الرئيسية » مقالات » ضفاف -المطبعة

ضفاف -المطبعة




“ان انسى لن انسى الليالي التي كنت ابقى فيها في المطبعة لحين طبع النسخة الاولى من الجريدة ومطالعتها والتوقيع عليها ان كانت بدون اشكالات ايذانا بطبع نسخ العدد كله ، لحظات طبع النسخة الاولى كانت تشبه لحظات انتظار مولود جديد ، لانها كانت لحظات ترقب لنتاج يوم كامل من العمل للعديد من الصحفيين والمصورين والمصممين والعمال والسواق والاداريين .. ما افخر به في حياتي الصحفية هي تلك اللحظات التي صقلت حياتي المهنية التي هي جزء مهم من ذاكرتي وتاريخي “.

كثيرة هي الانعطافات التي غيرت وجه التاريخ الانساني وحياة البشر ، وفتحت امامهم افاقا رحبة للتقدم الصناعي والاقتصادي والسبل الكفيلة للتقليل من مشاكل الانسان وهمومه في مجالات الاكتشافات المثيرة في عالم البخار والكهرباء والاتصالات والنقل و الصحة ومختلف فروع المعرفة التي لها علاقة مباشرة بالمعيشة اليومية لملايين الناس ، وفي رأيي المتواضع ان اختراع المطبعة كان حدثا مهما فجر ثورة كبيرة جدا في مجالات نقل المعرفة والعلوم والثقافة ، وجعلت المعرفة امرا مشاعا و متوفرا ومباحا لكل الافراد ، كما كانت انعطافة كبيرة في مجال التعليم في المدارس والجامعات حيث وفرت الاعداد المطلوبة من الكتب ، واقتصاديا وفرت المطبعة العمل وطورت الكفاءة المهنية لمئات الالاف من الباحثين عن العمل ، وادت كذلك الى تحسين صناعة الورق ، لان المكمل الاساس لعمل وانتاج المطبعة هو الورق.

وتقول الويكيبيديا عن طريقة الاستنساخ القديمة ما يلي”:
“ظهرت الطباعة بطبع الكلمات والصور والتصميمات فوق الورق أو النسيج أو المعادن أو أي مواد أخرى ملائمة للطبع فوقها، وتتم بنسخ صور بطريقة ميكانيكية من خلال الطبع من سطح بارز، فكان يتم قديما الختم بالحجر وهذا يعتبر أقدم طرق الطباعة التي عرفت لدى البابليين والسومريين والإيبلاويين والأوغارتيين والأكاديين والحضارات في سوريا القديمة وبلاد ما بين النهرين… “.
يعود تاريخ الطباعة حسب الكثير من المصادر التاريخية لأكثر من ألف سنة خلت ، والبداية حسب تلك المصادر كانت من الصين ، ويقال “ان الصيني بي شنغ طور في عام 1024 ول حروف متحركة ولكنها لم تستثمر بشكل جيد بسبب كثرة أحرف الهجاء الصينية فبقيت الطباعة بالقوالب الخشبية هي السائدة”..

لكن اول من خطى الخطوة الكبرى في مضمار الطبع كان في ايام النهضة الاوروبية عندما حقق الالماني كوتنبرك حلما جميلا في عالم نقل المعرفة ، فشغل اول مطبعة في السادس والعشرين من شباط عام 1710، مقدما للانسانية هدية لا تثمن ، فبدل ان يجلس الكتبة اشهرا وسنين لخط الكتب اصبح بالامكان طبع مئات او الاف النسخ بمدة قليلة جدا ، ويكون الكتاب تحت ايدي القراء اينما يكونوا ، ويقال ان اول كتاب طبعه كان الانجيل ، ولم تتغير الة الطباعة كثيرا منذ ذلك الحين ، ولكن طرأ في عام 1800 تغيير نوعي في الة الطبع حيث قام الانكليزي ايرل اوف ستانهوب بصنع جهاز طبع كل اجزائه من الحديد ، وفي عام 1811 قام الالماني فريدريك كووينك باختراع مطبعة تدار بالبخار وتقول مصادر ان صحيفة التايمز اللندنية استعملت مطبعة ذات اسطوانتين دوارتين تعمل بالبخار لاول مرة في عام 1814 وتنتج 1100 نسخة في الساعة .
وكالاختراعات الاخرى ، اجريت تحسينات كثيرة على الة الطبع ، وتطورت اجهزته من ناحية الصنع و تحسين نوعية الانتاج وكميته ، حيث اصبحت انتاجيته اكثر بكثير عن السابق .
ولعلني كنت من المحظوظين الذين شهدت وعملت في صحافة تجمع حروف موادها باليد ، فقد عملت عام 1972 الى عام 1974 في جريدة التاخي التي كانت يصدرها الحزب الديمقراطي الكوردستاني في بغداد، وعملت في ملحقها الكوردي ايضا ، وكان الملحق يطبع في مطبعة قديمة لا اتذكر اسمها بالضبط ، كانت تقع في منطقة قريبة من الاعظمية، وكان يعمل في جمع حروف الملحق عاملان احدهما من السليمانية لا اتذكر في هذه اللحظة اسمه مع الاسف ، وكان سريعا جدا في جمع حروف المقالات ، وعلى ثقافة جيدة ، لذلك كان يحاججنا في بعض الكتابات ، والاخر كان مسيحيا من برواري يسكن بغداد كان اسمه “عمانوئيل” وكنا نناديه “عمو” ويجيد الكوردية تماما بل كان يتدخل مرات في كتاباتنا ويصلح بعض اخطائنا ، ولم تكن هناك خطة تصميم للصفحات مثل الان ، لكن بالتأكيد كانت اهمية المقال تؤخذ بنظر الاعتبار في اختيار موقعه على الصفحة ، ومن الصدف الجميلة ان التقيت بالعاملين نفسيهما يؤديان العمل نفسه في مطبعة الثورة الكوردية في “جومان” اثناء التحاقي بالثورة عام 1974.
في مطابع تلك الايام كانت هناك منضدة حديدية مقسمة على خانات بعدد الحروف والارقام ، وفي كل خانة هناك المئات من الحروف الصغيرة والكبيرة المصبوبة من مادة الرصاص ، وكانت ترص حروف المقالات على صفحة الجريدة التي كانت تتكون من وعاء مسطح من الحديد او الالمنيوم ، وكانت ثمة طريقة لضغط حروف المقالات ببعضها حتى لا تنخلع او تكب اثناء وضعها على الة الطبع التي كانت تحركها على طريقة كبس الورق، ولآن مادة الرصاص والعمل المستمر في اجوائها تؤذي الانسان فكان على ادارة الجريدة ان تهيء يوميا قنينة من الحليب لكل عامل في المطبعة .
والان ، ما زالت المطبعة ، وفي كل العالم ، موجودة وتدور ماكنتها توصل ملايين النسخ من الصحف والمجلات والدوريات الى مئات الملايين من الناس ، ولكن رائحة الرصاص والدهون قلت الى درجة كبيرة ، واصبحت تلك الالات تدار كهربائيا وباحدث التقنيات المتطورة في عالم الطباعة الحديثة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *