الرئيسية » مقالات » الذي لا نفهمه ــ الأخيرة ــ

الذي لا نفهمه ــ الأخيرة ــ

لو سقطت الحكومة … من الذي سيسقط معها … ؟؟؟

الأزمة المفتعلة التي تعصف الآن بالعملية السياسية والمستقبل الديمقراطي في العراق ليست جديدة على الواقع العراقي ’ انها اشكالية ابتدأت ولأسباب عديدة مع بداية تشكيل الدولة العراقية ’ وسوف لن تهدأ ولن تترك للعراق فرصة الأستقرار ليتفرغ العراقيون لأعادة اعمار بلدهم واصلاح مؤسسات دولتهم .

الأزمة الأخيرة التي يتصدرها السيد مسعود البرزاني وبعثيي القائمة العراقية وقرباج ( الأربعين ) مقعداً , اشعلتها حصراً تدخلات ودعم انقره والرياض وعواصم اخرى يهما التدخل سلباً في الشأن العراقي , حلقة من مسلسل تاريخي يجب ان تتكرر فصوله قدر اسود على الواقع العراقي , انها منطقة احتكاك واشتعال واستنزاف تحت الطلب بين مشروعين , قومي كوردي ووطني عراقي , فالسيد مسعود البرزاني , استورث المشروع القومي الكوردي من اجل الأستقلال واقامة الكيان ( الدولة ) الكوردي , مدعوماً من قبل الرأي العام لأكراد الأقليم , يقابله على الصعيد العربي رئيس وزراء العراق السيد نوري المالكي ممثل لمشروع الدولة العراقية في نظر الملايين وخاصة في الجنوب والوسط , واصبح مدعوماً من قبل اغلبية الراي العام العراقي وتلك حقيقة لا ينفع معها التجاهل .

المشروع القومي الكوردي عانا ويعاني من داخله اشكالية الجحوش الأكراد, كذلك القضية العراقية ومشروعها الوطني تعاني من داخلها ذات الأشكالية مع ثلة الجحوش العرب , بين هؤلاء واولائك سقطت حكومات بعضها وطنية كان مقدراً لها لو تواصلت , ان تضع العراق على طريق السلم والأزدهار والتقدم دولة ومجتمع , لكن هذا الأمر ولأسباب عديدة غير مسموح به اقليمياً ودولياً , من بينها الخصائص التاريخية والحضارية والجغرافية والأقتصادية التي يتمتع بها العراق .

ليس غريباً ان تلتقي الآن ذات الأطراف والأدوات الشباطية التي اسقطت ثورة 14 / تموز / 1958 , في مهمة لا تشرف مدينة اربيل ان تكون وكراً لها دون ان تحقق انجازاً لقضية الشعب الكوردي , وقد تسبب لها تراجعات مخيفة او تبقيها على حالها بيضة قبان للأستعمالات الخارجية في ارباك مشروع الدولة العراقية .

ان محاولات اسقاط الحكومة الراهنة ـــ ورغم كثرة المآخذ عليها ـــ لا تعبر عن خلفيات نزيهة ولا تحمل نوايا صادقة للأصلاح واعطاء المثل النموذجي للدفع نحو الأفضل , خاصة وجميع الفرقاء شركاء في تلك الحكومة , انهم الآن يؤدون وظيفة غير وطنية لأضعاف ثم اسقاط الدولة العراقية وبأي ثمن حتى ولو سقطوا معها ــ علي وعلى اعدائي ــ .

لو افترضنا ان الحكومة قد سقطت , وهذا احتمال غير وارد لحد الآن … فمن الذي سيسقط معها … ؟؟؟ .

1 ـــ السيد مسعود البرزاني وكذلك السيد جلال طالباني : سوف لن يسقطا حتى ولو تراجعت قضية شعبهم وفقدت بعض المكاسب التي حصلت عليها , لأنهما يتصدرا المشروع القومي الكوردي ويحظيا بتأييد ودعم الرأي العام لأكراد الأقليم وستحتفظ قضيتهم على شرف دور بيضة القبان للأيتزاز والمساومات والحصول على بعض المكاسب العائلية والعشائرية الحزبية .

2 ـــ رئيس الوزراء العراقي السيد نوري المالكي : سوف لن يسقط حتى ولو سقطت حكومته , فهو الآن ـــ رغم تجاهل البعض لتلك الحقيقة ـــ , يمثل مشروع الدولة العراقية ويحظى بتأييد ودعم الرأي العام العراقي اكثر من اي وقت مضى , ولا يعني سحب الثقة عنه نهاية لدوره , لقد كانت لقاءات اربيل ارضية لنقلة نوعية لشعبية السيد المالكي , جعلته المؤهل مرحلياً لأعادة تشكيلها .

3 ــ ثلة جحوش من عرب السنة والشيعة, وحدهم سيسقطون وهم الآن يتهاوون , ليس على الصعيد السياسي فحسب, بل وعلى اصعدة القيم والمبادي والأخلاق , انهم لس اكثر من علاسة ووكلاء لأنظمة يرفضها المجتمع العراقي بكافة مكوناته, فبعثيي القائمة العراقية قد استهلكوا ادوارهم حتى نهايتها , ومقتدى الصدر و ( الأربعين … ) قد سقطت عنهم رقعة التوت , ومن يعتقد ان في عرينه شبلاً ’ فسيصحى على بيضة فاسدة .

الذي لا نفهمه : فضيع ومرعب , كيف يتقبل الشعب الكوردي وخاصة نخبه السياسية والثقافية , ان تصبح اربيل قاطرة لتجميع جحوش الطائفيين والعنصريين والتوجه فيها نحو بغداد بغية اسقاط حكومتها وهم اطراف فيها ’ وهذه المرة ليس في قطار او دبابة , بل ( مع الأسف ) قاطرة اربيلية محملة بجحوش العملية السياسية , والبيان الأول سيعلن ليس من الأذاعة كما هو متعارف عليه , بل من داخل قبة مجلس ( بزار ) عرض المستهلكات غير النافعة .

لا نتمنى لأربيل , التي مفروضاً ان يكون مستقبل القضية الكوردية بوصلة اتجاهها , ان تصبح خيمة تجمع فيها جحوش انقرة والرياض , ويكون حصادها تكرار المآسي الكوردية ومتاعب اضافية للعراق بعد اكمال عرس الجحوش من داخلها .

لقد اخطأ السيد مسعود في حساباته , فالذي استطاعه في عاد 2005 , ليس بالضرورة ان يستطيعه الآن , والعراق ليس اقليماً يتسع له جيب الرئيس .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـــ كركوك المدينـة المخترقـة :

كركوك المدينة البريئة ذات الهويات والخصوصيات والتقاليد والأعراف العريقة وكذلك الثروات , زرتها فوجدتها ليس كما تصورتها , خائفة مذعورة تعيش يومها بكل تفصيلاته واحتمالاته , مشروع خدمي يوفر لأهلها فرص عمل كريمة , اتفاق انساني بين الأطراف المتنازعة عليها من خارجها يخفف عنها ثقل حصارات التصعيد المفروض عليها , عملية اغتيال او تفجير نوعي يهز كيانها , ورغم حالة التوتر فأهلها صابرون متصالحون يحتمون ببعضهم متماسكون حول مشتركاتهم , وعبر تاريخ عريق , جمعهم نسيج عائلي واجتماعي وصلات قربى جميلة , حريصون للحفاظ على ما هم عليه , حقيقة اوجاعهم , انهم ينتمون الى مدينة ثريـة حصتهم فيها الخوف والرعب والتخلف .

كمدينة تاريخية حضارية غنية , لا نستكثر عليها ولا ننكر تعدد الخصوصيات والثقافات واللغات والتقاليد والأمزجة المتباينة لمكوناتها , ومن تداخل وتفاعل تلك الطبيعة , تشكلت الهوية الكركوكية للمدينة , ولا يوجد من اهلها من يتحمل مسؤولية قطع تلك الشرايين التي تجمعهم .

المتطفلون على ثرواتها , لم يتكرموا عليها بفرصة مراجعة كي تمارس حقها في تذوق ثرواتها الأقتصادية والثقافية والمعرفية في اجواء الأمن والمحبة والحرية والصدق والبناء .

الذي لا نفهمه : نجد من خارجها من يدعيها ويختلف حولها ويتنازع عليها , والبعض لا يمنعه ضمير عن ان يجعلها مدينة من بارود , ومن ثرواتها ومعاناتها وخوفها وقلقها على مصيرها , اضافات مجانية الى مؤسسات عرش امبراطوريات السلطة والمال , البعض يستنزفها ويكذب عليها ثم يستهلك عافيتها دون رحمة , ومن خارجها فقط يتسلل لها الخانق من ازماتها .

كركوك لا يمكن لها ان تكون غير ما تكونت عليه ’ كركوك لأهلها , ولا يمكن لهويتها ان تكون الا عبر اندماج خصوصيات وثقافات وعادات وتقاليد ومشتركات جميع مكوناتها , ستمر العواصف المجنونة , وتبقى كركوك ثابة على الأرض .

02 / 06 / 2012