الرئيسية » بيستون » هكذا رأيت العراق-5

هكذا رأيت العراق-5

سنن العشائر –غربة المثقف-التسول وأمور أخرى.

بسم الله الرحمن الرحيم ( سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا.) 23-الفتح

القانون الألهي العظيم ساوى بين البشر جميعا فلم يفرق بين أسود وأبيض ولا بين عربي ولا أعجمي ولا بين وسيم و دميم في الشكل ألا بمعيار التقرب ألى الله وهو الجوهر الذي يحق للأنسان المسلم أن يفتخر به ويعتز ويتباهى بهذا الدين على رؤوس الأشهاد رغم محاولات الكثيرين الذين سعوا وما زالوا من داخله وخارجه ألى الأساءة أليه وتشويه محتواه الأنساني . فالدين الأسلامي لاشائبة فيه أبدا ويوم تقوم الساعة يتوجه الناس ألى خالقهم زمرا بلا أنساب ولا ألقاب ولا مسميات ولن تشفع لهم قيس وذبيان وثقيف وهوازن وقريش وغطفان ألا من أتى الله بقلب سليم بسم الله الرحمن الرحيم: (فأذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون . فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون)101 – 102 المؤمنون.

قال نبي الرحمة والهدى محمد ص : (أن الله قد أذهب بالأسلام نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها , ألا أن الناس من آدم وآدم من تراب وأكرمهم عند الله أتقاهم. )الوافي ج14ص48.

وحين همز أحد المسلمين لسلمان المحمدي الذي قال عنه رسول الله ص بعظمة لسانه الشريف والذي نقلته كل المصادر الأسلامية( سلمان منا آل البيت)أقبل الرسول الأعظم على سلمان المحمدي وقال له : (ليس لأحد من هؤلاء عليك فضل ألا بتقوى الله عز وجل فمن كنت أتقى منه فأنت أفضل منه. )البحار م15ج2ص95 .

وأبو لهب كان من صميم العرب وعم النبي ص صرح القرآن بثلبه وعذابه لأنه طغى وتجبر وأخذته العزة بالأثم ونعرة الجاهلية الأولى بسم الله الرحمن الرحيم : (تبت يدا أبي لهب وتب . ماأغنى عنه ماله وما كسب . سيصلى نارا ذات لهب . )وقال فيه شاعر :

لقد رفع الأسلام سلمان فارس –وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب.

واعتمادا على نصوص قرآنية مقدسة وأحاديث نبوية كثيرة يمكننا القول أن العصبية والتعصب للقوم والعشيرة بعيدا عن الحق والقيم الأخلاقية والأنسانية هو تعصب مذموم يتنافى مع أبسط الحقوق الأنسانية فكيف لايتنافى مع الأسلام وهو لب القيم والمبادئ الأنسانية وجوهرها وعمودها الفقري؟ فعندما يجد الشخص شرار قومه خيرا من خيار قوم آخرين فهذا أعانة على الظلم والفحش وسيادة شريعة الغاب في المجتمع. والعصبية القبلية مرض وبيل يغلق عقل الأنسان وقلبه ويعمي بصيرته ويصادر أنسانيته ويقطع الصلة مع الخالق العظيم ورسوله الكريم ص ولا تفيد مثل هذا الشخص الذي يسعى ألى هذه العصبية الجاهلية مقاماته الزائفة وسلطته المنخورة وغطرسته الخاوية وأمواله الطائلة ولابد أن تذروها الرياح في يوم ما وتصبح هباء منثورا.

ولاشك أن العراق منذ الأزل بلد عشائري عاشت فيه القبائل والعشائر متحابة متعاونة في سرائها وضرائها ودأبت على نصرة المظلوم ونبذ الظالم ومحاربته وأغاثة الملهوف .والكرم والأباء وعزة النفس والترفع عن الدنايا والنخوة والشهامة ونبذ العصبية والتعصب والتعنصر منطلقة من قول رسول الله ص (من كان في قلبه حبة من خردل من عصبية بعثه الله تعالى يوم القيامة مع أعراب الجاهلية . ) الوافي ج3ص149عن الكافي.

وحاشى لعشائر العراق الأصيلة برؤسائها الشرفاء الأصلاء أن ترضى لنفسها الحشر مع أعراب الجاهلية لأنها قلب العراق النابض بكل قيم الخير والمحبة ونسيج لحمته وهي التي وقفت كالطود الأشم تذب عن تراب العراق ضد أعدائه على مر العصور وثورة العشرين أكبر شاهد على توحد عشائر العراق ضد المستعمرين الأنكليز. والعشائر العراقية الأبية في الأنبار التي هبت وانتفضت ضد القاعدة وأعوانها من القتلة الأشرار لهو دليل قاطع على أصالة عشائرنا العراقية ودفاعها عن الحق ضد الظلم والتعسف والعدوان. ولكن الذي يؤسف له أن بعض النوازع الشيطانية أخذت تحرك البعض من ضعاف النفوس من الذين لاينتمون ألى أصالة هؤلاء فأخذوا يسعون لسرقة المفاهيم الأنسانية التي درجت عليها العشائر بالترغيب تارة والترهيب تارة أخرى لتنصيب أنفسهم قادة وزعماء عشائريين ووضع أنفسهم كقضاة ليحلوا محل الدوله في ظل ضعف هذه الدولة وهزالها وتفشي الفساد في كافة مؤسساتها ومفاصلها الأدارية لتعميق مفاهيم عشائرية بالية ك (النهوة ) و(الكوامة ) و ( والفزعة ) و( الحشم) و( الدية ) و( العضاب )وغيرها وجعلها وسيلة لآبتزاز الناس وأخذ الأتاوات من المستضعفين بصورة منافية للعرف والقانون وبعيدا عنهما وقد كثر هؤلاء الطفيليون المتسترون بالعباءة العشائرية وهم طارئون على التقاليد العشائرية الأصيلة وأصبحوا بين عشية وضحاها من أصحاب المليارات دون أن تمتد أليهم يد القانون الذي هو غائب أصلا في عراق اليوم والذي يتصارع فيه السياسيون بشكل محموم لتقاسم كعكة العراق ولا تستطيع دولة هكذا قادتها حماية مواطنيها من ابتزاز المبتزين وتحايل المتحايلين وغدر الغشاشين مما ترك مناخا خصبا لتنامي هذه (الطفيليات العشائرية) لتكون عامل هدم ودمار وتمزيق للحمة الشعب العراقي .ولابد أن تقف عشائر العراق الأصيلة ضد كل من يحاول تشويه سمعتها التأريخية والأخلاقية باسم (سنن العشائر) لغرس سمومه في جسد العراق المثخن بالجراح ويبتز الكثير من الأبرياء بحجج مختلفة وبأساليب شيطانية ملفقة ماأنزل الله بها من سلطان ونن العشائر الحقة منهم براء كبراءة الذئب من دم يوسف الصديق . لقد شهدت قصصا غريبة من أبرياء وقعوا ضحية أولئك المتخفين خلف العباءة العشائرية فسلبت أموالهم وهددوا بالقتل فهذا أب مسكين أدعت أحدى الفتيات الطائشات كذبا وزورا أن ابنه عاكسها في الشارع فراحت تحشم (رئيس عشيرتها) للأنتقام لشرفها ( المثلوم ) فذهبت عصابة باسم العشيرة ألى والد الضحية في منتصف الليل وهددته بدفع مبلغ خمسة ملايين دينار ك( حشم ) خلال 24 ساعه وهددوه بالقتل أن لم يفعل ذلك ونظرا لكون الوالد موظف بسيط ولم يملك المبلغ فاقترض المبلغ عن طريق الربا ودفعه ألى العصابة خوفا على أبنه المسكين الذي أقسم بالقرآن وبكل المقدسات أنه لم يشاهد البنت ولم يعرقها ولم يعاكسها.وهناك تهم بالسب والقذف بمجرد شجار بسيط بين شخصين وجهت للطرف الضعيف وحسمت بمبلغ كبير يقدر بعدة ملايين من الدنانير. وأفعال أخرى كثيرة يقوم بها أشخاص باسم العشيرة غايتها أبتزاز الناس وسلب أموالهم في وضح النهار وكأن العراق أصبح حارة (كل من أيده أله ) كما يقول غوار أو غابة يمارس فيها كل نصاب ووضيع ممارساته اللاأخلاقية لآبتزاز الناس الأبرياء فهل يمكن بناء دولة ديمقراطية عصرية حضارية تصان فيها كرامة الأنسان وحقوقه في ظل هذه العصابات السائبة التي تصول وتجول في العراق ؟ وقد قال الله في محكم كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم : ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الأثم والعدوان واتقوا الله أن الله شديد العقاب. ) 2-المائده.

يقول السيد الشهيد محمد صادق الصدر قدس الله ثراه في كتابه (فقه العشائر ص101 ) وهو عبارة عن مجموعة أسئلة توجه أليه فيجيب عنها : (ننصح الجميع أن يطبقوا الأحكام الشرعية الصحيحة في الصغيرة والكبيرة ويلاحظوا طاعة الله ورسوله في كل حال . ويتجنبوا مزالق الآثام ومظالم العباد فأنها لاتنتج خيرا لافي الدنيا ولا في الآخره . وأني أجد أفضل طريق لذلك هو التفاهم فيما بينهم على ألغاء العشائرية غير الموافقة مع الشريعة والتسليم بحكم الشرع مهما كان فأنه الحكم الفصل على كل حال. ) وكمواطن عراقي أهيب بعشائر العراق الكريمة أن تطهر صفوفها من ذوي النوازع الشيطانية الذين يسيئون ألى الله ورسوله ص وألى كل القيم الأنسانية والتعصب لهؤلاء هو طعن للكرامة الأنسانية ومناصرة للظلم والباطل.عسى أن يقرأ من يهمه الأمر مقالتنا هذه.

تهميش المثقف

في خضم هذه الفوضى العارمة التي يشهدها العراق الجريح ومن خلال الفساد المستشري في كل مفاصل الدولة وبروز الحيتان الكبيرة النهمة من أحزاب السلطة التي تحاول بكل مافي وسعها الهيمنة على كل مجالات الحياة الأجتماعية والثقافية ومن أجل تغطية مساوئها التي باتت تزكم الأنوف وتعويد الناس عليها كواقع معاش لابد أن ينظر السياسيون الذين يقودون البلد ألى الهاويه ألى المثقف المستقل على أنه الخصم اللدود لهم والذي من مصلحتهم تهميشه والتقليل من شأنه فجاءت هذه الأحزاب الكبيرة المتنفذة بمجموعات من الجهلة والأميين المحسوبين عليهم عشائريا وحزبيا ومنحتهم ألقابا ثقافية لاتمت أليهم بصله فهذا (مدير للثقافة الشعبية )وذاك (مدير للأعلام) وآخر (مدير اللجنة الثقافية والأعلامية في المحافظه )وهؤلاء لهم مساعدين وأتباع لايقدمون أي شيئ يذكر للثقافة بمجرد أنهم يملؤون الغرف ويغلقونها أحيانا على أنفسهم لكي يضلوا بمعزل عن الناس وهذا ماشهدته في محافظة واسط. ويتم التنسيق بين السيد المحافظ و مجلس المحافظة على تبادل الغنائم بالتساوي لكي يتستروا على بعضهم البعض وقد سلكت تلك الجهات في سلوكها نفس الأسلوب الذي درج عليه النظام السابق في تهميش المثقف المستقل الذي لاينتمي ألى ( الحزب القائد )ومحاربته بشتى الوسائل حتى في لقمة عيشه واليوم يعيد هؤلاء الذين يستولون على مراكز القرار في هذه المحافظة ( محافظة واسط ) الكرة مع المثقف المستقل فالبعض من المعلمين القدماء وهم الطبقة المثقفة الأولى في المحافظه لهم كتب قيمة مخطوطة وقد توفي البعض منهم ولم يحضر جنازتهم أحد من هؤلاء المسؤولين حتى ولو كان بيت الأديب قاب قوسين أو أدنى من قلاعهم المحصنة أمثال الأديب الكبير الراحل جعفر سعدون وغيره أما أذا توفي أحد من عشيرتهم فأنهم يهرعون بحماياتهم الكثيرة التي تملأ مركباتهم الشوارع صخبا وضجيجا بأبواقها لأزعاج الناس أكثر فأكثر ولتكنس تلك المركبات أطنان الغبار المتراكمة الشوارع لسرعتها الشديدة حتى ولو كان ذلك المتوفي في قرية نائية للحصول على ثمن في المغانم وهذه ليست من صفات القادة بل من صفات أشخاص راهنوا على العشائر في الوصول ألى كراسي الحكم أما الأحياء من هؤلاء المثقفين المجهولين في وطنهم فيقبعون في بيوتهم وفي أحسن الأحوال يرتادون أحدى المقاهي القديمة ليجتمعوا بعض الوقت للتداول في همومهم وما أكثرها ولم يكرم أحد من هؤلاء الأحياء أو الأموات أبدا بل عاشوا وماتوا غرباء في أوطانهم.

أن المجتمعات المتقدمة تولي عناية فائقة بطبقة المثقفين وتسعى ألى تبجيلهم وتكريمهم بين آونة وأخرى لأن المثقف أنسان واع يكشف بحسه العميق وأدراكه الواسع نقاط الخلل في المجتمع ويرسم طريق الخلاص له من الأمراض الأجتماعية التي تتغلغل في النفوس للتخلص من حالة الشلل واللاأبالية تجاه عمليات الفساد التي تجري في دوائر الدوله ويدافع عن حرية الأنسان وكرامته المهدورة في ظل ديمقراطية زائفة معلبة ومفروضة من الخارج تدعي الديمقراطية الحقة كذبا وزورا وفي ظل نظام منخور من الداخل نتيجة سيطرة القطط السمان على مراكز القرار التي وصلوا أليها بطرق ملتوية ومنها الأستقطاب العشائري الذي بات واضحا ولن يخفى على أحد وخاصة في محافظة واسط التي وصل فيها محافظها لدورتين ألى السلطة عن هذا الطريق ولم يقدم للمحافظة ألا النزر اليسير الذي لايكاد يذكر لكنه كبير وضخم في الأعلام فقط.

ان الأمرالذي يقض مضاجع كل الشرفاء أنهم باتوا يشعرون بالخطر الحقيقي المحدق بالأجيال في العراق من خلال بعض المظاهر الشاذة التي أخذت تسود في المجتمع كأدخال المخدرات والأفلام الخليعة وظاهرة التسول الملفتة للنظر حيث لايكاد الشخص يخطو خطوة واحدة ألا ويرى هؤلاء المتسولين في الكراجات والمقاهي والشوارع ويطرقون أبواب البيوت في كل وقت بينهم شباب وبنات ونساء مسنات ومسنين وحتى أطفال في السادسة أو السابعة من العمر دون أن تلقى هذه الظواهر أي اهتمام جدي من لدن المسؤولين وسط هذا الصراع المحموم على تقسيم كعكة العراق الذي يعطي أثمن الفرص لاستشراء هذه الظواهر المرضية التي تقود المجتمع للهاوية ويبدو أن الأرهاب قد سال لعابه في هذا الجو الخصب لتناميه لارتكاب أبشع الجرائم في وسط هذه المعمعات والصراعات التي تستفحل يوما بعد يوم بين سياسيين لايصلحوا أن يكونوا كتاب عرائض في دول متقدمة كما يقول أحد الكتاب. في نهاية الخمسينات شاهد العراقيون فلم (سعيد أفندي) الذي كان بطله الفنان الكبير يوسف العاني واشترك فيه مجموعة من الفنانين العراقيين ففي ذلك الفلم أقدم أحد الممثلين على سمكة وشمها من ذيلها فقال له الممثل الآخر ( الناس تشم السمجه من راسها أشو أنته سويت العكس وشميتها من ذيلها شنو القضيه؟ )أجابه الممثل الآخر (آني أعرف السمجه راسها خايس بس أريد أعرف الخياس وصل للذيل لو بعده ؟) واليوم العراق يعيش على مفترق طرق والعراقيون الشرفاء يحبسون أنفاسهم وسط هؤلاء السياسيين الذين يتراجع فعلهم يوما بعد يوم وهم لايفكرون ألا بالمغانم وليكن من بعدي الطوفان. وقد تكلمت مع الكثير من العراقيين ومنهم العديد من المثقفين الذين احترقوا بنيران حكامهم الصغار والكبار دون أن يلوح أي بصيص أمل ينقذهم من هذه الدوامة الرهيبة . حفظ الله العراق وشعبه من كل سوء والله من وراء القصد .

جعفر المهاجر

السويد في 7/4/2010