراق في مأمن إذا اشتدت حدة الصراع وسارع المراهنون على تفتيت العراق الى حصد ثمار سعيهم الدؤوب في ظل هذه الأجواء الاحتدامية.
وإذا كان التحفظ الأكبر على أعمال الحكومة الحالية يلتحف كثيرا بمحدودية قدرتها على تقديم الخدمات وبخاصة في أجواء الأزمات المتوالدة، فان البديل الذي تستجير به كتل المعارضة، لن يكون أكثر قدرة ومراسا على مواجهة الاخفاقات التي ستتصاعد في القادم من الأيام لتجهز على الأمل الخافت الذي انبثق من تحت رماد صراعات السياسيين بعد ان استنزف الكثير من موارد الدولة وعمرها الأمر الذي فيه انعكاس سلبي على الحياة الاقتصادية للشعب العراقي.
وفي حالتي سحب الثقة او فشلها لن يبق مجالا للشك ان السيد رئيس الوزراء سيخرج من الأزمة أقوى من قبل بعد أن زاد مناصروه حتى في مناطق كانت مغلقة على خصومه مثل الموصل والانبار اللتين شهدتا في الأيام الماضية تظاهرات مؤيدة له شعبية وسياسية.
ولاننس بالمقابل ان تجحفل الخصوم وتشاطرهم لرؤية – مهما أصابت نسبةً من الحقيقة – يؤشر بحد ذاته حالة من اختلال التوازن في المعادلة السياسية ويضع مجالا لضرورة المراجعة الشاملة لها للتحذير من انفراط عقد الشراكة او التوجه للانفراد بتسيير أمور البلاد.
فالعراق اليوم لم يعد يحتمل ضغط الأزمات ومفاجآتها، والشارع العراق ينظر بعين الحسرة الى ما وصل اليه حال السياسيين في بلدهم؛ اذ أن انشغال النواب بالأزمات على حساب دورهم التشريعي والرقابي، وانشغل الوزراء بقطيعتهم وحنقهم على غرمائهم في العملية السياسية، وأضحت جلسات النواب والوزراء تسير الى غايتها الغائبة بين جزر وجزر اكبر.
فما السبيل الى الخروج من خانقة هذه الأزمة؟ وقبل هذا وذاك ما السبيل الى احتواء كل مسببات التأزم في المستقبل والوقاية منها قبل البحث عن علاجها؟

1- المعالجات المطروحة للازمة الراهنة
يضع بعض المحللين والخبراء ثلاثة بدائل للخروج من الأزمة:
يتمثل أولوها في سحب الثقة عن السيد رئيس الوزراء وما يتمخض عن ذلك من صعوبات جرى الاشارة اليها سابقا.
ويأتي الحل الثاني الى ضرورة إجراء انتخابات مبكرة، ويبدو هذا الخيار أفضل من الأول، لانه يعني الاحتكام الى الشعب بوصفه صاحب السلطة والمصلحة، ولان الكثير من أوراق الكتل السياسية قد انكشفت تحت ضوء التهافت على السلطة والمصالح الضيقة. وبالتالي قد تفرز الانتخابات المبكرة قوى سياسية جديدة أو وجوه سياسية قد يتناغم ظهورها مع متطلبات مرحلة التطور الحالية في العراق.
فيما يكمن الحل الثالث، واراه الأفضل والأقرب الى الواقع، في الحوار الوطني الشامل واصلاح العطب المزمن في بنية السلطة السياسية. والإصلاح الذي ننشده لا يعني المساومة والحلول الترقيعية والتوافقات على حساب مصلحة الشعب لان مثل هذا الأمر سينذر بولادة أزمات لاحقة مصحوبة بتفاقم عناصر انعدام الثقة بين الكتل والاستقواء بحامياتها الإقليمية على حساب شركاءها في الوطن والعملية السياسية.
وهنا يمكن تأكيد الرأي الذي يقول أن مفهوم الإصلاح سيبقى عائماً وغامضاً وفضفاضاً ما لم تحدد مساراته وسياقاته ومضامينه، وهذا لن يتحقق الا بتفاهم وتوافق حقيقي بين الفرقاء، أي بعبارة اخرى لن يتحقق الا ببناء الثقة التي اهتزت وانهارت بصورة شبه تامة ـ ان لم تكن تامة ـ بعد الأزمة الأخيرة، وبناء الثقة يتطلب من الجميع تفهماً وقبولاً وإقرارا بحقائق الواقع ومحددات الدستور، والتزامات ومقتضيات الشراكة في بلد لا سبيل لاستقراره ونجاحه الا سبيل الشراكة.

2- المعالجات المقترحة للازمات المستقبلية
يقف في مقدمات ما يمكن اقتراحه من معالجات للحيلولة دون تكرار مشاهد التأزم في الحياة السياسية العراقية ضرورة تخلي قادة الكتل عن منطق افتعال الأزمات كوسيلة لتحقيق المكاسب السياسية وترميم القاعدة الشعبية واستبدالها بقاعدة تطوير القدرة على الانجاز الفعلي الذي يصب في خدمة العراق وشعبه فهو السبيل الأوفى والضمانة الأكثر أمنا في وجه مؤامرات الخصوم.
كما ينبغي استبعاد فكرة الانفراد بالسلطة او مغادرة رقعة الشراكة، كمدخل آخر لاغنى عنه للتكيف مع متطلبات المرحلة القادمة من جانب السياسيين.
وتقع بعد ذلك الحاجة الى إعادة رسم خريطة التحالفات السياسية وهيكلتها بعيدا عن منطق التنازلات الظرفية والمصالح الضيقة وعناوين الطائفية؛ لان المغامرة السياسية الاخيرة قد أكدت للجميع انه سهولة اختراق حاجز التخندقات الطائفية والمراهنة على قواعد التأييد الشعبي من خارج أسوارها وليس من ضمانة في المقابل امام احتمالية تخلي اقرب الحلفاء الذين يحملون العنوان الطائفي ذاته اذا ما تغيرت الظروف ودعت الأسباب.
وحتى مع استمرار هذه الرؤية لدى اللاعبين في الساحة السياسية العراقية، فان تقديم الحاجة لبناء وترميم الثقة بينهم سيكون مطلبا في غاية الأهمية بوجه احتمالات الوصول الى نهايات مسدودة او مطالب محرجة وأزمات اشد عصفا إذا ما تمسك الأطراف بمواقفهم او لجأوا الى أساليب أكثر التفافا لتحصيلها على حساب إفراغ الآخر من قدراته بعد اعمال أسلوب اللعبة الصفرية.
ولما كان أمر استنبات الثقة بين الفرقاء السياسيين – في الوضع الراهن – مطلبا بعيد المنال لأسباب عدة، فان المدخل الى هذه الغاية لن يكون بذات الصعوبة، إذا ما اتفق الأطراف عبر حوار شامل وشفاف، حتى قبل ان تبدأ الانتخابات، على آليات فعالة لتوزيع المغانم وحسم الخلاف في حالة حصوله مستقبلا، بعيدا عن لغة التهديد او الاحتماء بقوى خارجية او حتى اللجوء الى الإعلام لان هذا من شانه الإسهام في توسيع رقعة الخلاف والشك بنوايا الطرف الآخر مما يسبب تصلب مواقفه.
إن محصلة الانخراط في هكذا حوار مسبق بين الكتل – بقطع النظر عن مسالة توافر الثقة – سيروض الاندفاعات السلطوية وينمي في الوقت عينه روح الشراكة ويطور مع استمرار الحالة آليات فعالة تكون بمثابة مرجعيات وأدوات للوقاية من آفة التشاحن والتزاحم بين أطراف العملية السياسية، بعد أن يتمكن كل طرف من قراءة أوراق ونزوع الطرف الآخر. ولن يكون بناء الثقة بين الأطراف – بعد هذا كله – مطلبا عسيرا او بعيد المنال. وعندها ستكون قاعدة الانطلاق لتشكيل حكومة شراكة وطنية أكثر رصانة وحصانة من احتمالات الإصابة بأمراض غياب الثقة.

وثمة مصدات أخرى قد تنفع الفرقاء السياسيين اذا ما تم اللجوء اليها في مواجهة احتمالات عودة الأزمات ومنها:
– تقديم مصلحة الوطن والمواطن على ما سواها من مصالح، فهي الملاذ الأول والأخير لكل سياسي مخلص.
– الاحتكام الحقيقي للدستور والقانون وتجنب الاتفاق على ما يخالف نصا دستوريا او يسبب حرجا شعبيا، فهو الحصن الآمن من انزلاقات الاتفاقات المشبوهة والمساومات غير الوطنية.
– إعادة النظر بقانون الانتخاب، وتشريع قانون الأحزاب سبيلا للتخلص من هذه الحلقة المقفلة التي تعيشها الحلبة السياسية في العراق.
– التخلص من نزعة الاستئثار والاقصاء وروح الانتقام من الخصوم باستخدام قدرات السلطة، وهذا يفرض بدوره تكريس الفصل الحقيقي بين السلطات.
– تشكيل حكومة أغلبية بدلا عن حكومة الشراكة، إذا ما تكررت الأزمات واستعصى التوافق بين الفرقاء؛ على أن تتجنب هذه الأغلبية سحق الأقلية والمعارضين لها بالة السلطة ووسائلها القمعية.
– الابتعاد عن إثارة الرأي العام وفوضى التصريحات بين الفرقاء لأنها ستفضي الى توسيع رقعة الخلاف، وتولد ردة فعل شعبية سلبية على كل أطراف العملية السياسية.
وتبقى في النهاية كلمة لابد من قولها ورسالة لابد من توجيهها: ((يا أيها السياسيون – مهما كانت مسمياتكم- إن شعبكم ينتظر منكم الانجازات والخدمات وليس الأزمات الخانقات)).

* مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات