الرئيسية » مقالات » مليون أمي ولا مثقف هدام

مليون أمي ولا مثقف هدام

كتب أخي الفاضل الكاتب الكبير جاسم المطير مقالا بعنوان (عن السيطرة والطغيان في مدينة الحلة) وكنت مزمعا الكتابة عن الأمر قبل أكثر من شهر إلا أن مشاغل الحب هذه الأيام أبعدتني عن هموم السياسة فتركت الأمر الى أن بادر العراقي الغيور الذي يعيش في غربته في لاهاي الى الكتابة عن أمر عرفته عن كثب ،فقد طلب محافظ بابل المهندس سلمان الزركاني لقاءا مع أدباء وفناني ومثقفي المحافظة على حدائق البيت الثقافي في بابل إلا أن المكان بدل في آخر اللحظة الأخيرة وأجري اللقاء في قاعة المحافظة الجديدة حضره العديد من مثقفي وفناني المحافظة ومثقفيها وإعلامييها طرحت خلاله الكثير من الأمور المتعلقة بالشأن الثقافي من قبل رئيس اتحاد أدباء وكتاب بابل الشاعر جبار الكواز وآخرين بينوا للسيد المحافظ بجرأة غير معهودة هموم وشجون المحافظة وطرح أحد الأخوة الذي غاب عني أسمه طرحا متشنجا تقبله المحافظ بروح رياضية فقد قال له بالحرف الواحد(هاي أنت أشلون محافظ لو آني في مكانك أستقيل) عندما بين المحافظ عجزه عن تأمين أي أمر يخص الشأن الثقافي في المحافظة لعدم وجود تخصيص مالي في ميزانية المحافظة وعدم قدرته على تخصيص مركز ملائم يلم شمل الفنانين والأدباء ،وقد قال له الأستاذ جبار الكواز أن الحكومة السابقة كانت أكثر اهتماما واحتفالا بالأدباء والفنانين منكم فقد كان لنا مقرنا المعروف وأتخذ بعد السقوط مقرا لحزب الدعوة تنظيم العراق فهل أهمية الحزب أكثر من أهمية الاتحاد وهل أن الحزب عاجز عن تأمين مقر له بما يمتلك من إمكانات مالية هائلة ،وهل المحافظة بحاجة الى بناية لتستلب قاعة نقابة الفنانين التي كانت لعقود تحت أشراف النقابة ورعايتها ،وبرر المحافظ الأمر بأن البناية مسجلة في أملاك الدولة للمحافظة وليس للفنانين وأن مقر الاتحاد مؤجر من بلدية الحلة الى الحزب المذكور، وخلاصة الأمر فأن ما طرحه المحافظ من حلول كانت فحوى المثل الشعبي المعروف (باكة لا تحلين قرصة لا تكسرين أكلي لما أتشبعين) فميزانية المحافظة لا يوجد فيها تخصيص لكل ما يتعلق بالآداب والثقافة والفنون ،وصلاحيات المحافظ – الذي أؤكد على نزاهته وأمانته- لا تمنحه القدرة على تخصيص بناية للفنون والآداب وهذا يعني أن اللقاء فقد قيمته بسبب إصرار الحكومة العراقية وبرلمانها المنهار على إهمال الثقافة لأن العراق بفضل القوى السياسية الفاعلة لا يحتاج الى مثقفين أو أناس متنورين فهؤلاء على رأي سيء الذكر حميد الحصونة أكثر ضررا على البلاد والعباد حسب فتواه الشهيرة التي أطلقها عام 1960 (ألف أمي ولا مثقف هدام) فيما حولت الحكومات المتتابعة الأمر الى مليون أمي ولا مثقف واحد لأن العراق اليوم لا يحتاج الى مثقفين أو أدباء أو فنانين فهو بحاجة الى (مردشورية) وفتاحين فال وقراء تعزية وشيوخ طريقة ينشرون الجهل والتخلف بين أبنائه ليسهل قيادهم الى مسالخ الذبح والعوز والحرمان ،ولو كان في العراق مثقفين أو متنورين لما سار في دروب الطائفية العفنة ،وأزقة الغيبيات النتنة،وسلم قياده لأشباه المتعلمين ممن نشروا الأفك والزيف في بنيته الاجتماعية وحولوه من شعب عرف بالقراءة والاهتمام بالفن والمعرفة الى شعب يلهث خلف الدجالين والسحرة وفتاحي الفال وأنصاف المتعلمين من قراء المنابر الذين تصدوا للوعظ والإرشاد بما يخدم توجهاتهم المريضة في أحكام سيطرتهم على السلطة واستغلال المال العام لصالحهم فتجد الدور الخاصة بنشر الفكر السياسي الديني تزيد على الآلاف في المدن والمحافظات العراقية فيما تفتقر هذه المدن الى المسارح ودور السينما ودور الثقافة ،فالثقافة والآداب والفنون لا مكان لها في العراق الجديد ،وسيزدهر فيه الفكر المتخلف ليعود القهقرى لقرون التخلف والانحطاط وتخرج سعلوة جدتها من مخبئها لتعلن الولادة الجديدة لشعب الرافدين الغارق في مستنقع الجهل والتغييب الفكري وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.