الرئيسية » الآثار والتنقيبات » مسلة الموسيقى الكوردية في متحف اللوفر

مسلة الموسيقى الكوردية في متحف اللوفر

هذه المنحوتة عبارة عن مسلة صغيرة – كودورو – شائعة الانتشارفي بلاد مابين النهرين ، عثر عليها في مدينة سوسة في عيلام ، وتعود لعصر الملك شاتروك ناخونته ( ارى ان يقرأ الاسم الاول: شاه روك او شاه روخ ، اما الاسم الثاني فارى ان يقرأ : نانه خوضا او نانه خوتا او نانه خودا – وهو حسب ما ارى مازال مستخدما في الكوردية الفيلية : خضا تعني الله ومثلها خودا في الفارسية والسورانية والبادينانية ، نانه : الام الكبيرة او الجده ، وعادة ما ينسب الابناء الى امهاتهم في الكوردية الفيلية- لورستان – ، ويرد الاسم في الانجليزية بهذه الصيغة : Shutruk -Nahhunte
ولا بد ان نشير الى الصعوبة في ترجمة الاسماء من الكتابة ا لمسمارية الى اللغات الاوربية ومن ثم الى اللغة العربية والاخطاء التي يقع فيها المترجمون الذين ينقلون من الالواح و الكتابات المسمارية الى لغاتهم الاوربية فالاسم يكتب ويلفظ في الفرنسية بشكل يختلف عنه في الالمانية والانجليزية … الخ . ولذلك حين يترجم الى العربية من احدى اللغات الاوربية ياتي بصيغ مختلفة .
عاش شاتروك ناخونته اواخر القرن الثاني عشر قبل الميلاد 1200 عام ق .م

ان هذه المسلة – الكودورو – مشابهة للمسلات التي تعود للمملكة الكاشية وعادة ما يكون فيها نقش لرمز الهي او ملائكي ، ونص يؤرخ انتصارات الملك وكتابة تبين الهدايا التي منحها الملك لكبار الشخصيات او لاعضاء اسرته.
تقسم هذه المسلة الى ثلاثة اقسام ، على القسمين الاعلى و الاسفل نلاحظ ثعبانين كبيرين لهما قرنان كبيران ، بينما القسم الكبير الذي كان يجب ان ينقش فيه النص المطلوب ظل فارغا ، رغم ان سطح المسلة اعد جيدا، وسوي للنقش والكتابة عليه ، وقسم الى اربعة اجزاء فصلت بحواجز ، اثنان من هذه الاجزاء الاربعة نجد فيها خطوطا – سطور- افقية من أجل النقش والكتابة عليها .
ان كلمة ( كودورو) اكدية و تعني حجر الحدود ، او ما نطلق عليه علامة الحدود ، او شاخص الحدود ، و هذا النوع من ا الكودورو – المسلة – كان يحفظ في المعابد، وبالرغم من كونه يعد وثيقة قانونية ، الا انه يقدم لنا معلومات ثمينة عن دين و معتقد حاكم ذلك العصر ،ولذلك نلاحظ ان القسم الاعلى من المسلة عادة ما تنقش فيه رسوم المعتقدات الدينية السائدة او تلك التي يؤمن بها الحاكم او المعبد الذي يمثل السلطة الدينية في المدينة او المقاطعة .
فالقسم الاعلى من المسلة عليه نقوشا لمجموعة الالهةالسومرية المعروفة والتي انتقلت الى الاكديين فيما بعد ، مثل آنو اله السماء ، وانليل اله الارض ، وابسو اله الماء .
والقسم الثاني يشمل نقوشا للاله سين وهو الاله القمر – راجع تحليلنا في كتابات سابقة حول اله القمر سين وماه سين والذي ذهبنا فيه الى انه الهة انثى وليس ذكرا ( م. ع) – وهو من نموذج آلهة عبادة الكواكب .
والاله شمس – شمش – والالهة عشتار ، وتحتهما مباشرة نقش الاله الشهير في الالفية الثانية قبل الميلاد – مردوك – او مردوخ – والذي نذهب مثلما يرى الكثير من الباحثين ان اسمه مازال مستخدما في الكوردية والفارسية وهو مشتق من مه ر د بمعنى رجل قوي ، شديد . ومازالت كلمة مردانه مستخدمة في الكوردية والعامية العراقية بمعنى شهم ، شجاع .
ومع مردوك نرى نقش حيوانه الشهير التنين الذي يدعى موشوسو Mushussu .
وقد خصص لمردوك والتنين مساحة جيدة في المسلة دلالة على تبني مردوك الها رئيسا او كبير الالهة لبابل التي اصبحت عاصمة مرموقة لبلاد ما بين النهرين .
ان رموز هذه المسلة – كودورو – تدل على انها مشابهة للمسلات التي تعود لعهد الملك (ميليشيهو ؟ ) Melishihu الذي حكم 1186 – 1172 قبل الميلاد . لذلك فان هذا الكودورو يعود لتلك الحقبة .

مسيرة غير اعتيادية
من المعروف والطبيعي ان تنقش على المسلات رموزا تمثل الالهة الشائعة في تلك الحقبة الزمنية التي تصنع فيها المسلة او الكودورو ، ولذلك فان القسم الاعلى من هذا المسلة والقسم الاسفل نقش بالالهة المعروفة لهم يومذاك ، ولكن القسم الاوسط من المسلة نقشت فيه مسيرة غير اعتيادية وليست مألوفة في المسلات المعروفة ، نشاهد فيه مسيرة تتكون من ثمانية ( نقوش ، منحوتات) تمثل اشخاصا يحملون الاقواس وعلى رؤوسهم التاج وهو دلالة على انهم من طبقة الالهة ، سبعة من الاشخاص لهم لحى الهة – يتميز الالهة عند السومريين بلحاهم الطويلة – وهؤلاء الالهة يعزفون الموسيقى على الة العود ، ترافقهم حيوانات . واخر الالهة ينقر الدف ولربما يرقص ايضا خلال ذلك وهو يتبعهم .
ومع ان مثل هذه المسلة – الكودورو – والافريز كان شائعا خلال العصر الكاشي ، الا ان هذا التجمع نادر وفريد ، فليس من المعتاد جمع نموذجين من الالهة في مسلة واحدة ، احدهما رمزي ، والاخر مجسم بشكل بشري في الوقت نفسه .
ان الحاكم الذي امر بصنع هذه المسلة لابد ان تكون لديه اسبابه الخاصة لتجسيم المسيرة بهذا الشكل بالاضافة الى الاشكال الرمزية الموجودة للالهة . وللاسف فان هذا السر سيبقى غامضا ، فالمسيرة قد تشير الى مشاركة الالهة الاصغر ، حماة الحيوانات ، في طقس عبادة او مسيرة صلاة او حفل ديني .
وهناك احتمال ان هذه الالهة المجسمة بشكل بشري هي الهة اجنبية .
ومهما كانت الاسباب الخافية وراء ذلك ، فان من المؤكد ان هذه الالهة المجسمة هي الهة صغرى او الهة هامشية في عالم الالهة الكلاسيكي في بلاد الرافدين.
الكاشيون
ولابد من الاشارة الى ان الكاشيين هم سكان جبال زاغروس ، الواقعة شرق العراق – لورستان – وهم من اجداد الكورد الفيليين. حكموا المنطقة وخضعت لهم بابل وحكموها خمسمائة عام – بين 1600 – 1100 قبل الميلاد ، وتعد هذه الحقبة العصر الدبلوماسي في العلاقات الدولية بين العراق ومصر والحيثيين في اسيا الصغرى والاشوريين شمال بابل.وشاع في هذه الحقبة تبادل السفراء بين ملوك وامراء تلك الدول ، وتم اكتشاف رسائل في تل العمارنة في مصر ، حيث اثار قصر اخناتون ، مرسلة من الملوك الكاشيين والميتانيين والاشوريين الى مصر ، ومنها رسالة الملك الكاشي – برنا بو رياش الثاني حكم 1380 – 1350 قبل الميلاد ، مرسلة الى امنوفس الرابع ملك مصر يعبر فيها الملك الكاشي عن امتعاضه من استقبال مصر للوفد الاشوري بصفة رسمية لانه يعدهم من اتباعه ويذكر في رسالته انه ارسل الى الملك المصري هدية عبارة عن ( ثلاث منات من حجر اللازورد وعشرة خيول لخمس عربات )
وقد بنى الملك الكاشي كوريكال زو الاول مدينة جديدة لتكون عاصمة له بدلا من بابل وهي مدينة دور – كور يكال زو ( عكركوف حاليا ) وتقع غرب بغداد حوالي 20 كم ، احتلها الملك الاشوري توكلتي عام 1244 – 1208 ق . م وضمها الى الحكم الاشوري المباشر .
ملاحظات اخرى
نلاحظ اللحى الكثة للاشخاص الذين يعزفون الموسيقى ،ومن الجدير بالذكر ان نشير الى ان الشعر الكثيف للحى كان علامة قوة ومن صفات الحكام والالهة ، وكانت هذه الصفة تميز رجال لورستان والمملكة العيلامية والاشورية ، حتى ان الفرس يطلقون على سكان عيلام صفة معدن الريش بمعنى معدن اللحى . ريش في الفارسية والكوردية تعني لحية .
ونلاحظ كذلك ارتداء الرجال للتاج الذي يمثل عمامة معروفة لسكان جبال زاغروس ، وهي على شكل تاج ملفوف من عدة لفات مصنوعة من الصوف وهو ما كتبنا عنه ايضا عند تاج ملكة الليل الكوردية في حلقة سابقة .
نلاحظ وجود الحيوانات المجنحة في المسلة والتي كانت شائعة في الزرادشتية و الحضارة العيلامية كماشاعت لدى الاشوريين وجميع حضارات الشرق الاوسط ، وظلت الى اوقات متأخرة تمثل نوعا من الكائنات الخرافية التي تحمي البشر والمدن .

معلومات عن المسلة
مكان العثور على المسلة : مدينة سوسة ، عيلام ، ايران
المسلة مصنوعة من حجر الكلس الابيض
طول المسلة 54 سم
عرض المسلة 36 سم
عمق المسلة 23.5 سم
محفوظة في متحف اللوفر – باريس ، صالة رقم 25 اثار الشرق الاوسط