الرئيسية » مقالات » ازمة التيار الوطني الديمقراطي ..

ازمة التيار الوطني الديمقراطي ..




اعني بالتحديد , التيار الذي يمثل الحركة الجماهيرية العراقية والمدافع عن الحاجات والمنافع والحقوق الحيوية للمجتمع , ويعمل على تحرير دولته وثرواته واعلامه من قبضة المرابين والدلالين والوكلاء , والمتمثل حصراً بمنظمات المجتمع المدني المستقلة , كالنقابات والجمعيات والتجمعات المهنية , عمالية وفلاحية وكسبة , وحركة الشبيبة والطلبة والمنظمات الناشطة في مجالات حقوق الأنسان والمرأة والطفولة واتحادات الكتاب والفنانيين والمبدعين وغيرهم .. ولا اعني قطعاً , الأحزاب التي تطلق على نفسها بـ ( العريقة ), والتي عاشت معارضة ومساومة ومتحالفة احياناً للأنظمة الشمولية والدكتاتورية , فأغلبها من حيث صرامة العقيدة والتنظيم وقسوة المركزية في علاقاتها الداخلية ومع محيطها , اكتسبت هيكلية وذهنية وممارسة الكيان العشائري المضغوط بنظام الطاعة , لها رئيسها وسكرتيرها ( شيخها ) ولها كوادرها ومكاتبها ( سراكيلها ) ولها ايضاً قواعدها وعامتها ( فلاحيها ) المسلوبة من ابسط مظاهر التعبير عن ذاتها ومواقفها ورفضها .

اغلب تلك الأحزاب العريقة , تشكلت بمساعدة ودعم قوى خارجية , حددت لها وظيفتها كملحقات ( واجهات ) دبلوماسية وثقافية وسياسية واعلامية لهذا المعسكر او ذاك , فاصبحت التبعية نهجها الذي تعارض والأنتماء الوطني .

الأحزاب التقليدية ( العريقة ) والتي تمتد جذور بعضها الى ما قبل ائتلافها في جبهة الأتحاد الوطني المعارضة للنظام الملكي وقسم منها عارض النظام الجمهوري الأول لثورة 14 / تموز / 1958 وحكومتها الوطنية , ثم لجمهوريتي البعث الدموية , مرت في مسلسل تاريخي للتحالفات والمساومات والأنحرافات والأنتكاسات والأزمات على حساب المصالح العليا للشعب والوطن, دخلت مع بعضها في صراعات وتصفيات جسدية وفكرية وسياسية واجتماعية واخلاقية , جعلتها تتحمل مسؤولية مباشرة في تمزيق صفوف الحركة الجماهيرية , واشغالها في مواجهات لا علاقة لها في مصالحها وتطلعاتها المستقبلية , تلك الأنحرافات والصراعات ثم التحالفات للأحزاب ( العريقة ) اصبحت سبباً للتبعية والأتكالية والتخلي عن الثوابت الوطنية الى يومنا هذا .

تبرر بعض قيادات تلك الأحزاب , على ان اسباب ازمتها وضعفها وتخبطها تقف خلفه اسباب خارجية ناتجة عن الأضطهاد والمطاردة والتنكيل وشحة القدرات المادية والأعلامية , وقد تكون تلك اسباب اضافية , لكنها ليس اساس المشكلة ( الأزمة ) , ان ازمتها الحقيقية ابتداءت من داخلها واستقرت في ذاتها مع لحظة تكوينها , حيث افتقارها للمضامين الوطنية في علاقاتها مع بعضها ومع الحركة الجماهيرية , وابتلاع نهج التبعية والأنتهازية والوصولية لمجمل ادوارها , وتركها عبئاً على مستقبل المشروع الوطني وعائقاً امام الحراك الأيجابي للحركة الشعبية الواسعة , واصبحت وظيفتها حصراً , امتصاص اي تحرك مدني ايجابي مستقل ان لم تتمكن من تدميره في مهده , انها تمتلك خبر وتجارب فائقة ونفس طويل في التمويه والتضليل وتشويه الحقائق , ولا زالت قادرة عبر منظماتها شبه الميتة ونتاجات اعلامها واعلامييها على خنق اي مبادرة جماهيرية تحاول التعبير عن ذاتها وطنياً في الدفاع عن حقوقها مستقلة .

الأحزاب ( العريقة ) ذات الهيكلية المعسكرة , يكون فيها رئيس الحزب وسكرتيره قائداً مطاع حتى ولو تجاوز مرحلة الخرف من عمره , ولا يأتي بديله , الا ذاك الذي توحي به القوى الخفية, والمهيء من داخل العائلة والأسرة الحزبية مدعوماً بغلاف من الحبربشية, الرئيس او السكرتير يتحكم بقواعد الحزب ومحيطه الجماهيري عبر صرامة التوجيهات والتعليمات والقرارات , لكبسهم قطيعاً داخل الثكنة الحزبية المغلقة , ويخنق اي نفس ديمقراطي من داخلها , ليصنع منها كيان قمعي الغائي لا يرى من الحقيقة الا الوجه الذي يشير اليه الرئيس او السكرتير , لهذا يصبح الحزب وعاء للأشياء المتحجرة الضارة , لا ينضح من داخله الا المتعفن من الأزمات والأنحرافات والأنتكاسات , وحتى الشعارات الوطنية والديمقراطية التي يرفعها افتعالاً , لا بد وان تختبي خلفها ازمة او انتكاسة .

نكرر هنا للمرة الألف , على ان ازمة التيار الوطني الديقراطي داخلية , وتبقى وتستمر داخلية , وعلاجها يجب ان يكون داخلياً , اما الترقيعات والتبريرات والضمادات الخارجية , فما هي الا ضحك على الذات واصرار مبرمج لتضليل واستغفال الحركة الجماهيرية , وسوف لن تنهض تلك الحركة الممثلة للتيار الوطني وتنجز مرحلتها في التحرر والدمقراطية, ان لم تخلع عن عنق قضاياها ومصالحها ذاك الأرث العقائدي الأيديولوجي ومركزية التنظيم للأحزاب العريقة .

اليسار العراقي التقليدي مثلاً , ارهق نفسه ومعه الحركة الجماهيرية , وضيع الوقت والفرص التي لا تعوض , في البحث عن البيضة في الدجاجة او الدجاجة في البيضة , واصبح من غير الممكن التعويل عليه في ان يكون طرفاً فاعلاً في احداث تغييرات جدية في الوعي الجماهيري , ناهيك عن وهمه في ان يحصل على موقع الطليعة لها , لهذا تقف الحركة الجماهيرية حذرة من تكرار عثراتها خلف المتبقي من رموز الأنتكاسات الغابرة , خاصة بعد ان عجز عن ان يكون حاضنة وطنية تتسع لقوى تيار التحرر والديمقراطية , وهنا ليس في الأمر شماتة والجميع يدفع قسطاً من الضريبة , لكننا قلقين , ونحن نرى تقاسيم الأنكاسة القادمة اكثر وضوحاً على تحركات ونشاطات ونتاجات مثقفيه وكتابه وهم ينسجون ثوب الهزيمة القادمة .

هل ان الأحزاب التي تتشكل من بعضها العملية السياسية الراهنة , والتي استحوذت ( شطارة لا كفاءة ) على مجمل السلطات والثروات والعلاقات والأعلام , قادرة على ان تجد للعراق مخرجاً وطنياً من فوضى الأزمات وتتوقف عن ان تكون اسباباً مباشرة لتلك المعاناة الموجعة .؟

لا اعتقد : ان اغلبها تتصرف وكأن العراق فريستها , تتصارع وتتناطح من حوله وتحرص بذات الوقت على ابقاءه غنيمة مشتركة فيما بينها , لكنها ومهما حاولت, ستبقى عاجزة عن امتلاك الشارع العراقي وغير قادرة على اخضاع الذات العراقية الرافضة الى ما لا نهاية .

هنا يبقى المخرج امانة في عنق الحركة الجماهيرية والأطراف الوطنية من داخل العملية السياسية وخارجها , فقط عليها ان تكثف وتوسع نشاطها وتستثمر الهامش المتوفر من الحريات الديمقراطية لتعيد اصلاح ذاتها واعادة صياغة برامجها وبناء هيكليتها والتواضع في التوجه الى بعضها في فضاء الذات العراقية وبعدها الجماهيري , وتتخذ من السنتين المتبقيتين على انتخابات 2014 خارطة طريق بغية احداث طفرة نوعية في اعادة تشكيل حكومة وطنية تقطع خيوط التبعية وشرايين الأختراقات و وأد طاهرة الفساد ومصادر وحاضنات الأرهاب .

هل ستتحقق تلك الخطوة المتواضعة على طريق المشروع الوطني للتحرر والديمقراطية والبناء .. ؟؟ .

نعم بالتأكيد : وسينجلي ليل الأنتكاسة , ونرى للعراق وجهه الأجمل .

24 / 06 / 2012