الرئيسية » مقالات » قبل ان ينكفئ القارب

قبل ان ينكفئ القارب


يبدو ان اصحاب ازمة الحكم ورؤوسها اضافوا الى علم التحالفات السياسة مفهوما جديدا، بل مفاهيم جديدة، اقرب الى حكاية اولئك الرجال المتنافرين الذين وجدوا انفسهم في قارب آيل للغرق وسط الامواج المتلاطمة، فتركوا واجب الحذر والعمل لانقاذ حياتهم، وانصرفوا يترصدون اخطاء وزلات بعضهم لساعة تصفية حساب على الشاطئ، او ليوم حساب في الآخرة. انهم يتحدثون مع الخصوم بكل ما يمليه عليهم واجب التضامن لدرء الكارثة التي تهددهم، فيما يتحدثون مع غيرهم بكل ما يسهل إغراق القارب بمن فيه.
قصة القارب ومآل رحلته المثيرة يمكن الاطلاع عليها في فيلم كارتون فرنسي، واحسب انها قصة تاريخية مدرسية واخلاقية، فان المخاشنات وسوء الظن والنميمة والاغتياب والتآمر وانعدام الثقة والريبة والتعدي والتنافر ادى الى اطالة امد الرحلة لأيام طويلة عرضتهم للغرق جميعا، وحين وصل القارب للشاطئ على ذلك الحال من التعب والشقاء والانشقاق والجوع والعداء الشرس هتف شيخ كان طوال الوقت يحاول اعادة المتخاصمين الى رشدهم: “يا ليته غرق.. ياليتنا لم نصل”.
المفارقة السياسية التي نتابعها يوميا تتمثل في ان الكثيرمن المحسوبين على كابينة الحكومة، ومن اركانها حتى، يدلون بتصريحات وتحفظات واعتراضات وتهديدات من موقع اللامسؤولية، او من موقع طائفي، او من موقع فئوي، خلافا لقواعد الشراكة والائتلاف والتحالفات السياسية، وفي هذا تكمن الاضافة غير المسبوقة لعلم التحالفات بين الحكومات، في وقت تمر البلاد في ظروف شديدة الحساسية والحرج تشرف خلالها على مصير مجهول.
والاغرب من ذلك كله ان بعض رموز التحالف الحكومي برعوا في إطلاق خطابين ولغتين وموقفين متناقضين في وقت واحد، ولكن في غرفتين متجاورتين، ففي غرفة الاهل والاعلام نسمع كلاما متشددا ودعوات للتجييش وشكوكا في نيات الاخرين وترويجا للكراهية والحذر والخوف، وتأجيجا سافرا للفتنة الطائفية، وفي غرفة الحكومة والجمهور يتحدثون، بلغة اخرى تماما، عن فروض التهدئة والتسامح والتكافل، وقيم الشراكة، والعودة الى العقل، وامكانيات عبور المرحلة بسلام، حتى ان المتابع المحايد يجد نفسه في حيرة ازاء ما يسمع هنا وما يقرا هناك، فيما المسافة بين العين والاذن ليست شاسعة.
ان النتيجة المؤكدة لمثل هذا العبث المدمر ولمثل هذه الاضافة المشوهة الى علم التحالفات السياسية، هي اطالة فترة المخاض والمعاناة في العراق، حتى ان الحكماء منا سيقولون،كما قال شيخ القارب الفرنسي يوم وصلوا الى الشاطئ: ليتنا غرقنا.. ليتنا لم نصل.
*
“الجنون هو أن تفعل الشيء مرةً بعد مرةٍ وتتوقع نتيجةً مختلفةً”
اينشتاين