الرئيسية » مقالات » لقد خابت آمالهم ولم يصبحوا رؤساء جمهوريات !!

لقد خابت آمالهم ولم يصبحوا رؤساء جمهوريات !!




في زمن المؤامرات والإنقلابات العسكرية التي شهدتها المنطقة العربية صعد للجلوس على كرسي الحكم عدد من الوجوه الكالحة والقبيحة مدنيين وعسكريين مشدودين إلى الفكر العشائري المتخلف وميّالين إلى الإستبداد وإحتكار السلطة ونشر الفساد والسرقة وتوزيع المسؤوليات والمناصب العليا على أبنائهم وإخوتهم وأقاربهم وحاشيتهم وقاموا بتأهيل أبنائهم ليخلفوا آبائهم ومستعدين للأخذ بزمام الحكم فأصبحت قضية التوريث لديهم أهم من حياة الشعوب والبلدان ولم يفكروا بأنّ الأيام ستطيح بكراسي حكمهم وبأفكار التوريث السيئة الصيت وان الزمن يصبح ملكاً للشعوب لتطالب حناجرهم بالحرية والديموقراطية ونبذ الروح العشائرية وبناء المجتمعات التي تمجد الإنسان والتي تسير نحو التطور الإقتصادي والإجتماعي.

لقد كانت الحياة في الصحاري وشبه الجزيرة العربية صعبة، والبدو وحدهم، وهم القسم الأكبر قد إنتشروا فيها وخاصة في الشمال منها وكوّنت البيئة الصحراوية حالهم الإجتماعية وكلهم يخضعون لنظام القبيلة ويعرفون الاسرة والعشيرة فقط ومجتمعهم هو مجتمع القبيلة والخيمة فالبدو هم سكان البادية الرعاة الرحل من العرب الذين يسكنون الخيام ويعيشون على رعي الإبل والماشية ويتنقلون من مكان لآخر طلبا للماء والكلأ، وأمّا القبيلة: وهي جماعة من الناس تنتمي إلى نسب واحد، وتتكوّن من عدة بطون وعشائر، وتنتشر القبائل في كل أنحاء العالم، منها ما إندثر، ومنها أوشك يندثر ويذوب في المجتمعات الحضرية المتآخمة، ومنها ما بقي كما نلاحظها في جزيرة العرب والصحراء السورية وغرب العراق وفي أجزاء من الأردن وفلسطين وصحارى شمال أفريقيا.

والعشيرة تتكوّن من مجموعة كبيرة من الأسر تربط بينها أواصر القرابة لأنهم ينحدرون من جد واحد غالبا، وهي تعمل جاهدةً لتحصل على مصلحة لأبنائها ومن ينتمون لها دون أن تعني بالإنسان الذي هيّأ لهم الظروف المناسبة للعيش الكريم، فالعشيرة تحاول بشتى الطرق إعطاء كل الأعمال لأفرادها، وإتاحة الفرص أمامهم حتى وإن كانوا جهلة وغير مؤّهلين، لأنّها تطمس دورالأفراد الآخرين، وتعمل على جعلهم تابعين لهم وملحقين بهم.
تستخدم العشيرة وأحيانا الأسرة الحاكمة القسوة المفرطة مع الأفراد (الشعب) عامة والخصوم خاصةً، وإذا توّفرت لها المال والقوة الكبرى تلجأ إلى إستخدام العنف والقسوة، وفي النهاية تكون الغلبة من نصيبها، وتقيم سلطة استبدادية دائمة التوجس والحذر من أبناء الشعب، وتكون دائما مستعدة لإبادة غالبية الشعب نظير البقاء في الحكم وخير مثال ماجرى في العراق ومصر وليبيا واليمن، وما يجري اليوم في سوريا، والأطرف من كل ذلك هو لجوء العشائر المتمكنة إلى تشكيل أحزاب، ودخولها في الحياة السياسية، والمنافسة لإستلام السلطة وتشكيل حكومات، والزعم بأنّها أحزاب ديموقراطية، وفي هذا السياق توجد عشائر حققت نجاحات وشكلت حكومات، وشدّدت قبضتها على مرافق الحياة.

ان العشائر وأحزاب العشيرة عند تشكيلها الحكومات تقبض بيد من حديد على مرافق الدولة، وهذه الدولة تكون عادة إستبدادية لأن الحكم فيها لشخص واحد أو لفريق من الناس (النخبة) والباقون (أبناء الشعب) مستبعدون وملزمون بالطاعة بلا تفكير إلزاماً تفرضه الرهبة إذا اقتضى الأمر، والأسوأ من كل شيء هو لجوء الاسرة والعشيرة الحاكمة إلى التوريث السياسي.

كانت الوراثة منذ القدم صفة ملازمة للخلفاء والملوك والنبلاء والدوقات والباشوات والشاهنشاهية، فعندما يرحل الملك يصبح ولي العهد ملكا، وفي العالم العربي أطاحت الثورات والإنقلابات العسكرية والمؤامرات بالملكية والملكية الإمامية في بعض البلدان، وعلى أنقاضها قامت الجمهوريات مثلما حدث في مصر والعراق وليبيا واليمن وغيرها، وفي مصر جاء محمد نجيب – رئيس مجلس قيادة الثورة، وبعد عزله ووضعه في الإقامة الجبرية، جاء جمال عبدالناصر وبعد رحيله جاء أنور السادات وبعد قتله عند حضوره عرضا عسكريا بمناسبة حرب اكتوبر جاء محمد حسني مبارك في (14 اكتوبر 1981 – 11 فبراير 2011 “30” سنة) وفي العراق جاء عبدالكريم قاسم، حكومة البعث في مؤامرة 8 شباط الاسود، عبدالسلام عارف، عبدالرحمن عارف، احمد حسن البكر ثم صدام حسين (1979- 2003 “24” سنة)، وفي ليبيا جاء العقيد معمر القذافي (1969 – 20 اكتوبر 2011 “42” سنة) وأما في اليمن جاء عبدالله يحيى السلال 1962، عبد الرحمن يحيى الإرياني، ابراهيم محمد الحمدي، احمد حسين الغشمي، وأخيرا جاء علي عبدالله صالح (1978 – 25 فبراير 2012 “34” سنة).

في سورية أصبح حافظ الاسد رئيسا للجمهورية (1970 -2000 “30” سنة) ومن بعده جاء ابنه بشار الاسد بعد مسرحية ومهزلة تغيير الدستور ليناسب عمر بشار من 40 سنة إلى 34 سنة، وقد وافق على التغيير “”مجلس الشعب”” السوري خلال دقائق محدودة، وهو رئيس الجمهورية السورية من عام (2000 – إلى اليوم 2012 “12 سنة”).

يعتقد الرؤساء العرب حسب تفكيرهم الضحل بأنّ بقاءهم ضروري، كما يعتقدون بأنّهم يمتلكون مؤّهلات الحكم، لكونهم قاموا بإنقلابات للوصول إليه، أو ان الله اختارهم ليصبحوا حكّاماً، والبقاء في الحكم عندهم هو الهدف الاسمى والاهم، ومن أجل هذا الهدف المنبوذ إستخدموا القسوة وسياسة العصا الغليظة ضد الجماهير وابناء الشعب، ولجأوا إلى ملاحقة الوطنيين والتقدميين الذين ينشدون الديموقراطية والتحرر والإنعتاق، وإعتقالهم وزجهم في السجون الرهيبة والقيام بتعذيبهم بطرق فاشية بغية كسر إرادتهم والرضوخ لمطالبهم ومن ثمّ قتلهم بأساليب خسيسة ودون محاكمات، ورغم كل هذه المساويء والمأسي يقومون علناً بسرقة قوت الشعب ويفرضون عليه دفع الأتاوات، وتتجّلى رغبتهم الأهم أن يكوّنوا سلالة جديدة، وأسرة حاكمة جديدة، ونزولا عند الذهنية العشائرية وهيمنتها على شكل أنظمتهم التي أتت بإنقلابات عسكرية وآلية عملها، يتّجهون نحو التوريث السياسي كشرط أساسي لإستمرارية أنظمتهم الخالية من الديموقراطية، فكل ما له علاقة بالعشائر ينحو نحو التوارث المستمر.
إنّ قصّة التوريث والأبدية عند الشعب العربي والشعوب التي عاشت بالقرب منهم عشعشت في أذهانهم منذ الجاهلية وعند مجيء الخلفاء، وعند نشوء القبيلة والعشيرة والاسرة، ولهذه القصة جذور عميقة في وجدانهم، وهي صفة لازمتهم حتى يومنا هذا، وان العديد منهم يلهث مهرولاً للوصول إلى كرسي الحكم، وانّ البعض من العرب ومن أجل الجلوس على كرسي الحكم (العرش) قد فقد رشده وكرامته الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير قطر نموذجاً حين أطاح بوالده الشيخ خليفة الذي غادر البلاد عام (1995) من أجل الراحة والإستجمام في أوروبا.
استطاع الرئيس السوري حافظ الأسد قبل موته أن يرّسخ اركان الوراثة من خلال توريث الحكم إلى ابنه بشار الأسد، وهذا العمل إن دلّ على شيء، يظهر بلا شك بأنّ للإستبداد جذور قوية في الشخصية الفردية المتمثلة بحب الذات والعائلة والإستمرار في الحكم ضد رغبات وتطلعات جماهيرالشعب وإستخدام سياسة التنكيل والقمع والإرهاب لمن ينادي بالحرية والديموقراطية، ووصل الإستبداد حداً تجاوز كل الحدود المعروفة في الإستهانة بالشعوب المحكومة، فوصل حد التوريث السياسي ليشمل الأبناء أو الأحفاد دون أخذ رأي الشعب، فإنّ حكم البعث العربي في سوريا كما في العراق كان حكماً فردياً لم (يلبي) طموحات الشعب، ولم يتفاعل مع إحتياجاتهم، واعتمد على إسكات الصوت الآخر ومنع المعارضة، وعلى تزوير الإنتخابات والحد من حريات الإعلام، ليتحوّل النظام الجمهوري الاستبدادي إلى ملكية صرفة للأسرة الحاكمة وأعوانها، ولكي يزداد القمع والفساد والمحسوبية والمنسوبية.
الدكتاتور صدام حسين دأب على العناية الخاصة بولديه الشريرين عدي وقصي بغية تأهيلهما لإشغال مراكز ومناصب حساسة في الدولة، فالأول وبالرغم من كونه معوقاً كان قائداً لشراذم ” فدائيي ” صدام، ومسؤولاً عن العديد من المرافق الإعلامية والثقافية والرياضية الحساسة في المجتمع، وأمّا الآخر (قصي) فأنه نال مدح وثناء الأب الدكتاتور صدام، وزمرة الدجّالين والمزّمرين التي حملت اسم القيادة العراقية !!، حيث أصبح عضواً في القيادة القطرية للحزب الفاشي المقبور، ونائباً للقائد العسكري العام، ومشرفاً على قوات الحرس الجمهوري،
لقد اهتم صدام حسين بابنه قصي، وحاول بشتى الطرق والأساليب تأهيله لكي يتبوأ قيادة المرافق الحيوية العليا في العراق، وتهيأته ليكون خليفته في رئاسة الجمهورية من بعده وفقاً للعادة الجارية في الأنظمة الدكتاتورية الشمولية.
لإستنساخ طريقة البعثيين في التوريث السياسي، وعلى خطى حافظ الأسد وصدام حسين بدأ كل من الرؤساء حسني مبارك ومعمر القذافي وعلي عبدالله صالح الإهتمام بأبنائهم وتأهيلهم ليصبح كل واحد منهم رئيساً للجمهورية على غرار وطراز بشار الاسد خلفاً للوالد الذي تعب خلال سنوات حكمه الطويل و “”خدماته”” الكبيرة للناس، والجدير بالذكر لكل رئيس جمهورية حزب سياسي، فالرئيس محمد حسني مبارك صاحب الحزب الوطني الديموقراطي اهتم بنجله الاصغر جمال الدين محمد حسني سيد مبارك الذي ظهر بقوة على الساحة السياسية، وأصبح اسمه متداولا كخليفة لوالده، لم ينجح في الصعود بفضل ثورة الشعب المصري في 25 يناير/ شباط 2011، واهتم رئيس الجمهورية الليبية العظمى بولده سيف الاسلام معمر القذافي الذي عمل في جمعية “حقوق الانسان” وكان الفشل حليفه بسبب قيام “الإنتفاضة الليبية” وتم إعتقاله في 19 نوفمبر/ تشرين الثاني 2011 وسط أخبار عن بتر عدد من أصابع يده، أمّا الرئيس العشائري أبو الخنجر علي عبدالله صالح صاحب حزب المؤتمر الشعبي العام اهتم كثيرا بابنه “”العميد احمد”” قائد الحرس الجمهوري والقوات الخاصة.
ولكن الحظ لم يحالف أبناء رؤساء الجمهوريات: قصي صدام حسين، جمال حسني مبارك، سيف الإسلام القذافي واحمد بن علي عبدالله صالح، وقد خابت آمالهم، ولم يصبحوا رؤساءً للجمهوريات العراقية والمصرية والليبية واليمنية كما خطط الآباء، فالاول لاقى حتفه، والثاني والثالث يقبعان في السجن وينتظران الحكم عليهما وأمّا الرابع يعيش وهو عسكري في الخدمة ينتظر مصيره المجهول.
وهنا لابد من الإشارة إلى الأحزاب التي تؤمن بالتوريث السياسي كمنهج تسير عليه وتعمل من أجل ترسيخ مقوماته، وتحويل الحزب إلى حزب الأسرة أو العائلة أو حزب العشيرة الذي يتسع لرئيس الحزب وأبنائه وأخوته وأقربائه والحاشية الموالية له، وان يسيطر هؤلاء بما فيهم الأميين والجهلة على جميع المرافق الحيوية، ولا يفسحون أي مجال للآخرين وخاصةً المعارضين، وهم يريدون منهم تقديم الطاعة والولاء لكي يحصلوا على كل الإمتيازات، ويمكن القول ان هؤلاء (النخبة) يشكلون دكتاتورية عائلية مقيتة بوجود شخص واحد في زعامة الحزب يبقى لفترة طويلة، أو مدى الحياة، ويصاب بحالة الجمود ويعيش في المستنقع الفكري زاعما بأنه سياسي فذ لا يضاهيه أحد، وتتحوّل الحاشية الملتفة حوله إلى مفسدين همهم الاول والاخيرالسرقة ونشر الفساد ومعاداة الجماهير، لتكون حالتهم في الحياة مريحة ومتيسرة.
19/3/2012