الرئيسية » مقالات » خيارات السلطة والمعارضة في الحكومة القادمة

خيارات السلطة والمعارضة في الحكومة القادمة

عدد غير قليل من الكتاب والمثقفين عراقيين وغير عراقيين كانوا قد كتبوا واعطوا آراءاً حول سيناريوهات تشكيل الحكومة العراقية القادمة، ولعل اللافت في الموضوع ان اغلبهم اتفق على ضرورة ان تشتمل المرحلة القادمة على وجود حكومة قوية بجانب معارضة برلمانية قوية تدير العمل السياسي وتقوي من فرص الرقابة على اداء الاجهزة التنفيذية المختلفة.

هناك رأيان سليمان في هذا الخصوص، الاول يقول ان مرحلة البلد الحالية لا تسمح باي معارضة لان البلد ما زال في طور التأسيس وغياب اي كتلة برلمانية حصدت اصواتاً كبيرة في انتخابات مارس الاخيرة سيشظي الوضع العراقي اكثر مما هو متشظي وسينعكس ذلك سلباً على النسيج العراقي ويوفر ارضية ملائمة لعودة العنف من جديد (اذا ما قلنا انه انتهى نهائياً) خصوصاً وان كل الكتل البرلمانية الفائزة لا يعدو تمثيلها سوى تمثيلاً طائفياً او قومياً مهما ادعت بعض القوائم علمانيتها ووطنيتها، فجميع القوائم تمثل طوائفها واثنياتها بتسميات مُجمّلة احياناً وان اُقصيت من التشكيلة الحكومية القادمة فانه اقصاء لمكون او طائفة من طوائف العراق.

الرأي الثاني الذي يذهب له جل كتابنا المحترمون بان الحكومة القادمة لا يمكن ان تكون حكومة قوية مالم تكن هناك معارضة برلمانية قوية ايضاً، تشكل حكومة ظل وتراقب اداء الوزراء وعملية تقديم الخدمات، وان اشتراك جميع القوائم الفائزة في التشكيلة الحكومية القادمة سيولد بالنتيجة حكومة ضعيفة غير متجانسة كما سابقاتها وسيشوبها تصدعات وانقسامات تشل الاداء الحكومي وتعيق فرص التنمية.

برأيي يجب العمل على احتواء الرأيين لما لهما من صحة من اجل تدارك اي تأثيرات سلبية محتملة ناتجة عن شعور مكون ما بغبن او مظلومية، عن طريق ايجاد صيغة جديدة تنطوي عليها التشكيلة القادمة، تؤمن اشتراك جميع المكونات وفق استحقاقاتها الانتخابية مع ضمان معارضة برلمانية قوية …. ولا يكون هذا الامر حسب تصوري الاّ بتحالف ائتلاف دولة القانون مع القائمة العراقية والتحالف الكردستاني وتكوين اغلبية برلمانية حاكمة، فيما يقود الائتلاف الوطني العراقي بقطبيه المجلس الاسلامي الاعلى والصدريين تيار المعارضة داخل البرلمان.

لاشك ان تحالف دولة القانون مع العراقية اضافة الى التحالف الكردستاني هو تحالف شيعي سني كردي في قيادة العراق لاربع سنوات قادمة مما لا يعطي انطباعاً بتهميش مكون ما او طائفة بعينها .. وطالما دولة القانون الشيعية موجودة في الحكومة القادمة، فلا ضير ان يكون الائتلاف الوطني العراقي الشيعي في خانة المعارضة هذه المرة، بل ستكون له اليد الطولى بالبطش في الحكومة القادمة اذا ما اخلت في التزاماتها تجاه مواطنيها وسيكون لها حرية اكبر في لعب دور المعارض الناصح وانتقاد السلبيات الحكومية اكثر من اي فترة معينة لانها غير ممثلة في الحكومة .. بالتالي غير خاضعة للعواطف والمجاملات التي حكمت اداء البرلمان في الفترة السابقة.

الفرصة ذهبية للائتلاف الوطني العراقي ان يقود المعارضة في المرحلة القادمة وان يسعى بجد للتعريف ببرنامجه السياسي والتركيز على الخلافات الفنية بين الحكومة الرسمية وحكومة الظل التي لابد من تشكيلها لانجاح عملية المراقبة.
على الاقل ستنتفي ضرورة اللجوء الى المعارضة الطائفية من قبل الائتلاف الوطني او اللعب على وتر البعثيين وخطر تبعيث الحكومة القادمة لسبب بسيط، وهو وجود دولة القانون والتحالف الكردستاني في تلك الحكومة وهم بالتاكيد ليسوا بعثيين او معادين للتشيّع.

لا ننسى ايضاً بان ائتلاف العراقية وعلى رأسها الدكتور اياد علاوي وائتلاف دولة القانون مع زعيمها السيد نوري المالكي يؤمنان بالدولة المركزية القوية خلاف ما يؤمن به الائتلاف الوطني العراقي وخصوصاً المجلس الاسلامي الاعلى الذي يثقف باتجاه الخيار اللامركزي والفيدرالية في نظام الحكم الجديد، مع التذكير ان التيار الصدري لا يقف موقفاً حازماً من الفيدرالية، بل يرى بان الوقت غير مناسب لتطبيقها .. وهذا ما عبّرت عنه قيادات التيار الصدري في اكثر من مناسبة، اي ان التيار مع الفيدرالية مبدئياً الاّ انه يرى بان الوقت مازال مبكراً في الشروع بها .. وهو لعمري افضل برنامج يمكن ان تعارض قوى الائتلاف الاتجاه الحكومي القادم واستغلالها نقطة سياسية بحتة في مخالفة الحكومة عسى انها تستطيع ان تقنع جمهورها بان النظام المركزي لم يستطع تأمين ابسط احتياجات الشعب العراقي وان الفيدرالية ستتغلب على مكامن ضعف المركزية وبيروقراطيتها الادارية المقيتة في عملية تقديم الخدمات ورفع مستويات المعيشة والتقدم في العملية التنموية ..
وبهذا ستكون عملية المعارضة هي عملية سياسية سليمة قائمة على اساس البرامج وليس العواطف والشعارات والطائفية التي افقدت المعارضة هيبتها وجعلتها لا تختلف مع الآخرين من حيث انغماسها في المشاريع الفئوية والجهوية طوال تلك الفترة السابقة.

باعتقادي ان انسب مكان للائتلاف الوطني العراقي في المرحلة القادمة هو مكان المعارضة ومن خلالها تستطيع زيادة جماهيريتها والقيام بدور اكبر وافضل مما لو تكون مشاركة في الحكومة القادمة، اذ ان المشاركة في الحكومة القادمة سوف لا يعود لها بفائدة اكبر من فائدتها فيما لو كانت معارضة.

اما الحديث عن تحالف العراقية مع دولة القانون فهي امنية اكثر مما هو رأي لانها هي الاخرى سوف لن تكون سهلة في ظل وجود شخصين طامحين في منصب رئاسة الوزراء القادمة كالدكتور علاوي والسيد المالكي .. وباعتقادي ان المالكي اصلح وانسب لها من الاول نظراً لنجاحه في ادارة ملفات مهمة وبلوغه الحد الادنى من التوافق الوطني في فترة اقل ما يقال عنها فترة عصيبة ومشوشة استطاع المالكي عبورها باقل خسائر ممكنة .. على الرغم من وجود اخطاء وعلامات استفهام في ادارته يعرفها المتابعون جيداً لعل اهمها مما لم استطع ايجاد جواب كافي اقنع به نفسي هو قضية اغفال ملف الفساد لوزير التجارة السابق عبد الفلاح السوداني وقضية تهاونه مع حرامي ميشغان الكبير (الشالوشي) الذي سرق ملايين الدولارات من الجالية العراقية في الولايات المتحدة الامريكية بحجة الاستثمار مع حكومة المالكي، والتي يُقال والعهدة على القائل ان مدير مكتب المالكي ابو مجاهد الركابي متورط فيها، والى اليوم لم يصدر اي رد من مكتب المالكي ولا من حزبه على هاتين القضيتين، تعطي اجوبة واضحة لتساؤلات الناس، حتى بعد ان زار السيد نوري المالكي شخصياً الجالية العراقية في ميشغان وسماعه القضية منهم في العام الماضي.

مع هذا لا يمكن لنا اغفال وطنية الرجل وحرصه على اعادة الامن والاستقرار للبلد بعد حرب شبه اهلية دامت سنتين او اكثر ناهيك عن نجاحات ملموسة في الجانب الاقتصادي في زمن قياسي على اية حال.

حكومة ائتلافية بين دولة القانون والعراقية والتحالف الكردستاني مع معارضة برلمانية قوية وسياسية داخل قبة البرلمان يقودها الائتلاف الوطني العراقي هي انسب الحلول للمرحلة القادمة واكثرها فائدة على العملية السياسية والاستقرار الامني .. مع ان هاجس الخوف سيبقى موجوداً من عملية السلطة والمعارضة في الفترة القادمة طالما شهدت الفترة الماضية معارضين عطلوا جملة من القرارت المهمة والمفيدة للشعب العراقي رغم مشاركتهم في حكومة الوحدة الوطنية آنذاك، فكيف الحال بمَن سيُعارض الحكومة اليوم وهو خارجها …. الله يستر.