الرئيسية » التراث » تراثيات …. الجندي المجهول اكرام الأم بمخيلة الزعيم عبد الكريم قاسم

تراثيات …. الجندي المجهول اكرام الأم بمخيلة الزعيم عبد الكريم قاسم

alt



 


alt


alt


alt


alt



تراثيات….الجندي المجهول اكرام الأم بمخيلة الزعيم عبد الكريم قاسم


alt


لم يكن الرومان وحدهم الذين خلدوا تاريخهم بالتماثيل والصروح لتكون شواهد مجد على عصورهم وحين دخل الاسكندر الاكبر الى بابل وهرب الملك الفارسي تاركا وراءه نسائه ورعيته بالجنائن المعلقة , تسائل الاسكندر المقدوني كيف بنيت بابل ياترى وليس من حولة الاحجار والصخور ؟ ألهذا الحد اعجب البابليون بنساء جميلات ومن اجلهن بنيت تلك الجنائن ؟ أنه فن الخلود..
alt
وهكذا بنى الفراعنة الاهرامات شخوصا للتاريخ وبنى الفرس المدائن ( طيسفون ) وبقيت شاهدة على فن العمارة وبنى الاغريق والرومان الحضر وبعلبك وتدمر وبنى الاشوريون والبابليون والسومريون أور وأكد وزقورة عقرقوف .


alt



في باحة الثانوية المركزية بباب المعظم بأربعينات القرن الماضي يتناقش الطلبة ماذا بقيت لنا من آثار ياترى وقد تأكلت بفعل عوامل الزمن ولاسيما آن مابني بحضارة وادي الرافدين من الطين والقش والاجر وليس الصخر . يغلق الطلبة كتب المطالعة بالتاريخ من رفوف المكتبة وهم يتحسرون لماضيهم المنهار .

يتداول الطلبة الاحاديث البرج المائل بروما بقي وقوس النصر بباريس بقي وتخت جمشيد بفارس باقي والاهرامات صامدة كصمود ابي الهول . لم لانملك شيئا لنتفاخر به ؟

تلك الاحاديث ذكرتني بمعلمي بالابتدائية رحمه الله الاستاذ عيدان فقد كان استاذا نموذجيا ففي يوم من الايام طلب منا فتح الدفاتر السمراء وقال لنا اكتبوا مايلي :

ذهب سعيد ومعه الزاد وبيده العصا , وصعد التلة ومن ثم اراد صعود الجبل وعند منتصف الجبل رأى اسدا .

قال لنا الاستاذ عيدان ( سدوا دفاتركم هسه , وباجر اريدكم تكملون باقي القصة بنفسكم ).

استغربنا ونحن صغار ماذا حل بسعيد وخرجت من باب المدرسة وتناولنا الشوربة مع نصف صمونة من العربانة بعد أن دفعنا له المبلغ وعدت للبيت مسرعا , لكي اطلب من ابي المساعدة , ماذا سأفعل بباقي قصة استاذ عيدان , فلم يساعدني أبي مباشرة ولكنه لمح لي ببعض الافكار مثلا ويبدوا أنها كانت قصص بمخيلته وقال :
كان بفد زمان فد رجال شاف اسد والرجال انهزم من الخوف وختل ورا الشجرة , وقال ايضا في شهربان كان رجلا يتنزه رأى اسدا والحمد لله الرجل كان بيده عصاة قوية فضرب بها الاسد ومات . وقال في مدينة بدرة تكثر الاسود بالوديان فرأى رجلا ايضا اسدا صغيرا فتقرب منه الرجل ونزع جاكيته و وضعه على وجه الاسد ومن ثم ربطه وجاء بها لسوق بدرة ليبيعه .. وهكذا من تلميحات أبي , وبيني وبينكم هي تعتبر غش ولكن لكي يفهم اللبيب الاشارة ..

في اليوم الثاني نادنا المعلم واحدا واحدا لنقرأ أمام الطلاب تكملة قصة سعيد فسمعت صديقي غالب يقول : ومن ثم أخرج سعيد السكين ابو الياي وشق بطن الاسد , أبتسم المعلم وقال عافرم ونادى الاخر وقال : أما سعيد فلم يكن جبانا فصاح بأعلى صوته النجدة النجدة وجاءوا بقية الرعاة وانقذوه . ابتسم المعلم .

أما الغشاش فينا فكان سريعا مايكتشف لأن القوبية آتبين أذا واحد ينقل من دفتر اللاخ…
علمنا استاذ عيدان رحمه الله فن القصة وفن الكتابة وفن الالقاء , أما استاذ كوركيس فكان يجمع لنا كلمات تتشابه مع بعضها مثل رمان ريحان بستان عدنان جنان فنان عطشان نعسان ويقول لنا قربوها مع بعضها باضافة كلمة او كلمتين مثلا أنني عطشان وجالس بالبستان عجبني الآلو بالو والرمان وهكذا من اجل أن يخلق فينا شعراء للمستقبل نتحدى الرصافي والمتنبي والزهاوي كان يقول دوما اريدكم أحسن من هذول تصيرون .. رحم الله معلمينا

بقيت في ذاكرة طلاب الثانوية المركزية بباب المعظم الكثير الكثير من الافكار وعندما يتخرج هؤلاء الطلبة ويدخلون كليات ويدرسون اختصاصات تبقى في ذاكرتهم المراحل الاولى من الابتدائية والثانوية وكان اللواء المرحوم علي عبد السادة مدير شرطة بغداد الكرخ كثيرا ماكان يحدثني عن فترات الصبا ومابقي له من ذكريات ككرة اللاستيك الملونه الصغيرة .


alt



عند بزوغ فجر الرابع عشر من تموز 1958 طلب الزعيم عبد الكريم قاسم من الفنانين العراقيين تخليد رموز وتماثيل ونصب تذكارية لهذه الامة العراقية العظيمة وتمجد الانسان العراقي بتاريخه وماضيه وحاضره ومستقبله , أسرع طلبة معهد الفنون الجميلة ومنهم الاساتذة الذين تعلموا ودرسوا بمعاهد روما وباريس ولندن ليخلدوا حضارات منسية كنسيان بابل واشور واكد وسومر وفترة حكم الاسلام وحكم العثمانيين والفرس والعباسيين مرورا بقيام وتخطيط الحدود حين دخول الانكليز , في مخيلة الزعيم لم يكن فترة حكم الملكية بالسيئ ولكنه مرتبط بالاستعمار لذا اكتفى بكسر قيد السجن في تمثال الحرية بوسط الباب الشرقي واضافة رموز الحضارات في النصب

في عام 1959 أستدعى الزعيم قاسم الفنان رفعت الجادرجي ليشرح له وضع نصب لتمثال الجندي المجهول ومدى ارتباط هذا الجندي ودفاعه عن الارض واستشهاده ويوارى الثرى وكيفية أيصال رسالة للناس على أساس هذا هو الجندي المجهول..


alt



صورة لمخطط عثر عليها في معهد الفنون انذاك يرمز للأم تحمل ابنها
أنطلق الفنان العراقي المبدع رفعت الجادرجي لرسم تخطيطات أولية عن ذلك الجندي فكانت الرمز هي الأم وألأم وحدها تعرف وتشم رائحة أبنها وسط ملايين الجنود والبشر .

بوشر العمل بالرمز الثماني , ألا وهي ألام لابسة ثوبها المحشم الواسع الطويل لايبين منها شيئا كدلالة على أن تلك الحالة تنسي الانسان النظر للمرأة ومن ثم تنحني لترفع أبنها من الارض لتضمه لصدرها فغرست يداها وارجلها بالارض وبقيت هكذا منحنية دلالة على كسر ظهرها بفقد عزيزها , أضيف لما بين وسط القوس الثماني شعلة نار أزلية تنير ليل ساحة الفردوس ويرمز لذلك الجندي المجهول الباسل ..


alt



تم التخطيط بزمن الملك فيصل الاول على بناء جامع ويسمى بجامع الملك فيصل , احداث ثورة 14 تموز سبب تأخر العمل بالجامع ثم اتجهت النية لتسميته بجامع العلوية وتغيرت النية لتسميته بجامع الجمهورية , الا أن الزعيم عبد الكريم قاسم افتتح الجامع بعد اكماله في 14 تموز 1959 وسميت بجامع الشهيد ولكن لم يصلى فيه انذاك حتى عام 1963 وسماه الناس جامع الجندي المجهول وسماها القوميين العارفيين جامع 14 رمضان وتسمى حاليا جامع الفردوس قرب نصب الجندي المجهول..


alt


انتشر الحرس القومي بدباته بساحات بغداد 1963
ولقد كان شيئا رائعا لبغداد والعراق أن يبنى نصب الجندي المجهول فقد بني أول رمز من الكونكريت المسلح لاتتآكل , في جميع بلدان العالم رموز وتخطيطات لفنانين للجندي المجهول , أما الرمز العراقي الجديد لهو الافضل والاجود والارقى تعبيرآ , زاره الكثير الكثير من الرؤساء والزعماء وتفهموا ذلك المعنى الانساني بين الأم والابن أنها عاطفة الشرقيين جميعا …


alt


أفراح الناس بيوم الجيش 1961 وتأييد الزعيم الاوحد عبد الكريم قاسم
بقيت أذهان العراقيين جميعها ترنوا للزعيم عبد الكريم قاسم وفي 8 شباط تآمر البعثيون والقوميون الناصريون على قتل صديقهم وتصفيته ونعتوه بعشرات النعوت.

أستلم صدام حسين مقاليد السلطة في 1979 بعد تنحي البكر بحجة المرض وساد الجو للرئيس الجديد صدام حسين ليمحوا من ذاكرة العراقيين كل ما يتعلق بسيرة عبد الكريم قاسم من تغيير مناهج التربية والتعليم مرورا بآخر صرح بناه الزعيم قاسم ألا وهو ذلك الجندي المجهول فلن يهدئ بال صدام والناس ترى وتمجد عظمة الصرح ودلالته . ..

alt


في منتصف ليل الشتاء سارعت الرافعات لهدم الصرح للجندي المجهول1982
وصلت رسالة لامانة العاصمة من الديوان الرئاسي بأزالة الجندي المجهول في نهاية 1982 أي بعد شهر من الرسالة الاولية التي اهملها رفعت الجادرجي وحينها جاء آمين العاصمة ومعه مدير الدائرة الفنية ليخبروا رفعت الجادرجي بالخبر المؤسف والمزعج , ألا وهو هدم الصرح الجميل , تناول رفعت الجادرجي كامرته مسرعا لتصوير آخر مشاهد قتل الأم وأبنها الجندي المجهول ..
alt


الجندي المجهول جثة هامدة من الركام
باشرت الرافعات ليلآ والناس نيام بهدم القوس الثماني وأهالي الكرادة كانوا يتصورون أن تلك الاصوات هي الرافعات التي تبني فندق ميرديان والشيراتون .

آشرق الصباح في جو بارد , والناس متلفلفين بملابسهم الشتوية لايقوون على النقاش بهذا الجو البارد وسط ذهول تكوم انهيار الجندي المجهول فتسائلوا بعضهم لبعض:


آشلون تفلش الجندي المجهول ؟ .


رد الاخر.. أيبين الاساسات مو شئ ..


قال أخر : راح يبنون من جديد من يكمل الاوتيل الشيراتون علمود يقوون اساسات البنايات لانه قريب الشط ..

ذهبت بمعية الصديق هاشم الخفاجي وعباس الجبوري لتأدية واجب الفاتحة في حسينية الدهاليك يومآ , استمعت للشيخ قائلآ :


لا يوم بعدك ياحسين ..


التفت ألينا هاشم الخفاجي قائلآ بصوت خافت : ولا يوم بعدك أيها الجندي المجهول ..

لم نعلم أن نصب الجندي المجهول المميز قد انتهى وللابد .. .

صدرت آوامر رئاسية بوضع تمثال ضخم للرئيس صدام حسين بنفس مكان الجندي المجهول السابق وليكون حال واقع جديد ليتعود عليه العراقيين ويوضع من حول الساحه 37 عمودا كدلالة على تاريخ ميلاد صدام في 1937 ويكون تمثاله عاليا في وسط تلك العواميد ..
alt
بعد سقوط النظام في 2003
جاءت ثلاث حكومات متعاقبة حكومة الدكتور اياد علاوي وحكومة الدكتور ابراهيم الجعفري وحكومة نوري المالكي و أوعدت العراقيين بأعادة نصب الجندي المجهول ولازال العراقيون ينتظرون مسؤولا جريئا وشجاعا ليعيد الجندي المجهول وكلها وعود ثم وعود وتصريحات ماقبل الانتخابات ..


alt


وأخيرا:


من يدري لربما كان الطالب عبد الكريم قاسم في الاعدادية المركزية يشارك زملاءه بجدية العمل على احياء الشواخص والرموز وفن العمارة والتاريخ…

المصدر: http://hammdann.net/index.php?option=com_content&view=article&id=5272:2012-02-04-20-28-06&catid=41:2011-01-30-07-39-43&Itemid=84