الرئيسية » شؤون كوردستانية » سرطان الثورة السورية !!

سرطان الثورة السورية !!

أصبحت غالبية الأحزاب العربية في المعارضة السورية,بغض النظر عن لهاثها المصطنع خلف قطار الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان,وبغض النظر عن تغليف خطابها المعلن بمسحة ضبابية فضفاضة من شعارات الحداثة,وبغض النظر عن دفعها ببعض الأكاديميين والحقوقيين إلى الواجهة,إلا أنها على صعيد التطبيق تقف كليا ضد توجهات الثورة,إن لم نقل أنها سهوا أو عمدا أصبحت عقبة أمام عجلة الثورة ,وهذا يدل على انعدام الصلة بين أحزاب المعارضة وبين الحراك الثوري الجماهيري,فالثورة ثمرة دماء وجهود مختلف أبناء الشعب السوري,خالية من السموم والشوائب الإيديولوجية,وهي تتطلع إلى سوريا مدنية ديمقراطية ,تحقق الحرية والكرامة لمواطنيها,وتضمن الحقوق القومية والسياسية والإنسانية على قدم المساواة بين كافة المكونات القومية والدينية والثقافية في المجتمع السوري,وتنبذ عقلية الأغلبية التي تريد ابتلاع الأقلية,بينما أحزاب المعارضة تحاول تسلق ركام المدن المدمرة,والصعود على جثث عشرات الألوف من شهداء الثورة,والمتاجرة بعذابات ومآسي مئات الألوف من السجناء والمفقودين والجرحى والمشردين,لتصر على أدلجة الثورة,بطابع عروبوي – اسلاموي صرف,كون هذه الأحزاب تحمل نفس الموروث الثقافي والفكري والسياسي,الموجود في أيديولوجيا حزب البعث,تلك الايديولوجيا التي تعتبر الذات القومية والذات الدينية غايات نهائية مطلقة,وعليه فان هوية الدولة وسكانها يجب أن تكون عربية – إسلامية,يعني ربط هوية مواطني الدولة بالانتماء القومي العروبي والانتماء الديني الإسلامي,بعكس ما هو سائد في دول العالم حيث يكون انتماء المواطن إلى ارض الدولة,وهي رابطة مشتركة بين مختلف مكونات دولة متعددة الأعراق والأديان,فالانتماء إلى الأرض يعطي معنى أنساني أوسع لمفهوم الشعب ,يتجاوز ذاك المفهوم البدائي العشائري العرقي الذي ما زالت تتمسك به قوى المعارضة السورية,حين تصر على صبغ الهوية السورية الجميلة,بالصبغة العروبية – الاسلاموية(العنصرية) – (الطائفية) الضيقة,في حين الهوية السورية الصرفة تكون وعاء اعم واشمل لمفهوم الشعب السوري,فالهوية السورية قاسم مشترك تتتفق عليه كافة المكونات القومية والدينية للشعب السوري, فالموروث الإيديولوجي لهذه التيارت يعتبر الإنسان مجرد أداة تافهة في خدمة هذه الغايات الغيبوية,وبالتالي ليس للذات الإنسانية قيمة أو معنى لدى أصحاب هذه الإيديولوجيات,وهذا يفسر برودة أعصاب أصحابها أمام مشاهد المجازر الجماعية التي يتعرض لها أبناء حمص وحماة ودرعا ودير الزور ودمشق وريفها,وأمام مشاهد سياسة الأرض المحروقة الشاملة التي تشنها السلطة الباغية على أبناء الشعب السوري,في الوقت الذي تتصارع فيه هذه الأحزاب التعيسة على توزيع المناصب في سوريا المستقبل,حيث الأولوية لديها الوصول إلى السلطة وفرض إيديولوجيتها القميئة على الدولة والمجتمع,أما إنقاذ شباب سوريا من حرب الإبادة بالنسبة لهم – فهي مسالة فيها نظر – وفي هذا السياق فان انقسامهم وتشرذمهم وخلافاتهم,ومزايدتهم على بعضهم البعض في خطاب القومية والوطنية,ورفضهم التدخل الدولي في المسالة السورية,أعطى القوى الدولية ذريعة إضافية للتهرب من واجبها الأخلاقي والإنساني في التدخل لحماية الشعب السوري من جرائم ترتكبها السلطة الحاكمة بحق الإنسانية,ما يعني أن آخر ما تقف عليه هذه الذهنيات الكئيبة,هي القضايا المتعلقة بحقوق الشعوب وحقوق الإنسان,مقابل تقديسها للمطلق القومي والمطلق الديني,وهي بهذه العقليات الهرمة الخرفة الشائخة المحنطة في قوقعة الايديولوجيا التوتاليتارية البائدة,القائمة على إلغاء الآخر,تشوه المضمون الديمقراطي الإنساني للثورة,وتحرف مسارها الشعبي السلمي الفتي,نحو مسارات سياسية – فكرية لا مصلحة للشعب السوري فيها,وذلك بخضوع أطراف المعارضة لاملاءات عواصم عربية وإقليمية وعالمية,وصلت حد تنصيب تيار معين من فصائل المعارضة حاكما لسوريا الغد, نزولا عند رغبة تركيا وأمريكا,اللتان تريدان إيصال حركة الأخوان المسلمين إلى سدة الحكم,وهي بذلك تصادر إرادة الشعب السوري,لأنه الوحيد من يقرر اختيار شكل ونظام الحكم الذي يريده,وليس أي طرف آخر,وإذا كان اوباما معجبا بالاردوغانية فهذا شانه وليطبقها في بلاده إذا أراد,ولكن الشعب السوري ليس معجبا بالإسلام السياسي إلى هذا الحد, وجدنا بالأمس كيف أن الثورة السورية,قد أجبرت الجناح العربي في المعارضة السورية في مؤتمرها الأخير باستانبول,على كشف حقيقة سياساتها ومواقفها من جملة مسائل رئيسية تواجه سوريا الغد,كما كانت تواجه سوريا الأمس,حيث لن تستطيع سوريا دخول المستقبل,ما لم تجد حل جذري عادل لمثل هذه القضايا المصيرية,وعلى رأسها المسألة الكردية,هذا لان المسألة الكردية تشكل بالون اختبار لمدى مصداقية قوى المعارضة السورية في تبني شعارات الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان ودستور مدني عصري,فإذا تمكن الجناح العربي في المعارضة السورية من التغلب على ارثه الإيديولوجي الثقيل المشبع بالنزعة العروبية الشوفينية الاستعلائية الالغائية,واقنع نفسه بعدالة المسالة الكردية ,وضرورة إيجاد حل دستوري عادل لها يرضي الشعب الكردي في سوريا,تكون المعارضة قد نجحت في اختبار الديمقراطية,وبالتالي تكون جديرة بقيادة سوريا في المرحلة القادمة,لبناء دولة علمانية,لان السلطة التي تتحمل الاعتراف بالحق الكردي سوف تتحمل الاعتراف بالحقوق الدستورية لعموم الشعب السوري,وبالتالي تكون سلطة مدنية ديمقراطية بالفعل ,تحترم إرادة الشعب,ولا خوف منها في التحول إلى نظام دكتاتوري ظالم مستقبلا,أما إذا بقيت المعارضة بمختلف توجهاتها,من الغليونيين والمالحيين والمناعيين والاخوانجيين والعرعوريين والكليويين, كما هي عليها الآن رهينة وساوسها القروسطية,ترفض الخروج من شرنقتها الإيديولوجية العروبية الشوفينية أو تصر على البقاء كمستحاثة في قوقعة الإسلام السياسي العنصري,فأنها مدفوعة بفكرها الشوفيني – التوتاليتاري,أسوة بالنظام الحاكم سوف تعجز عن الاعتراف بالحقوق العادلة للشعب الكردي,ولن تقدم أية حلول منطقية للمسألة الكردية,وهذا يضع دعاويها العامة حول الحرية والديمقراطية واحترام الدستور والدولة المدنية على المحك,لان عدم اعتراف هذه الأطراف بالحق الكردي,يعني عدم اعترافها بالديمقراطية,وهذا يجرها إلى عدم الاعتراف بالحقوق العامة للشعب السوري كافة,ما يعني تحولها إلى دكتاتورية قومية أو دينية أو كلاهما معا,فالديمقراطية الحقة عملية متوازنة,فيها تطالب بحقوق الطرف الذي تمثله,على أن يكون لديك استعداد وقبول للاعتراف بحقوق الآخرين وإرادة وقناعة في رد هذه الحقوق إلى أصحابها,أما إذا فكرت بحقوقك وأنكرت على الآخرين حقوقهم فهذا يعني بأنك أمام أول فرصة سوف تتحول إلى طاغية لعين,تصادر حقوق الجميع لصالحك الخاص,وما يؤسف له أن الجناح العربي في المعارضة السورية,قد فشل في الاختبار ,حيث كشر عن أنيابه الشوفينية,وصرح بجلاء بأنه ابعد ما يكون عن قيم الحداثة والدولة العصرية العلمانية- الديمقراطية,كونه رغم ضعفه وهزاله وتشرذمه ,عجز عن الاعتراف بالحق الكردي ,فماذا يمكن أن يقدم هؤلاء غدا للشعب الكردي,حين يستلمون السلطة ويمتلكون أسباب القوة والبطش,لاشك أنهم لن يقدموا أية حلول للمسألة الكردية غير الحل الوحيد الذي طبق طوال تاريخ الدولة السورية,وهو إنكار الهوية الكردية أرضا وشعبا,وبالتالي الاستمرار في سياسة التعريب والصهر القومي,وتطبيق سياسات عنصرية تمييزية ضد أبناء الشعب الكردي على أنهم دخلاء أو مواطنون من الدرجة الثانية – وكأنك يا زيد ما غزيت – ولان الديمقراطية عملية متكاملة لا يمكن تجزئتها,فإنها تنبذ فكرة الاكثريات والاقليات القومية والدينية,لأنها تضمن للطرفين حقوق متساوية وتلزمهم بواجبات واحدة,أما البدعة التي جاء بها رئيس الوزراء التركي اردوغان , وهي نسخة عن الديمقراطية الإسرائيلية,فلا يمكن أن تطبق في سوريا,كونها ديمقراطية عنصرية تمنح الحقوق للقومية الغالبة وتصادر حقوق القومية المغلوبة,وهذا ينفي عن هذه الهرطقة صفة الديمقراطية,لان الديمقراطية قبل أي شيء هي الاعتراف بحقوق الآخرين قبل الاعتراف بحقوقك,ومن الصعب أن تأتي هذه التيارات البالية بأية ديمقراطية للمواطن السوري سواء كان عربي أو كردي أو أي مكون اجتماعي آخر ,لان فاقد الشيء لا يعطيه,والشعب السوري لا يدفع كل هذه الدماء الطاهرة حتى يستبدل دكتاتورية العائلة بدكتاتورية عرقية شوفينية عنصرية,والنتيجة أن الجناح العربي في المعارضة السورية يخدم أعداء الثورة حينما يريد إقصاء المكون الكردي على أهميته كطرف فاعل في الحراك الثوري,وكحركة سياسية لها تأثيرها الوطني والإقليمي ,وهذا ما يثير شكوك كثيرة حول نوايا هذه الأحزاب تجاه الثورة المباركة .