الرئيسية » الآداب » كاساني … وملحمة درو ديني وليلاني – 3 –

كاساني … وملحمة درو ديني وليلاني – 3 –

بالرغم من المسافة القصيرة جدا من باب ـ الحوش ـ الى الغرفة حيث ذهب ـ علو ـ لجلب ال ـ موليد ـ إلا أن درو حسبها دهرا ، ومع أنه كان يتمنى ـ أيضا ـ عليه التأخر أكثر ليلملم شتات نفسه وهذه المصائب التي لم تبدأ بموت الطير وحتما لن تنتهي بغنائه ، أو حتى لو رقص ، ولكنه هو .. هذا الأمر وكله بيد هذا الثعلب ـ علو ـ قالها درو في نفسه وهويتطلع صوب الداخل ، وأخيرا هاقد شرّف .. قالها درو ..هيّا درو .. هيا إبدأ الغناء … ـ دي لو علو تب خوديكي ..كا بخوينه ـ أهذا وقت الغناء ..والله … ؟ قالها علو وقبل أن يكمل كلامه قاطعه درو وصدح يغني .. لي لي خفشي لي لي …أوه اللعنة تأمّلا ركن الدار ومنزل آمنا شاهين .. نعم نعم إنها خالتا خفشي بعينها … تطلعت خفشي فيهما ودرو قد طأطأ برأسه .. زاورته خفشي قليلا ، وما أن لمحت ـ علوكي قادي ـ حتى استدارت وعادت .. تمتم درو وهو يلغط و ـ علو ـ يضحك وقال : ألم تجد غير ـ لي لي خفشي ـ أيها الإبليس … أوه .. هيا ؟ استحلفك بشيخ سيدا ـ علو ـ هيا لتقرأ على هذا الطير المسكين ولندفنه بسرعة . أنظر ياهذا .. القراءة لا تجوز هكذا ؟ .. هيا أحفر انت حفرة صغيرة هنا ـ وأشار الى الزاوية .. وأكمل : وانا سأذهب لأتوضأ ..وانت ايضا يجب عليك أن تفعلها وسنغسله وبعدها نكفنه ومن ثم ندفنه ، ومن جديد سنبدأ ب ـ ترقين ـ .. هي توبك لي كه تي ـ علو ـ ترقينا جي / نه خوليسر طيره / وإن يكن فهو روح أيضا …أوهو .. لهذا ترى دائما كوخ صهري صوفي عزير مملوء بأكياس الحنطة ، ليكن !! ولكن من أين لنا بالحنطة ؟ لاتقلق أجابه علو .. سنجلبها من بيتنا .. ولكن ـ ترقين ـ لا أعرف ماذا يقرأون فيها ـ .. ـ ماخا ـ تريدني أن أصدق ذلك ؟ قالها درو .. إي والله صدق ؟ .. هيا اذهب الى صوفي عزير واطلب منه ان يعلمك بسرعة .. انت مجنون علو ؟؟ والله مجنون .. سيطردني شر طردة .. إذن سأذهب أنا .. قالها علو .. وبالفعل خطى بخطواته صوب دار صوفي عزير ، وقرع الباب بكل لطف ، إلا أن هدير صوفي عزير وصياحه المرافق بسيل التهديدات من وراء الباب ، وهو يلعن ـ حسين غازي أو طازي ـ كما يحلو له أن يقول ومن ثم أم تركو ورستو وكل سلالة الطازي ابن الطازي … أمو …. كه جي أمو …. كا وره دستي من بكره ، وخيزرانته تتلولح يمينا ويسارا بيده ، وما أن فتح الباب ، حتى بادرته ابنته قائلة ـ يابو علوكي قادي يه ـ هه .. صحيح انت هو .. قال علو نعم خالي صوفي ، ولكنني قرعت الباب بكل هدوء لما انفعالك ؟ .. يابني أولاد حسين غازي هلكونا ليلا ونهارا وهم يقرعون الباب ويفرون ظننتهم هم القارعون .. قل لي ماذا تريد ؟ ـ خالي صوفي ـ أريد أن تعلمني كيفية ال ـ ترقين ـ ؟ .. ماشاءالله ، بعد أن خطفت قراءة الموالد ! تريد خطف ال ـ ترقين ـ أيضا هيا قبل أن استعمل هذا الخيزران على جسدك ؟ .. خالي صوفي ال ـ ترقين ـ هي لديكي بوري الذي مات ، صحيح هو حيوان ولكنه من خلق الله ؟ ذمّ صوفي عزير شفتيه وقال أمممم إذن لهذا السبب تريد ان تتعلم ؟ أجاب علو نعم .. هيا .. والله أنا أيضا لاأعرف كيف .. ولكننا ما أن نعلق كيس القمح حتى يبدأ ملايي خليفة بقراءة الفاتحة عدة مرات ، ويتمتم عباراتا مغمغمة ، ويهز الكيس ومن جديد الفاتحة وتلك الغمغمة وهكذا دواليك ، وأحيانا استطيع تمييز كلمات الله اكبر ..او لله الحمد .. عموما ـ برازي ـ إقرأ الفاتحة وهزهز كيس القمح ، فمع كل هزة تتناثر خطايا الميت التي يغفرها الله له .. ولا تنس برازي أن تجلب الحنطة الى كوخنا هنا .. فقط عبارة واحدة علقت كثيرا في ذهن علو وبدا مصمما على أن يستفز درو بها ويدفعه لتأديتها .. نعم .. نعم أنها هي هي … أيها الملعون درو .. قالها علو .. برده برده .. و.. كان القرار ..هيا درو ..عليك أن تغني برده برده .. دينو علو ، لايجوز ؟ ولما لايجوز .. أتصعب عليك الأغنية درو .. لا لا ـ كرو ـ يجب أن نغني أولا : / ووضع يده اليمنى على إذنه ومن ثم أنشد / ده وه رن كولا به جينن ها كولي هاكولي هاكولا من …. ده رابن كولا به جينن هاكولي هاكولي هاكولا من …/ وبعد النشوة الجزراوية وبتلك الروح والبراءة الطفولية بدا الصبية وكأنهم في واحدة من حلقات الذكر … مالبث درو افندي أن صدح / بردا بردا لو بردا لاوكو دستي من بردا … / وما كان قد مضى من الوقت كثيرا وقد هدأت النفوس وطربت وكمن تذكّر فجأة لازمة الحياة لابل ونقيض اللحظة بآلامها ، أنه الموت بسوداويته وهي تلسع الحياة فتقطفها كوردة متألمة فكان العودة الى جسد ـ ديكي بوري ـ لحظات بطيئة ما كانت قد مضت حتى كان الطير المسكين قد ووري الثرى وسط مهرجان كرنفالي شدت فيما شدت أطفال الحي الذين التموا حول الجسد ثم ردموا القبر ، ومعها تجانست الضوضاء أو لتسمها الحفل الصاخب .. غناءا تارة , وأخرى تلاوة .. كل ذلك تلى وآلية فضّ النزاع او الخلاف فيما بين درو و ـ علو ـ الذي أصرّ أن يقرأ من جزء عمّ ودرو مصمم أنه ال ـ موليد ـ وليحلها لهم ـ محمدي قوتك ـ الدكانجي ، فقط هي كومة الحنطة أو ـ جند كولم ـ التي رفض علو أن يهبها الى صوفي عزير وأصرّ برفقة درو أن يبادلها مع حاجي محمدي علوكي وتلك الرسوم السكرية الحلوة ، التي أخذ هو ودرو يتباهيان بها وسط خلانهما ، وكل يستحلفهما ـ خودي كي كا كه زه كي ـ …
*********************
ديركا حمكو شأنها شأن كل المدن ، أو لنسمها بدقة أكثر ، مثلها مثل كل التجمعات التي تتشكل من جديد ، أو هي في طور التشكل لتتجاوز القرية بمفهومها العمراني ومن ثم أنشطتها التي تبدأ بالتوسع شيئا فشيئا ، وهذه كانت حالة ديركا حمكو ، مفتوحة هي على كل الإتجاهات سوى شمالها ، فهي المستندة أبدا على جدارها الطبيعي متحديا خلال العصور والأزمان ، كما هي خزان ماءها المتدفق وكنز ذكرياتها وتاريخها المتألق فرحا ، أو حزنا .. نعم أنه الجودي بعظمته .. ـ جيايي جودي .. جيايي بي خير .. ـ موقع الحياة ومنطلقها ، كما وسر الخلود الأزلي .. هي إذن ديركا حمكو المفتوحة وبقوس شبه دائريومحاط شماله بجبله الأشم ، ومع هذا ما اختارت العزلة كما ولم تطقها فترى أسر وجماعات تفدها ، وهي في الأصل غريبة عن المنطقة ، منهم من شدّهم المهنة ، أو مشروع ما تتطلبه البنية التحتية الجديدة ، كأبو سعيد الكبابجي ، صاحب مطعم الكباب الحلبي ، أو عبدو جنيدية تاجر الغنم والحنطة ، وبيت الشامي الذي اشترى بفلوسه قرية ـ كاره شانا ـ ومثله بيت الحفار وقرية ـ وانكي ـ ولن ننسى تلك العائلات التي وفدت مع الجيش الفرنسي منهم من عرف أصله وفصله ومنهم من بقيت أسراره أسير قلوب ابناءه ، نعم ، فهاهو شيف كريمي طوبي ، الذي أخذ على عاتقه اطلاق مدفع شهر رمضان ، وكذلك أجدان عبدو بسحنته وسحنة أولاده السمراء التي تشي بغربته الأكيدة عن هذه المنطقة كما بيئتها ، وتلكم العائلات التركمانية رعاة ـ كاميش ـ أو الجاموس النهري ، والذين استقروا شمال الجم لفترات طويلة ، وآخرها ، ولعلها أهمها هي عائلة حسين غازي ، وما أدراك ما هي عائلة حسين غازي ، وميزتها ايضا ، أو الغالبية هي تلك السحنة السمراء الغامقة وذاك الشعر المجعد الكثيف .. وقد وفد والده الى ديركا حمكو منذ امد بعيد وعمل كما عمل ابنه حسين غازي عتالا في المزارع والبيادر التي اختزلت في الميرا ، ولكونه عربي أصبح لفترة طويلة رئيسا للحمالين ، خاصة في زمن الوحدة السورية المصرية ، ولكن للحق فقد كان على عكس أبيه وأخيه حاول لابل واستطاع نسبيا التأقلم مع بيئة ديركاحمكو ، وتزوج منها ، وزوجتاه كرديتان ، حتى أن لسانه قد اعوج مثلهم وكذلك طلاقة اولاده ، و نادرا ما كان يظنّ الاخرون بأنهم ليسوا بكرد ، ولعل هذه السمة قد اكتسبها الأولاد من امهاتهم ، وزوجتا حسين غازي ، كانتا تبديان كأختين ، يميزهما فقط الأسم وهو اللقب في نفس الوقت ، الكبيرة ـ ديا رستو ـ والصغيرة ـ ديا تركو ـ وللذين لا يعرفون رستو وتركو ، ما عليهما سوى سؤال أي كان من ديركا حمكو ، صغيرا كان أوكبيرا ، امرأة أو رجلا ، وبالرغم من الفارق البسيط في العمر بينهما إلا أن تركو لايخشى جده غازي ولا حتى أبيه حسين قدر خشيته من أخيه رستو ، وهذه كان فيها الكثير من اللطف ببعض من أهل ديركا حمكو ، ولكن في نفس الوقت عمره ما زجر رستو أخاه تركو أو حطّ من قيمته أمام البشر ، سوى تلك الرعونة غير المبررة والتصرف المقزز الذي أطاح بتلك الروح والألفة التي كانت قد أضفت وبقوة وشائجها بين ذينك المسكينين ـ درو وصامو يي كر او لال كري حاويا فله يا جزيري ـ فكان أن خاطبه قائلا : تركو !! لما كل هذه القسوة مع هذين الآدميين ؟ لما كل هذه البلاوي ، ونحن طول عمرنا أناس تجمعنا صلات وصلات مع أهل هذه الأرض الطيبة .. لما أوصلت الأمور الى ما اوصلتها بين المسكينين درو وصامو !! .. هكذا خاطب رستو أخاه تركو الأصغر منه وهو يلومه على ما يفعله للإيقاع بين درو وصامو ، ولعل اهم الأمور التي ساعدت رستو أو رستم كما وميزته عن أخيه تركو أو تركي هو أن أم رستو هي ابنة درويشي عيني الجزيري حتى العظم والذي بالرغم من أنه حمال موسمي وكل كده من عرقه وعتالته التي تبدأ بموسم القمح أو ـ الميرا ـ ولا ينتهي بالمطلق في تلك البقع القليلة المنثورة رزا ن أو سمسما وقطنا ن إلا أنه وهو ذلك الجزيري الذي فرض احترامه كما واهله في جزيرا بوطا نفسها ولتمتد ومن خلاله تلك المكانة الإجتماعية الى ديركاحمكو الناشئة ، وبالرغم من أن درويشي عيني لم يكن له سوى ولد واحد وبنات أربع تزوجن ، إلا أن حظوته ومكانته كانت دائما تضفي بعضا من الأمان على رستو هذا من جهة فيبادلها أحيانا ـ رستو ـ بإبراز بعض من التهذيب أو الرحمة وهذا ما ميزه دائما عن تركو الذي كان قد صمم النيل من درو وصامو وبالتالي شيئا فشيئا استطاع أن يجد أرضية تتراكم فوقها أشكال متعددة من الكراهية والضغينة ، تقرّب منهما بداية ، وبدأ يراقبهما وهما يلعبان ـ باقوش ـ ويتبادلان بلطف الحجارة كما البسمات .. صامو الساكت … الصامت الأخرس الأبكم سوى من حركة الجسد والعينين ، وتلك الإبتسامة الكبيرة التي ترتسم في غالب الأمر على وجهه الكبير ورأسه الأكبر المتدلي ، بتثاقل بارز على جسده المتهالك ، ودرو !! ومن هو الجريء الذي لايعرف درو !! حتى رستو وتركو يتحاشيناه ذروة انفعاله …. أما حاوي الآزخية المسكينة ، لابل هي الجزيرية أبا عن جد ، كما تفتخر .. فوقتها مقسم بجدارة بين ماكينة خياطتها ، ومتابعة صامو ، الثابت كشجرة ، أو سنديانة , صيفا وشتاءا ، في زاوية الدار ، يشكو وحدانية قاتلة ومقولبة في ذاتية غامضة ، داكنة كما ليالي الشتاء القاسية وهذه البقعة المظلمة من خارطة البشرية ، فهو لا يتكلم ولا يسمع ، كل ماله ، وما لديه هو ذلك العينين وما يشاهدان ، ومع الأيام وجدت ألفة غريبة بينه وبين درو الذي كان قد اعتاد أن يمدد ساحة تجواله بعيدا عن محيط ـ ديركا كه فن ـ حيث داره ، لتشمل ـ مخفرا خرابي ـ وبالتالي ساحة بيت ـ محرمي عربانجي ـ ومنها شيئا فشيئا ، أخذ عطفه على صامو يزداد ومعها الألفة والود ، وأوجدا وسيلة للتفاهم والتواصل ، وبالتالي تلك الرفقة القوية والتي لولا دسائس تركو وألاعيبه المخزية ، لاستمرت طويلا ، طويلا ولكنه أمر كان لابد أن يكون وخاصة تركو الذي كان قد قرر وصمم ، وعلى الرغم من علم درو ويقينه بأن صامو أصم وأخرس ، وكل ما يفعله أو يستوعبه وبالتالي ردات فعله ، فهي إنما انعكاس لما يكتسبه بفعل المشاهدة … إلا أنهما تمكنا وبفترة قصيرة ايجاد ذلك الترابط القوي والذي دعمته حاوي أم صامو بكل مالديها من وسائل عندما لمحت الإبتسامة والسعادة على وجه ابنها صامو ، كلما لمح درو ، لابل أخذ يمتنع عن الأكل لحين قدومه ، وبعدها يباشران لعبة ـ باقوش ـ الخماسية او ـ حفتوك ـ .. وهي .. هي هذه اللعبة وتلك الحجارة التي كانت ، لابل أسست لعملية التقارب فيما بينهما .. نعم فهي ديركاحمكو البلدة الصغيرة وجميع من فيها يعرف الآخر سلالة وفصلا ، ولكنها حتمية الظروف وتجليات أقدارها ، أو هكذا يستحسن أهالي هذه البقعة أن يبرروا كل شيء أو أية شيء ، ليستسهلوا على أنفسهم وما جنتها . وبالرغم من أن درو يعلم بأن إبن حاوي أصم وأخرس ، ومع هذا دنا منه شيئا فشيئا وتناول من جيبه أحجار ـ حفتوك ـ ورماها أرضا وهو يجلس قبالة ـ صامو ـ تطلّع فيه صامو بنظرة بلهاء خالية من أية شعور ، ولكنه ما لبث أن ابتسم وتناول واحدة من الحجارة ، تأملها جيدا ، وأشار له ، يسأل عن مصدر هذه الحجارة ، تناول درو عود صغير ورسم ما يشبه جدولا نهريا متمايلا ، ليتناول صامو من جيبه أيضا شيئا ما ورماها أمام درو ، نعم أنها أيضا حجارة ولكنها خمسة … هه .. هه .. أنت تلعب ـ باقوش ـ صامو ؟ .. تأمله صامو وهو يتابع حركة شفاهه من دون أن يفقه شيئا ، ولكنه تناول حجارته الخمسة ورماها أرضا ومن ثم اختار واحدة وبدأ يلعب ، بعد أن جلس بأريحية ومدّ رجليه على طولهما فاتحا ما بينهما وهكذا فعل درو وبدأوا اللعب ، وبين الفينة والأخرى كانت حاوي تخرج وبيدها بعض من الخبز و الجبن وأحيانا قليل من ال ـ باستيق ـ أو ـ حليل ـ .. وهي توصي وتخاطب درو قائلة ـ درو ته هاش صامو هبي .. ـ ولكنها لم تكن التسلية هي الأمر الوحيد الذي استفاده صامو من صداقته و درو فقد تحاشى أشقياء ديريك الصبية التحرش بصامو أو رميه بالحجارة خوفا من درو ، وآخرون احتراما له ، إلى أن حصل ما حصل وليته من جديد ما حصل !!. كان صيت علاقة الإثنين وبالتالي صداقتهما وطريقتهما في التعامل مع بعضهما البعض قد انتشرت في عموم ديركا حمكو ، وكذلك ما تغدقه حاوي عليهما من قطع ال ـ باستيق ـ و ـ حليل ـ وكذلك البيض المسلوق الملوّن والذي كان خاصية للعيد عند المسيحيين ، إلا أنها اصرت أن تهبهم بين الفينة والأخرى لتحسسهم بالعيد إن كانت قد مضت أيامها ، أو حانت أيام قدومها ، هذا الأمر سبب سيلان لعاب الكثيرين ، لابل كان العامل الأساس في تقرّب تركو منهما وديا ليشاركهما اللعب حينا ، ويتقاسم معهم ما تهبه حاوي التي بدورها وكأية أم بدأت الوساس تغزو فكرها لمجرد تقرّب تركو من الإثنين ، ولكنها كظمت غيظها حينما رأت مدى تجاوب الإثنين وببراءتهما له ، الى أن كان ليلة عيد الفصح المجيد ، وكون حاوي خياطة فقد خاطت ثوبا ـ فستانا ولاديا ـ رائعا لصامو ، ومثله لدرو ، ولكنها ولسوء الحظ لحظتها كانت قد خاطت فقط لصامو ـ تي ركي عيدي ـ وبزخرفة رائعة ليستغلها تركو كفاتحة لمسألة مهمة !! .. ـ هه درو خولي سر .. ـ أترى أنها خاطت فقط لصامو ـ تيركي عيدي ـ من دونك نعم ولم تخط لك ، طبعا ـ أردف تركو ـ هو ابنها كما أنهم مسيحيون وانت … أي انت ـ كاوري كوري كاور ـ درو .. تطلع فيه درو نظرة جدّ قاسية ، لملم تركو بسببها بقايا نفسه اللئيمة وغادر، وليته انتظر لدقائق ليرى حاوي وقد عادت وبيدها ـ تيركي عيدي ـ ثان وأعطته لدرو الذي هاج وماج وهو يصيح ، أين هربت يابن حسين تازي .. ـ أفه تيركي من زي يي عيدي .. بي بابي بي باب ـ ومضى اليوم الأول من العيد ومعه نسي درو ما فعله تركو ، وبينما هم يلعبون كعادتهم دنا منهم تركو متوجسا قليلا .. إلا أنه عندما لاحظ بأن درو هو هو عينه ، جلس بجانبهما وهو يتأمل اللعب .. وفي غمرة انسجامهما مع بعضهما البعض بدا ينكز هذا ، ويقرص ذاك موحيا لكل منهما بأن الآخر هو الفاعل ، إلا أن صامو تنبّه له والتقط يده بالجرم المشهود وليقهقه تركو في حركة استعراضية وكأنه إنما كان يمازحهما فقط .. أحسّ درو بالعطش فهرع الى الدار ، شرب ماءا وعندما عاد ، رأى تركو واقفا وهو يهيج صائحا وغاضبا ، ويحاول أن يضرب صامو .. تقدّم منه درو وطلب أن يدع صامو وشأنه فقال لدرو : فعلا أنك مجنون مثلما يقال عنك ، ما أن ذهبت لتشرب الماء حاول أن يغش ومن دون أية مقدمات بدأ يسب ويشتم ـ شيخ سيدا ـ !! هو سبّ شيخ سيدا ؟ سأل درو .. نعم نعم أجاب تركو ومن دون مقدمات ابتلى المسكين صامو الذي أخذ درو رأسه الكبير بين يديه الإثنتين وبضربة من رأسه فيما بين عيني صامو فسال الدم الأحمر وبدأ النزف غزيرا ، والمصيبة من أين لا أحد يعلم وناوله عدة كفوف من يديه ليهرب المسكين صامو صوب الدار وهرعت حاوي إليه .. حاول درو التقدم صوب الداخل ، لمح حاوي التي تطلعت فيه بنظرة ملؤها العتاب .. تراجع درو رويدا رويدا ووقف في الركن بين داري ـ حنا إيشو ـ والمفتي ، وكالمنجنيق يقذف الحجارة على دار صامو وحاوي تضرب كفّا بكف ..ودرو يسب ويلعن وهو يتمتم .. يسبّ شيخ سيدا .. تشتم شيخ سيدا .. والله سأخرّب بيتك حاوي .. سأقتل صامو ..وره ك درو ماذا جرى ؟ .. والله سأقتله ..دنا منه ـ دهامي أحمدي لالي ـ وهو يستفسر ـ درو أفندي خيره جه هيه ـ .. ـ بي بافي صامو يي فله خبرا دكي شيخ سيدا ؟؟ .. ـ درو ماذا أصابك ؟ .. رد عليه دهام .. إنه مثل أخيك ومنذ فترة كل ديريك تحكي عن صداقتكما .. ولكنه سبّ شيخ سيدا ؟ قاطعه درو .. ومن قال لك ؟ أسمعته يسب ؟ .. لا لا .. تركويي حسين تازي قال لي .. اللعنة عليه وعلى أساسه ، لا والله أبوه طيب ، أردف دهام وأكمل : ولكن كيف مرّت عليك هذه درو ؟ إن صامو صديقك وانت يوميا معه ، ألم تسأل نفسك وكيف أن المسكين صامو قد سبّ شيخ سيدا ؟ فهل هو يتكلم أم أن تركو يعرف بلغة الصم والبكم ؟ .. ـ هه ته جه كوته ـ ماذا قلت ؟ ـ بخودي راسته ـ صامو لايتكلم .. هي تركو .. هي كوري … والله كل أهل ـ ديركا حمكو ـ لن ينقذوك من بين هذين اليدين !!

***************************************

درو !! أيها التائه في ظلمات ال ـ جمّ ـ بماءه العكر وتلكم السمكات الصغيرة التي ما تعودت بعد على الإنسان وغدره المتلوّن .. وتلك الإشينيات المترابطة كحبال مفتتة وقد تشابكت أليافها وأبدعت فب ترابطها كما اخضرار لونها المشع رغم طحالبيتها ،.. كم مرة لفتك تلك الإشينيات الخضراء درو … أوووه .. ما لهذه الحكّة من جديد ، ومن جديد أنت أيها الظالم خالدي محمدي جارو !! .. مالنا ولياليك الألف بشهرزادها التي لن تنتهي بالمطلق ..

كانت غمامة وزالت

بليلها مهما طالت

العروس فيها تتأنق

بغنجها وجمالها تتألق

درو .. درو .. آآآآخ .. خالدي جارو !! اللعنة من جديد عليك أيها الملك شهريار وانت شهرزاد فبتّ وفيك كما ولك ، منك وإليك ، هذا التيه الذي أوصلتني إليها خالدي جارو !! بقصصك المشوقة ولكنها تلفت فيما تلفت تلابيب هذا المخ المرهق أزلا وعصورا .. وكمن استفاق من من حلم رهيب بحلق في عينيها ، لابل وبيديه فتح عينيه على أشده ، تأمل اخضرار عينيها ن لا ازرقاق هو اللون .. لا لا .. اخضر .. متماوج الألوان ..وأقسم بشيخ سيدا أنهما خضراوتان فيها بعض الميلان الى الزرقة الصافية .. لا لا درو أنت احمق فعلا .. انظر ! .. انظر .. رباه يا لإخضرار عينيك الرائعتين انت ايتها الجنية !! أوووه خالدو .. من قال لك أن تسرد علينا قصة عفريتتك الغادرة انت يابن جارو ؟ ! .. نعم لقد كان جدك كأبيك طيبي المعشر .. هم كانوا كما اهل حارتك ، يا لصفحات كتابك الصفر من قال لك أن تدفعني دفعا فيرتطم رأسي بتلك الحجرة كأبطال لياليك وهم يترنحون من وطأة الألم وصد الجدران التي حجزت فيما حجزت بينهم وحبيباتهم .. حملقت فيه الحورية من جديد .. درو : إنها فتاة .. أجل أنها فتاة .. أنظر الى سواد شعرها المائل الى البني ، تأمل كثافة وتداخل الشعيرات الجميلة التي اصطفاها خالقها فترابطت في تجدلية تخالها وقد صممت ورتبت باليدين وذاك الجبين العالي .. الله .. الخدود .. ماهذا التماوج الموسوم كموشور تداخلت فيها جميع ألوان الرونق فتآلفت بروعة لامتناهية فتمتم درو بلغة مكركبة بفعل الصدمة ورهاب الجمال .. مالبثت التمتمة أن تعالت وإن ببطئ شديد وظن أنه يصرخ فيما كانت الهمسة تفصح عن ذاتها المبهوتة ولسان الحال الذي يقول : أحورية أنت أم انسان !! .. ومن جديد : هي إغماءة كانت وكتائه أضحيت درو !! وسط تلك السهول الفسيحة وكعادتها هي .. هي الألوان وقد تداخلت من خضرة غامقة ن وصفار بدأ يشي بشيخوخة مبكرة كما هي عادته شهر ـ تيرمه ـ الغادر إن بعطشه ، أو يباسه وحتى وهج حرارته .. أووه .. يالهذه الحرقة المؤلمة !! أيتها الشمس هلاّ خففت من نارك .. حكّ وجهه بيديه الإثنتين برهة .. تلفت حواليه .. تماهت التلال الموازية ل ـ آفا مه زن ـ وتدرجت ثم انخفضت ن فتعالت من جديد .. ربّاه !! أين انت ايها الجودي .. حاول درو التقدم صوب النهر ، خانته قدميه .. ماذا بي ؟! ماذا جرى ؟ .. تجرأي أيتها الأقدام المتيبسة !! ولكن هيهات هيهات .. حكّ جبهته بيديه من جديد .. مسح عينيه بأصبعيه ، درو ماذا أصابك ؟ خاطب نفسه ولنفسه أجاب … ـ هيلا لمن ره بني ـ كنت أظنني في بركة ـ برهو يي عفار ـ وأتأمل ـ بخجي بلديي ـ وتلك الأشجار الباسقة ، مدّ يده أمام عينيه كمن يقيهما أشعة الشمس .. ـ ماخا جقا هون بلندن دارنو .. به لي وه زي بلا ولا نه … خودي أف جه بمن هاتيه !! ـ ربّاه !! ومن جديد أخذته الرجفة .. جفلة قوية اهتزت لها كامل جسده المتهالك … أسرعت الأم وهي تبسمل وتناجي ربها … درو !! ولدي .. حبيبي ماذا جرى لك ؟ .. بماذا تحس .. ودرو في بحر الأحلام كما الأوجاع يتأوه حينا ويعيش أحلام يقظته أحيانا أخرى .. درو … إنه درو .. نعم .. هاهي .. إذن إنها صحيحة وقصة ذينك الزوج من الغزلان .. أراد أن ينهض !! لم يستطع !! بدأ يثب وثبا كالأرانب وهو يطارد الغزالين .. نعم لقد قالوا فيما قالوا أن الفرنساويين كانوا يربون زوجا من الغزلان هنا ، غير أنني كنت أكذبك دائما خالدي إيسو مطرب .. حانت منه التفاتة .. ويحي .. ماهذا ؟ .. ويحك درو !! .. والله يبدو أن اللعنة قد أصابتك ومسّك الجان فيما مسّك وأصبحت حقيقة ـ درو دينو ـ ، اغمض عينيه نصف إغماضة ، ولعل الأصح شدّ من عصارة نظره وركّز في نظرة حادة جدا ، وتأمّل البعيد البعيد بعدا كان فيما ابتعد ليتجاوز علوّ الشجر وأوراقها المبعثرة فتناثرت حدوات نظراته وتكسّرت .. ومن جديد ها أنت و ـ غيدايي ـ درو .. أيتها الأميرة أنت ، وانت خالدي جارو المتمسك بتلكم الأميرات المرسومات قدرهن وسط صفحات ألف لياليك الصفر ، فتضفي عليها من جملة ما تضفيه من خيالك المتورم ومن ثم ترونقه وفق ما تبتغيه انت وتتجاوز ، لابل تتجاهل ، إن لم تنكر امثال هذه الرائعة انت ـ غيدوكي ـ الجميلة .. حبيبة كانت .. إبنة ، ولعلها أم أصبحت ، لاأدري ؟ .. هي هي العيون المكحّلة ـ درو ـ وذاك القوس شبه اللوزي بسواده المكحل يغطي العينين الرائعتين ، وتلك الخدود المحمّرة حمرة حبات الرمان الناضجة .. ليلان .. ليلان … أين انت يا ليلان … هرعت إليه أمه وهو ما يزال يهزي .. ليلان !! ماذا حلّ بعينيك ؟ .. رباه يا ملطف الأقدار .. علو ..علوكي قادي ، إقرأ آية الحسد عليها .. عينيك جميلتي .. ربي !! عيناها كانتا زرقا .. خضرا .. لا أدري ، والأم صاحت تولول : ويلي .. ويلي عليك يا بني ، أنه الحمى من جديد .. ـ تايا صارو كرمه .. ربني لمن كوري من ـ .. درو ولدي .. و ـ درو ـ مازال يتمتم .. ليلان .. ليلان .. من هي ليلان الملعونة ؟ صاحت الأم .. هيّا يجب أن تعرفوا من هي ليلان !! .. لابد من أنها هي التي فعلت ما فعلته بولدي … ليذهب أحدكم وينادي ـ خجيجا بيرك ـ لتذيب الرصاص فوق رأس ولدي … إنها العين الحاسدة حسو أين انت .. نادت ولدها حسن .. هيا إسرع ….

******************************************
يتبع