الرئيسية » مقالات » مناقشة مسرحيّة الزينة في الكرمل!

مناقشة مسرحيّة الزينة في الكرمل!

منتدى الحوار الثقافي أقام ندوته المزنرة بزيق زينة المحبّة والعطاء والإنسانيّة في مركز البادية عسفيا الكرمل بتاريخ 27-10-2011، حيث ناقش “مسرحيّة الزينة” لمؤلفها الفنان والشاعر د. سليم مخولي، فاستهلّ الشّاعر رشدي الماضي اللقاءَ بكلمة جاء فيها:
أهلاً بالحضور وبدوريّ حفل الكلام د سليم مخولي، الذي ركبَ ولمّا يزلْ صهوةَ الحرف عصفورًا دوريًّا يُزقزق على صفصافةِ الكلام، ويُسافرُ في الحاضر المرئيّ منه واللاّمرئيّ بنحو الآتي والمستقبَل، يسافرُ إلى مبتغاهُ وما مِن زادٍ لديهِ غير اللغة والخيال والرّسم باللّوحات، فهو المزارع في حقل الكلمات يُرتّبُها ويُنقّي بيادرَ حنطتها، لتظلّ قطراتِ ندى على جبين الإبداع، وطوافًا يجرفُ عورته ويحتمي فيهِ كلّ المرتعشين من صقيع الحياة.
نعم أيّها المبدع د. مخولي، تؤكّدُ سيرتك ومسيرتك وتجربتك الإبداعيّة الخصبة، إنك لمّا تزلْ منذ سنواتٍ ضوئيّةٍ تحفرُ وتُنقّبُ في أسرار الكلمة وفي أركيولوجيا وجغرافيّة تضاريسها بحثًا دؤوبًا، إلى ما يجعلُ منها لحظة إبداعيّة تضجُّ بالجَمال.
أخي أبو حبيب.. كلّ كلمةٍ مِن قلمك وكلّ لونٍ مِن ريشتك ولدٌ شقيّ في جامعة الإبداع، لأنه أبى إلاّ أن يظلّ الشقيّ الوفيّ لشعبهِ المُرهَق ووطنِهِ الهارب، فمنذ إبداعِك الأوّل “معزوفة القرن العشرين” عام 1974، وحتى جديدك “الزينة” بقيتَ الخلَّ الأمين بقلمِكَ وريشتِكَ لمسارِك الإبداعيّ، تداعبُ الحروفَ والكلماتِ وتمزجُ قوسَ قزح الألوان، لترسمَ الصّورَ واللوحاتِ وتتدفّقَ بالمعاني المُحلِّقة بعيدًا، لتظلّ شجرة التغيير والتغيّر، وتبقى شعاعَهُ ووقودَه.
وجاء في مداخلة الدكتور الشاعر فهد أبو خضرة:
التقييمُ العامّ للمسرحيّة جيّد، والمسرحيّة ناجحة والمضمون يُواكب الأحداث الرّاهنة بطريقةٍ فنّيّة وليسَ توثيقا، وإنّما هو يعكسُ الواقعَ ويُحاولُ أن يُوجّهَ إلى حلّ مقبول، وعادةً مَن يُواكبُ الأحداثَ بطريقةٍ ناجحة هو المسرحُ الكوميديّ الهزليّ السّاخر، وهو مقبولٌ جدّا عندَ الجمهور ولهُ رُوّادٌ كثيرون ودائمون في لبنان ومصر وغيرهما، والمسرحُ الجادّ عليه أن يختارَ بين إرضاءِ الجمهور وإرضاء العقل والمنطق والأصول وما إلى ذلك، وإرضاءُ الجمهور جيّدٌ لشبّاكِ التذاكر، ولكنّهُ قد يتعارضُ مع ما يجبُ أن يكونَ الحلّ الذكيّ مطلوب، و(أدهم الشرقاويّ ليوسف وهبه: ما هو الحلّ الذكيّ اليوم؟
البعدُ الزمنيّ عن الأحداثِ يُعطي رؤية أكثرَ وضوحًا.
لغة المسرحيّة هي اللغة الفصيحة المعاصرة، مع خروج في بعض المواضع على القواعد (المنصوب غير المنوّن- أدعمه)، وهذا الخروجُ يجبُ أن يكون مدروسًا ليُشكّلَ لغةً مقبولة، كيف ولماذا؟ ونبدأ بالسؤال لماذا؟
اللغة العامّيّة مقبولة في التمثيل وليست مقبولة كأدب مكتوب، واللغة الفصيحة مقبولة كأدب مكتوب وليست ناجحة في التمثيل، فالحلّ إذن في نوع من المزج بينهما، وذلك بالعودة إلى اللغةِ الثالثة التي اقترحَها وطبّقها توفيق الحكيم في عددٍ قليل مِن مسرحيّاتِهِ (الصّفقة.. الورطة).
ما هي هذه اللغة؟ هي لغة فصيحة مفرداتُها يمكن أن تُقرأ مشكولة أو غير مشكولة، ولكن العائقَ الأساسيّ فيها هو المنصوب، والتغلّبُ عليهِ في رأيي ميسورٌ إمّا بتجنُّبِهِ إو بإجازةِ الوقفِ بالسّاكن، والخروجُ الذي أشرتُ إليه في هذه المسرحيّةِ يُطبّقُهُ بحذرٍ د. مخولي وبدون التزام، وهذه اللغة الثالثة المُشارُ إليها هي التي أُطلِقَ عليها لغة المثقفين، وهي صالحة للتفاهم بين جميع الشّعوب العربيّة.

ثمّ كانت مقاربة الفنان المسرحيّ والأديب عفيف شليوط لمسرحيّة الزينة لد. سليم مخولي
جاء فيها:
من أهمّ مقوّمات الكتابة المسرحيّة هي العلاقة بين المؤلف المسرحيّ وعمليّة الإخراج، وضرورة مواكبة المؤلف لعمليّةِ إخراج المسرحيّة، الفعل، الدّراما.
ثم تحدّث عن المسرح الإغريقيّ وعن أرسطو وفنّ الشّعر، وتعريف المسرحيّة التراجيديّة والكوميديّة، فالمسرحيّة تتميّز عن بقيّةِ الأنواع الأدبيّة أنّها تعتمدُ بالأساس على الحوار، فالمسرحيّة تُكتبُ لتُمثّلَ لا لتقرأ. وتحدّث عن مسرحيّات توفيق الحكيم (المسرح الذّهني).
وبناءً على كلّ ما جاء في المقدّمة بدأ بموضوع شخصيّةِ الرّاوي في المسرحيّة:
في ص8 الرّاوي يسردُ لنا عن الملك الجبّار الذي كان يعيش في جزيرة نائية ويصِفُ هذا الملك، وهذا سردٌ ووصف يتناقضُ كلّيًّا مع الفعل الدّراميّ، رغم أنّ المسرحَ العربيّ وللأسف يُكثّفُ من استخدام الرّاوي.
ربّما يقولُ لي البعض أنّ المسرحَ الإغريقيّ استخدم الجوقة، ومسرح بريخت استخدمَ الرّاوي والشّخصيّات التي تتدخّلُ وتتحدّث مع الجمهور، وتُعلّق مثل شخصيّة الرّاوي عندنا، ولكن شتّان ما بين هذا وذاك.
ولو طُلب منّي أن أُخرِجَ هذه المسرحيّة يُشرّفني ذلك، أو أن أكتب إعدادًا لها كنتُ أُلغي شخصيّة الرّاوي تمامًا، وهذا لا ينتقصُ مِن المسرحيّة أو من الأحداث، بل على العكس الرّاوي بتعليقاتِهِ وسرْدِهِ كان يكشفُ الأمورَ أكثر، ولا يتركُ لنا ولخيالِنا كمشاهدين شيئًا.
أمّا أن يبدأ الكاتب مسرحيّته بدون الرّاوي من خلال الحوار بين الحاجب والوزير فهو أكثر دراميّة، والبداية مشوّقة لمتابعةِ الأحداث، حيث نتابعُ الاستعداداتِ والتحضيرات للاحتفال بِعيدِ المَلك، فما أجملَ أن تنتقلَ لنا المعلوماتُ عن التحضيراتِ للاحتفالاتِ بواسطة هذا الحوار الدّراميّ، وتخيّلوا لو نُقلت إلينا بواسطة السّرد (الرّاوي مثلاً) لفقد العنصر الدّراميّ.
ومنذ بدايةِ المسرحيّةِ، ورغم الأجواء الاحتفاليّة والاستعدادات، نشعرُ بالأجواءِ الشّاحبة في ظلّ هذا الفرح، مثلاً :”وإنّ شيئًا سيكون يُشبه السّقوط أو الانهيار” ص5.
فهنا النّصّ مشحونٌ ومُدَعّمٌ بالصّراعات والتّناقضات منذ اللحظة الأولى لبداية المسرحيّة، وهذا يُسجَّلُ لصالح الكاتب، ولو يسمح لي الوقت لخصّصتُ وقتًا أكثرَ للحديثِ فقط عن افتتاحيّة المسرحيّة. كما أنّ النّبوءة في بدايةِ المسرحيّة “وإنّ شيئًا سيكون يشبه السّقوط أو الانهيار”، تذكّرُني بالنّبوءاتِ أو اللّعنات التي كانت تطاردُ أبطالَ المسرحيّاتِ التراجيديّةِ في المسرحيّاتِ الإغريقيّة أمثال أوديبوس (الملك أوديب)، وأنتيجوني لسوفوكليس.
وتحدّث عن البطل التراجيديّ وتعريفِه، والنّهاية المحتومة المأساويّة التي لا يمكن تغييرَها.
وبعدَ بداية المسرحيّة والتقدّم بالأحداث قليلاً نكتشفُ تلميحاتٍ ذكيّة مِن قِبل الكاتب، عن علاقةِ الوزير بالملكة والتي يكتنفها الغموض، فكم هي حزينة هذه الملكة، وكم هي وحيدة، وكم هي غير راضية. وفي الوقت ذاته نكتشفُ شخصيّة الوزير في هذا الحوار كم هو دبلوماسيّ، ويمسك بكلّ الخيوطِ دون أن ينقطعَ أحدُها، فهو يتمتعُ بثقةِ الملك وبثقة الملكة في آن واحد، رغم التناقضات الكبيرة في مواقفهما، وهو يُوفّقُ بين الأمريْن لحِكمتِهِ لا لدهائِهِ ونفاقِه.
وهو نفسه يتحدّث عن نفسِه: “عليّ أن أكون يقِظًا مُستنفَرًا في كلّ حين، أذود عن الملك وأحميه، أدافع عن الملكة وأحفظ سلامتها وسعادتها، أدافع عن القلاع والجنود ولا أميّز هذا وذاك”. ص 22
أي أنّه يتدبّرُ أمرَهُ مع الجميع ويهتمّ بأمر الجميع ومُخلصٌ للجميع، فكيف لنا أن نحلّ هذا اللغز؟
كيف يمكن أن يكون هذا؟
ولكن فوْرَ هذا المشهد لدى دخولِ الملك نلاحظ التزلّفَ والمديحَ المُبالَغَ به للملك مِن قِبل الوزير، ممّا يزيدنا حيرةً من أمره. مَن هو؟ ماذا يريد؟ مَع مَن وضدّ مَن؟ أم هو بلا طعم ولا لون، بدون موقف حتى يحافظ على مركزه ومَنصبِه؟!
ويستمرُّ التزلّفُ والمديحُ الى أن يبدأ الوزيرُ بمكاشفةِ الملك، من خلال تلميحات لِما يُفكّرُ به الوزير حقيقة، ممّا يُخفّفُ مِن حدة تساؤلاتنا حولَ هُويّةِ الوزير وعن صِدق مواقفِهِ وإخلاصِه، حيث يبدأ بمصارحةِ الملك مِن خلال تلميحاتٍ خفيفة، تمهيدًا للكشف عمّا هو أشدُّ وأكثرُ خطورة، وهنا تبدأ علاقة الوزير والملك بالتوتر، لأنّ المَلكَ يرفضُ هذا الطّرح الجديد مِن الوزير. الاقتباس من صفحة 36 الحوار بين الملك والوزير.
ونرى قمّة جنون العظمة لدى الملك ومدى عنجهيّتِهِ وعدم واقعيّته عندما يقول:
“وهل تجرؤ الرّياح دخول مدينتي دون إذن؟” ص39، ويتابع: “سأسجن الرّيحَ إذا هبّت”.
وهذا يُذكّرُنا بما يجري للرّؤساء العرب المخلوعين والذين على طريق الخلع، كيف لا يُقدّرون الأمورَ بشكل صحيح، وكيف يتعاملون مع ثوراتِ شعوبهم، ولكن إرادة الشعوب أقوى من كلّ السّلاطين وغطرستهم، كما جاء على لسان الشاعر الفلسطينيّ الرّاحل راشد حسين:
سنُفهمُ الصّخرَ إن لم يفهم البشر/ إنّ الشعوبَ إذا هبّت ستنتصر/ مهما صنعتم من النيران نـخمدُها/ ألَمْ ترَوْا أنّنا مِن لفحِها سُمر/ ولو قضيتم على الثوّار كلهم/ تمرّدَ الشّيخ والعكّازُ والحجر!

وهنا يستمرُّ الكاتبُ في استعراض مواقف متكرّرة تصفُ حالاتٍ مختلفةً ومُتعدّدةً مِن غطرسةِ واستبداد المَلك، وعدم استجابتِهِ لإرادةِ الجماهير، ومرّة أخرى هنا يستخدم الكاتب الرّاوي ليسردَ لنا ماذا يجري ص47، وهنا أيضًا يمكننا تبديل هذا السّرد بحالةٍ مسرحيّةٍ، برقصةٍ مُعبّرة، بحوارٍ مسرحيّ دراميّ، لئلاّ نقعَ مرّة أخرى في مطبّ السّرد.
يستخدمُ الكاتب ص49 ألعابًا جميلة بالألفاظ، فعن طريق الصّدى يُزوّدُنا الكاتبُ بالمعنى الخفيّ وبشكلٍ ساتيريٍّ ساخر، وهنا يمكن تطوير المشهد لدى إخراج المسرحيّة، لتتحوّلَ إلى طقس معيّن يدمجُ الحركة مع التلاعب بالألفاظ، مع استخدام الموسيقا التأثيريّةِ والمُؤثّرات الصّوتيّة، التي تخدمُ الحالة المسرحيّة التي نحن بصددِها.
ومرة أخرى ص75 الرّاوي يشرحُ ويُفسّرُ الأمورَ بدلاً من عرض الحالة، فلا يتركُ المشاهدَ أو القارئَ يفكّرُ بما شاهد أو قرأ، وهنا مرّة أخرى يمكن تقديم مشهدٍ دراميّ مُثير، يُصوّرُ لنا الحالة التي كان يمرُّ بها الملك من غرورٍ وعنجهيّة ومرض عظمة. ولا أدري لماذا تحضرُني هنا قصيدة الشّاعر نزار قباني في “السّيرة الذّاتيّة لسفّاحٍ عربيّ” يقولُ فيها:
أيّها الناس/ لقد أصبحتُ سلطانًا عليكم/ فاكسروا أصنامَكم بعدَ ضلالٍ واعبُدوني/ إنّني لا أتجلّى دائمًا/ فاجلسوا فوقَ رصيفِ الصّبر حتى تبصروني/ أتركوا أطفالَكم مِن غير خبز/ واتركوا نسوانَكم مِن غير بعل واتبعوني/ احمدوا اللهَ على نعمتِهِ/ فلقد أرسلني كي أكتبَ التاريخ/ والتاريخُ لا يُكتبُ دوني/

لا أدري لماذا عندما قرأت هذا المشهدَ، وجدت من المناسب ومن خلال رؤيةٍ إخراجيّة، أن يتمّ إدخال هذه القصيدة في هذا المقطع، مع خلفيّةٍ سينمائيّةٍ تَعرضُ حالة الشّعوب العربيّةِ التعيسة، وهو الملك، يتحدّث بعنفوان غروره وتأليهِهِ لذاتِه.
موضوعُ مرض ابن الملك الوهميّ جاءَ ليُحدِثَ نقطةَ التحوّلِ لدى شخصيّةِ الملك، لكنّه لم يكن مُوفّقًا، وكان غيرَ مقنع بتاتًا.
أمّا فكرة إدخالِ شبح الموت للحدّ مِن غرور الملك، ولوضع حدّ لجنون العظمة لديه فكان مُوفّقًا، وهذا الدّمج بين الخيال والواقع في المسرحيّة التي كان طابعُها العامّ الواقعيّة، كان بمثابةِ حُلم، أو حالة هذيان لدى شخصيّة الملك، وقد تمّ تجسيدُ هذه الحالة بحالة مسرحيّةٍ دراميّة مُوفّقة.
نهاية المسرحية تعلن جنونَ الملك رغم صراخِهِ في نهايةِ المسرحيّة، ص101:
“سأقطعُ رؤوسكم جميعًا، سأقتلكم! أنا الملك العظيم، أنا ملك الملوك”.
واضح الإشارة والرّمز والإيحاء لمَن.. للحاكم الذي يعكس شريحة كاملة من القادة العرب الذين خانوا شعبَهم وتغنّوْا بعظمَتِهم، فكان المصيرُ المحتوم لأمثالِهم!

وقد جاء في مداخلة الشاعر د. منير توما: ملامحُ داء جنون العظمة البارانويا عند الحاكم في مسرحيّة الزينة لد. سليم مخولي:
يمكن تصنيف الملك في مسرحيّة الزينة لد. سليم مخولي بأنه يندرجُ ضمن الشّخصيّات التي تعاني من مرض البارانويا، فالملك يمارسُ الطّغيانَ والاستبدادَ في حُكمِهِ، ولا يرى في رعاياه سوى قطعان مِن البهائم، له حقّ التّصرّفِ في مصائرهم كما يشاء، سواء أكان ذلك بالإذلال أو القتل، ويُرجّحُ أنّ ذلك نابعٌ من مرض البارانويا الذي تفاقم لديه، كما تُصوّرُ لنا المسرحيّة من خلال تواتر الحوار والأحداث فيها، ويُصنّفُ مرضُ البارانويا بأنّه ذُهانٌ وظيفيّ، ويُعرَفُ بجنون العظمةmegalomania ، لأنّ أهمَّ ما يُميّزُ المَرضَ أنّه يُشعِرُ المريضَ بالعظمة، وأنّه صاحبَ منصبٍ رفيع أو جاهٍ لا مثيلَ له، كما يَشعُرُ مريضُ البارانويا بالغيرة الشديدة والشّكّ في الآخرين وأهدافِهم، ويُفسّرُ سلوكَهم مِن وجهةِ نظرِهِ هو، كما فعلَ الملكُ في المسرحيّة مع وزيره، ولذلك كثيرًا ما يعملُ مريضُ البارانويا على إيقاع غيره في مشاكلَ ينسجُها من خيالِه، وجنونُ العظمة هذا الذي يُعاني منه المَلكُ هو مرضٌ نفسيٌّ خطير، إذ يُخالفُ الواقعَ ويدّعي امتلاكَ قابليّاتٍ استثنائيّة وقدراتٍ جبّارة، والمريضُ عادةً يعتقدُ بشكل قاطع بامتلاكِهِ صفاتٍ غير واقعيّة وعظمة وهميّة، ولا يقتنعُ بمخالفةِ الآخرين له في هذا المضمار، والذي يُصابُ بمرض جنون العظمة يرى نفسَهُ فقط ولا يرى الآخرين، كما هو الحال مع الملك في هذه المسرحيّة، وكما قالَ الشاعر العربيّ قديمًا:
ما أكثرَ النّاسَ لا بل ما أقلَّهم/ الله يعلمُ أنّي لم أقل فنَدا/ إنّي لأفتحُ عيني حين أفتحُها/ على كثيرٍ ولكن لا أرى أحدا
فهو يعيش في عالَم الوهم المُكتسَب، ويعتقدُ أنّ كلَّ الناس رهْنُ إشارتِهِ وطوْعُ أمرِه:
“الملكُ عظيمٌ عظيم! صدّقْ هذا.. هذا الحشريّ أي قيمة لهذه الجموع؟ إنّهم مُخنّثون بل إناث، لا يعرفون سوى الطاعة كالخِراف، طاعة القطيع خوفًا مِن الكرابيج. كلّ الجمع مؤنّث… ها.. ها…” ص34.
الملك: “إذن مَن هُم؟ هل العبيد؟ سأقتلُ كلّ العبيد، فرؤوسُهم لي مشاعٌ وهي من أرخص المتاع” ص39.

إنّ وهْمَ الاعتقادِ بالعظمةِ يجعلُ الشّخصَ المُصابَ به لا يقبلُ من أحدٍ أن يُنزلَهُ مِن عرْشِهِ ولا أن يُزحزحَه، ويكون لدى المرضى المصابين بهذا الدّاء حساسيّة مُفرطة للرّفض أو المَساس بهم، وهم يَشعرونَ أنّ الآخرين يُسيئون إليهم، مع أنّه ليسَ هناك تبريرٌ موضوعيّ لهذا الشعور.
وكما نرى في مسرحيّتنا هنا فإنّ المَلكَ صاحبَ الشّخصيّة البارانويّة المُصابَة بداء جنون العظمة، يمتاز كنموذج لهذه الشخصيّة، بكوْنِها عدوانيّة عنيدة كثيرة الانتقاد، وحسّاسة تجاهَ ذاتها اكثر من اللاّزم، تميلُ إلى النزاعات والصّراعات التي لاحاجة لها، وتُبالغُ في الحفاظ على مكانتِها وحقّها في امورٍ مختلفة كالسّلطة المطلقة عند الملك في هذه المسرحيّة:
“الملك.. الرّعيّة! الرّعية لا تطيع؟! هذه البهائم لا تطيع؟ مَن يستطيع أن يعصى أمري؟ أنا الملك الجبار الشديد لو شئت قيّدت الشمس بالحديد، وحبست القمر في علبة سردين فلا يظهر من جديد. اِبتعدْ عنّي اغرُبْ عن وجهي أيّها الغراب الماكر، قبلَ أن آمُرَ بأن تقتلك العساكر” ص 40.

وتتجلّى الشخصيّة البارانويّة في الملك بوضوح، بكوْن ثقة هذه الشخصيّة بالآخرين ضئيلة جدًّا، حيث يميل الملك صاحب هذه الشخصيّة إلى الشّكّ بالآخرين وقتلهم لخيانتهم له وغدرهم وهجرهم له، ومِن الصّعب أن يصلَ إلى وضع الراحة والمتعة، لأنّ عليه دائمًا أن يكون جاهزًا ومُستعدًّا، كما أنّ سلوكه يخلق الشعور والانطباعَ بالتّصلّب والبرود الشعوريّ، حيث أنّ علاقته بالمحيط عمومًا تتدهورُ باستمرار، وتزداد هذه العلاقات سوءًا بازدياد الشعور لديهم بأنّ كلّ الناس سيّئون.
“الملك مخاطِبًا الوزير:
أما زلتَ هنا يا وجه النحس، ولك بين كتفيْك رأس؟ تتجرّأ وتتكلم بعدما عكّرت مزاجي وطيّرت فرحتي في عيدي وابتهاجي؟ لولا حِلمي وأناتي لقطعت رأسك في الحال، لكن ساطيّرُ غضبتي في رأس هذا المنحوس (مشيرًا إلى الرجل). حظّك كبير أيّها الوزير، فقد جاء مَن يَفديكَ مِن حُكم مقدور. خذوا هذا الرّجل اقطعوا رأسَه وارموه للكلاب!
الرّجل: العفو العفو يامولاي، أنا والله صادق فيما قلت. والله صادق.. والله صادق.
الملك: إذن هذا جزاء صِدقك. يسحبه الجنود خارجًا ويتابع… الصّدقُ صِدقي أنا، والكلّ كلّ النّاس كذابون ص 45-46.
ومن اللافت أنّ أصحاب الشخصيّة البارانوية التي يُمثلها الملك هنا يستخفّون بالضّعفاء، وليس لديهم أيّ تعاطفٍ مع آلامِهم، ومن الصّعب أن تظهرَ لديهم مشاعر الليونة أو اللطافة أو الحساسيّة تجاه الآخرين، وإنّ اجهزة الدّفاع الفعّالة لدى أصحاب هذه الشخصيّة هي الإنكار والتبرير، وكلّ هذه المعاني تظهر جليًّا في النصّ التالي في المسرحيّة:
الملك واقفًا: الويل لكم جميعًا.. الويل لهذا الشعب اللئيم.. الويل لهؤلاء الرّعاع.. الويل لهم.. يُنغّصون حياتي في عيدي الكبير؟ أكلوا الزينة! أزالوا معالمَها من الطرقات ويتجرّؤون ويطلبون عدلاً ورحمة؟ هذا جوابي لكم وهذا عدلي.. سأهدمُ فوق رؤوسكم المدينة.. آه منكم! حتى الآن لم يدخل عليّ أحدٌ ليُهنّئني بعيدي الملوكيّ؟ الويل لهم لا أحد منهم؟ أين أهل البلد وأين الناس؟ يا للعجب! أنا الملك الجبار.. أنا الملك العظيم يا للعار!

وعند الحديث عن إصابة الملك بالبارانويا أو جنون العظمة، فإنّه لا بدّ لنا أن نشيرَ عندَ هذه النقطة، إلى أنّ مَن يُعاني من هذا الاضطراب الجنونيّ يكون الجوع الجنسيُّ لديهِ مُفرِطًا، وهذا ما نلحظُهُ مِن حديثِ الوزير مع الملكة حول معاشرة الملك للجواري، ووصْفِهِ لها حادثة مطارحة الملك الغرام لإحدى الجواري الفاتنات في الحديقة، مع كلّ ما صاحبَ ذلكَ مِن أوصافِ الشّبق والمشاهد الجنسيّة المثيرة، كما يتّضحُ لنا من كلام الوزير في حوارِهِ التالي مع الملكة:
“الوزير: بل جذبَها بعنفٍ إليه وأجلسَها على ركبتيه، وراحَ يُقبّلها بنهم من شفتيها حتى ساقيها وهي تتأوّه وتحنو عليه، تتلوّى كأفعى أليفة بين يديه” ص 19.
ويمتزجُ جنونُ العظمة لدى الملك بظاهرة الغرور المستفحِل عنده، حيث تظلُّ الظنون الخاصّة تؤثر بالجهاز العصبيّ لمثل هذه الشّخصيّةِ البارانويّة، حتى تصبح نشاطاتُها منسجمةً مع أخطاء الفِكر، ومِن هذا الخطأ ينشأ الشعور بالغرور، ويتصوّرُ الفِكر أنّه قادرٌ أن يفعلَ كلّ شيء بما لديه مِن الظروف والإمكانيّات، وباستغراق هذه الحالةِ يتطوّرُ الغرورُ إلى حقد لا يتورّعُ عن أن يتمنّى الإضرارَ بالآخرين، أو مخالفتهم ليشعر بأنه يفوقهم درجةً مِن درجات الصّعود المهزوزة أصلا:
“الملك: وهل تجرؤ الرّياحُ دخولَ مدينتي دون إذن؟ كيف يمكنها أن تفعلَ هذا؟ يا للرّياح الوقاح! سأسجن الرّيحَ إذا هبّت. اِذهبوا وسدّوا مداخلَ الأسوار كي لا تتسلّل الرّياحُ منها. اِذهبوا وزيّنوا المدينة مِن جديد ص 39.
إنّ مرضَ جنون العظمة من أصعبِ الأمراضِ علاجًا، وتأتي صعوبة العلاج لأنّ الإحساسَ بالعظمةِ يتمركز حولَ الذات التي لها ثبات نسبيّ، ويتطلّبُ العلاجُ إحداثَ تغييرٍ في مفهوم المريض عن ذاته وقدراته وإمكاناته، وهو ما يجعله يضعُ قدميْه على أرض الواقع، ويُبعدُهُ عن شطحاتِ الخيال، فالعواملُ المتعلّقة بالشّعور والحسّ كالحزن مثلاً، يمكن أن يتسبّبَ في إيقاظِه مِن هذه الحالة، وهذا ما حدث مؤقّتًا مع الملك، حين بلغه خبرُ مرض ولدِهِ المُفتعَل وإشرافِهِ على الموت، دون وجودِ طبيبٍ يُداويهِ ويُبعدُ عنه خطرَ الموت، فالملك حينها عرفَ قيمة الحياة، وتحرّكَ فيه الإنسان ليصحوَ ويتراجع عن غيّهِ وغروره، ويتلاشى جنون العظمة لديه مؤقّتًا، إلى حين عِلمِهِ بحقيقة عدم مرض ابنه الذي كان مفتعَلاً ومُدبَّرًا، وبالتالي فإنّ أمكانيّة علاج الملك بتأثير صدمة مرض ابنه المفتعل يبدو مستحيلاً، لدى هذا الشخص الذي يُعاني من اضطرابات الشخصيّة البارانويّةparanoid personality disorder ، وبخاصّة إذا استفحلَ هذا المرضُ ووصلَ بصاحبهِ إلى حدّ الجنون الحقيقيّ كما يتضحُ في نهاية المسرحيّة.

ولا بدّ لنا مِن كلمةٍ حول عنوان هذه المسرحيّة الزّينة، حيث وردَ في حوار الوزير مع الملك، إنّ “الابتسامة في المدينة هي الزينة، وليست الأعلامُ وأقواسُ النصر والبالونات والشّعارات وغيرها”، ومع هذا فإنّنا نعتقد بأنّ كاتبَ المسرحيّة أرادَ أن يوحي لنا من خلال أحداث المسرحيّة وتداعياتها، أنّ الزّينة للإنسان وخاصّة للحاكم هي العقل، فإذا ما فقدَ الإنسانُ أو الحاكمُ عقله وأصيبَ بالجنون، فإنّه يكون بذلك قد فقد زينة حياتِه، فالعقلُ زينة الإنسان.
ومِن زاوية أخرى فقد وردَ في القرآن الكريم الآية القائلة بأنّ: “المالُ والبنونُ زينةُ الحياةِ الدّنيا”، فالملكُ حين علمَ بمرض ابنه المفتعَل، أصيبَ بالذعر في أن يموتَ ابنُهُ ويفقدَ أحدَ عمودَيْ زينةِ حياتِه الدّنيا وهو الابن، ومِن هنا فإنّ عودة الملك عن غيّه وغروره وجنون العظمة لديه مؤقّتًا، كانَ بفِعلِ الخوف من فقدان زينة حياتِهِ أي ولدِه بالموت، حيث كانت هذه الحادثة بكلّ حيثيّاتِها وما تأتّى بعدَها نقطةً مفصليّة ومحوريّةً في خلاصة وخاتمةِ المسرحيّة، لتكون “الزينة” غالبًا متجسّدة في ابن الملك المجنون المخلوع، باعتبارِهِ أملاً جديدًا للشّعب المقموع المقهور، كحاكمٍ عادل رحيم مدعوم برعاية والدته الملكة.
هكذا وبعد أن تناولنا بالدّراسة والتحليل الجانب النفسيّ في المسرحيّة المتمثل في دار البارانويا أو جنون العظمة عند الحاكم الملك، فإنّني أجدُ من المناسب أن أشيرَ إلى الحقيقة، بأنّ الحوارَ الدّراميّ من أهمّ العناصر الفعّالة والحيويّة التي يقوم عليها بناء المسرحيّة، فمِن خلاله يستطيعُ المضمون أن يُعبّرَ عن نفسه، وإذا كانت الحبكة بمواقفِها وأحداثِها تُمثّلُ الهيكل العظميّ للمسرحيّة، فالحوارُ هو اللّحم والخلايا والشرايين، ويبرز دورُ الحوار في إسعافِ وإطلاق المسرحيّة من عقالها، ممّا يُساعدُ في استمرارها، فالكاتبُ المسرحيّ لا يملك السّردَ الذي يستطيعُهُ المؤلف الرّوائيّ، والذي يساعدُهُ على التعليق على الأحداث وتحليل الشخصيّات وإلقاءِ الأضواء على ما يدورُ بداخلها، وربْطِ المواقفِ ببعضها البعض، وسدّ الفراغات التي قد تنشأ في التسلسل الدّراميّ.. إلخ.
أمّا الكاتب المسرحي فلا يملك هذه التّسهيلات الرّوائيّة، فهو يعتمد على الحوار كأفضل أداةٍ للكشف عن داخل شخصيّاتِهِ وتحليلها والتعليق عليها، وإحكام تسلسل المواقف وتتابعها، وسدّ الفراغاتِ التي تؤثّر في متانةِ البناءِ وعضويّتِه، ويتوقّفُ مدى نجاحِهِ أو فشلِهِ في إخراج عملِه المسرحيّ إلى الوجود، بمدى توفيقِهِ في استغلال الحوار، وإنّني أعتقدُ وأرى أنّ د. سليم مخولي قد نجحَ نجاحًا ملموسًا في معالجةِ وتناول الجوانب التقنيّة للبناء الدّراميّ للمسرحيّة، لا سيّما وأنّه أدخلَ شخصيّة الرّاوي ضمنَ شخصيّاتِ المسرحيّة، حيث تجنّبَ بمهنيّةٍ واضحةٍ إدخالَ عنصر السّرد الرّوائيّ المباشِر، واتخذ ببراعةٍ الكاتبُ المتمكّن من الرّاوي بديلاً للبرولوج prologue والإيبلوجepilogue كما في المسرحيّةِ القديمة، كما الكوروسchorus في المسرحيّة اليونانيّة القديمة، حيث أنّ وظيفة هذه العناصر المسرحيّة ليس السّرد الإيضاحيّ، وإنّما التعليق الكاشف عن مواقف غامضة أو خافيةٍ أو استشرافيّة، بهدف الغضافة إلى الحوار الدّراميّ عندَ الشخصيّات.

وممّا يستحقّ الذكر والإشادة، أن د. سليم مخولي قد التزم بالمواصفات العامّة التي لا بدّ مِن توافرِها في الحوار الدّراميّ، فقد كان الحوارُ لديه مُركّزًا ومُكثّفًا ومشحونًا بالمعاني والدّلالات والمشاعر، وتفادى الإطنابَ في الحوار، لأنّ الإطنابَ في مثل هذه الحالات كفيلٌ بإصابة الحوار بالأورام والنتوءات، التي تميّعُ مفعولَهُ الدّراميّ الحاسم، كذلك فقد راعى بمهارةٍ المستوياتِ الاجتماعيّة والاقتصاديّة والفكريّة والثقافيّة المختلفة للشخصيّات، بحيث تناسبت مع مستويات الحوار والتراكيب اللّغويّةِ المستخدَمةِ فيه، فالشّخصيّة في المسرحيّة لا تجدُ سوى الحوار لكي تُعبّرَ به عن نفسِها، وقد وضع د. سليم مخولي ككاتبٍ مسرحيٍّ الإيقاعَ في اعتباره عندَ كلّ كلمةٍ كتبَها هنا، فالإيقاعُ هو الذي يمنحُ المسرحيّة نغمتها النفسيّة والانفعاليّة الخفيّة، وبدونه قد تفقد شخصيّتها المتميّزة، أمّا الحوار فهو الذي يخلق المواقفَ ويُطّورُ الشّخصيّاتِ ويُحدّدُ مسار الأحداث، ويرتفع بها إلى ذروة التعقيد ويهبط معَها حتى النهاية، فلصديقنا ولزميلنا د. سليم مخولي أجمل التهاني بصدور مسرحيّته هذه، مع أطيب التمنّيات بالصّحّة ودوام التوفيق والإبداع.

ثمّ كانت مداخلات الزميلات والزملاء حول مسرحيّة الزينة، واختتم اللقاءَ المُحتفى به د. سليم مخولي بشكر الحضور والمحاضرين، وتعقيب على المداخلات على مسرحية “الزينة”:
لا بدّ مِن ذِكر ما هو غير معلوم، بأنّ هذه المسرحيّة ليست بنت السّاعة أو نتيجةً لِما يحدث في الدّول العربيّة مِن هبّات شعبيّة، وما يُسمّى “بالرّبيع العربيّ”. فكرة المسرحيّة موجودة من أيّام “الخريف العربيّ”، وقد بدأت كتابتها قبل عدّة سنوات، آمِلا أن يكون تغييرٌ في أنظمة الطغيان القائمة، وبعد ما حدث من ثورات شعبيّة وما كان على الفيس بوك وفي ميدان التحرير وغير ذلك، عدتُ إلى المسرحيّة أُتِمُّ كتابتها حتى خرجت بالشكل التي هي عليه.
المسرحيّة تتحدّث عن الطغيان بشكل عامّ، ليس لها زمان أو مكان مُحدّديْن، وهذا ينطبق على ما هو عليه الآن في الدّول العربيّة، طلبًا للتغيير.
وعلى ذِكر اللغة فإنّني توخّيت اللغة الفصحى السّهلة القريبة لفهم المتلقي، وهي تتراوح بين بلاغةِ اللّفظ والأسلوب الوصفيّ الشاعريّ وهو قليل، وبين الأسلوب المُبسّط العادي، وهذا الأخير هو السّائد مع فقرات كثيرة من السّجع، تعطي وقعًا موسيقيَّا لذيذا على أذن المستمع، وكما ذكرت فإنّني توخّيتُ إسكانَ آخِرَ الكلمات عند الوقف، بما يتناسبُ مع الوقع السّماعيّ في السّجع.
الوزيرُ شخصيّة محوريّة في المسرحيّة، تُوازي دورَ الملك الذي يظهر كأنّه الشخصيّة المركزيّة،
وأودّ أن أنوّهَ أنّي بعد طباعة المسرحيّة قرأت مصادفة قولاً للأحنف المذكور في شعر أبي تمام:
إقدامُ عمرو في سماحةِ حاتم في حِلم أحنف في ذكاءِ إياس
الأحنف هو أبو بحر سيد تميم، كان صحابيًّا دخلَ الإسلام أيّام الرّسول ولم يرَه، وكان مشهورًا بحِلمِهِ وفطنته، يقول الأحنف: لا يتمُّ أمرُ السّلطان إلاّ بالوزراء والأعوان، ولا ينفعُ الوزراء والأعوان إلاّ بالمودّة والنصيحة، ولا تنفعُ المودّة والنصيحة إلاّ بالرّأي والعفّة…
سررت عندما قرأت هذا، فإنّه نفسه ينطبق تمامًا على تصرّف به الوزير مع الملك من مودّة ونصيحة وصواب رأي وعفّة.
لم أتدخّلْ في عمل المُخرج إلاّ في بعض الإشارات الطفيفة، مثل قال ضاحكا، أو يقف وهو نائم، أو بينما ينكمش الوزير على نفسه متوجّسًا، كما لم أذكر في بداية المسرحيّة ما هو الدّيكور على المسرح، وتركته لمخيلة المُخرج، وما يُفهَم من المسرحيّة أنّه يوجد كرسيّ العرش وشبّاكٌ يُطلُّ على المدينة فقط، غير باب الدّخول والخروج.
وفيما يخصّ الرّاوي فيُسمع صوته ولا يظهر على المسرح إلاّ في نهاية المسرحيّة، ودورُهُ هامّ خاصّة عندما يَذكرُ في النهاية مُعرّفًا عن نفسه: “أنا الرّاوي وأنا التاريخ”.
كانت ملاحظات بالإيجاب وأيضا بالتحفظ حول دور ابن الملك المريض وكأنه مفتعَل، فلمرض ابن الملك دوْرٌ هامّ افتعله الوزير كصدمة نفسيّة للملك، ليُشعِرَهُ بالحزن وألم الموت الذي كان يجلبه لغيره، علّه يصحو ويتوب، وحقّا كان له فعل وأثر إيجابيّ.
أخيرًا.. لا يبقى إلاّ جزيلَ الشّكر لمشاركتكم وحُسن إصغائشكم.