الرئيسية » مقالات » الآن وقد عصيت يامالكي

الآن وقد عصيت يامالكي

عودة سريعة الى تصريحات وخطابات قيادات قائمة دولة القانون قبل الانتخابات البرلمانية الاخيرة في العراق تكفي ليصل السخط والغضب فينا الى استهجان الطريقة التي كانت تدير بها تلك القيادات حملتها الانتخابية وقبل ذلك ادارة مفاوضاتها مع قائمة الائتلاف الوطني العراقي. اذ ما زلت اتذكر تلك اللهجة الاستعلائية المريضة لدى سامي العسكري محامي القائمة وهو يوصف اصرار الائتلاف الوطني العراقي بزعامة المجلس الاسلامي الاعلى على التحالف مع قائمته بانه “توسل” و “تذلل” من اجل الاستفادة من شعبية المالكي وتقاسم مقاعده بعد ان اصابه ومَن في قائمته غرور النصر عقب فوز دولة القانون باغلبية مقاعد المحافظات الجنوبية في انتخابات المجالس المحلية عام 2009 المنصرم.

اليوم نشاهد العكس وننذهل باللهجة الجديدة التي تتبناها قيادات دولة القانون بمَن فيهم العسكري نفسه وهم “يتوسلون” بقائمة الائتلاف الوطني العراقي من اجل التحالف معهم وضمان الاغلبية البرلمانية لتشكيل الحكومة القادمة بعد ان رفضوا من قبل، ذلك التحالف مراراً وتكراراً، والسبب ليس حباً في الائتلاف الوطني او قياداته ولا ايماناً بحتمية ذلك التحالف في مواجهة تحالف البعث وازلامه، بل لانهم استيقظوا على معادلة جديدة مهددة لفرصة بقاء رئيس قائمتهم الاستاذ نوري المالكي على سدة الحكم لاربع سنوات جديدة، وهو ما لم يكن في حسبانهم بادئ الامر، حتى ان المالكي نفسه بدأ يستخدم مصطلح “حكومة الشراكة الوطنية” بعد ان كان يثقف باتجاه حكومة “الاغلبية البرلمانية”.

بعضهم يرى رفض دولة القانون للتحالف مع الائتلاف الوطني قبيل الانتخابات جاء بسبب عدم الاتفاق على المقاعد البرلمانية وحصة الدعوة فيها …
رغم عدم صحة هذا الكلام حيث ان التحالف اوشك ان ينبثق حسب رغبة الدعوة ومقاساتها لكن وفد قائمة دولة القانون هو الذي لم يحضر الى الاجتماع النهائي الذي كان سيُصدر بيان التحالف الكبير وانسحب من المفاوضات بناءاً على نصائح بعض المستشارين، اقول حتى لو احسّ الدعوة ومعها قائمة دولة القانون بغبن في عدد المقاعد الانتخابية الاّ ان مصلحة العملية السياسية والنظام السياسي الفتي في العراق فوق كل شيء اذا ما اخذنا في نظر الاعتبار تشكل قوائم بعثية وقومية في عواصم دول عربية قد تهدد مستقبل الوضع الراهن ومصير دولة تسير بخطى ثابتة نحو الديمقراطية.

ولنا اسوة في المجلس الاسلامي الاعلى حيث حصل في الانتخابات الاولى عام 2005 على اغلبية صارخة وفارق كبير في مقاعد مجالس المحافظات العراقية عن اقرب المنافسين له ومنهم حزب الدعوة الاسلامية بفصائلها وتياراتها، الاّ انه قبل ب 30 مقعداً فقط واعطى مثلها للتيار الصدري و30 آخرين للدعوتين، المركزي وتنظيم العراق، و30 للمستقلين برئاسة الدكتور حسين الشهرستاني في الانتخابات الثانية للائتلاف العراقي الموحد ذو الرقم 555.
ولم نسمع من قيادات المجلس الاسلامي الاعلى حينها بانهم الفصيل الاقوى اعتماداً على نتائجهم في كل محافظة ليطلبوا مقاعد اكثر من الصدريين او الدعويين او المستقلين، بل اكتفوا بنفس النسبة مع الجميع .. وليس هذا فحسب بل خسروا وهم الكتلة الاكبر والاقوى في تلك الفترة رئاستين متتاليتين كانت من حقهم لغريمهم حزب الدعوة الاسلامية حينما تنازل الدكتور عادل عبد المهدي في الدورة الاولى للدكتور ابراهيم الجعفري ومن ثم في الدورة الثانية لصالح المالكي بعد الفيتو الكردي على التجديد للجعفري وكلاهما (الجعفري والمالكي) من حزب الدعوة الاقل قوة ً وعدداً من كتلة المجلس الاعلى في تلك الفترة.

وهذا من وجهة نظري يظهر بان المجلس الاسلامي الاعلى صاحب هم ومشروع وطني وحدوي اعم من مشروع الدعوة الذي يصر دوماً بضرورة ان تكون رئاسة الوزراء من حصته، فضلاً عن انه يبين بما لايقبل الشك بان المجلس الاعلى تتميزه روح الجماعة في العمل السياسي اكثر من الحزبية الضيقة التي لمسناها بوضوح في التيارات الاسلامية الاخرى، اضافة الى حرصه على العملية السياسية الجديدة من اي اختراقات غير محسوبة من خلال بناءه لتحالفات متينة دوماً وقبوله بتنازلات كبيرة لصالح الآخرين وتفضيله العمل الجبهوي اكثر من العمل الفردي.

سبب آخر دعاني ان اختار هذا العنوان لمقالتي هو الاجتماع المريب مؤخراً لمحافظين ورؤساء مجالس المحافظات العراقية الجنوبية التسعة التي يسيطر عليها ائتلاف دولة القانون في محافظة النجف الاشرف، واعلانهم شبه التمرد والتهديد بصورة غير مباشرة باعلان اقليم الوسط والجنوب او الانفصال عن ربقة العراق الام اذا ما اظهرت النتائج فوز قائمة علاوي .. الامر الذي استهجنه كثيرون وانا منهم، رغم اني كتبت العشرات من المقالات محرضاً على ضرورة تقسيم العراق الى ثلاث دول او على الاقل اعتماد الخيار الفيدرالي الطائفي في حكم العراق.
والسبب في ذلك الاستهجان، الطريقة التي ابرز الدعويون فيها الفيدرالية وتشويهها على انها ردة فعل عنيفة وغير مدروسة تعطي انطباعاً واحداً فقط وهو اننا اي الشيعة (او الاصح دولة القانون) ان لم نحكم فسنقسّم العراق، وهي طريقة سخيفة توحي بمراهقة سياسية لا ترى الامور الاّ بمنظار (العب لو اخرّب الملعب) .. في حين استمرت قيادات حزب الدعوة في معاداة طروحات المجلس الاسلامي الاعلى وآخرين في ضرورة تبني الخيار الفيدرالي في النظام السياسي العراقي وتقديمها على النموذج المركزي المقيت منذ اليوم الاول الذي سقط فيه الصنم وحتى قبيل اعلان المفوضية العليا للانتخابات فوز علاوي في الانتخابات الاخيرة.

لقد اصرّت قيادات الدعوة وعلى رأسهم السيد نوري المالكي الذي احترمه كثيراً وقد كتبت مقالات عدة مدحته فيها … اصرّت على رفض الطرح العقلاني لخيار الفيدرالية وعادت الجهات السياسية التي تبنتها والتي حرصت على ان تسوق القضية الشيعية للعالم بصورة حضارية من خلال الاعتماد على الفيدرالية والتركيز على احقية المكون الشيعي في حكم اراضيه … اليوم تعود قائمة دولة القانون لهذا الخيار لكن بصورة عدوانية غير مخطط لها لتظهر بانها قائمة تشكلت على اساس الانفعالات اكثر من الخبرة والوقائع، متناسية ً الدعوات في السابق لقيادات حزبية وجهات سياسية بان الفيدرالية ضمان للمستضعفين وقوة يمكنها الصمود امام اعداء واقع مابعد التاسع من نيسان 2003، حيث كثيراً ما ذكّرت قيادات المجلس الاسلامي الاعلى قيادات الدعوة بان رئاسة الوزراء الدعوية سوف لن تستمر للابد، واليوم ان انتم هنا فغداً سترحلون عنها وتتركونها لغيركم حسب اللعبة الديمقراطية ولا ضمان للفقراء والمحرومين الا بالفيدرالية.

فاين كان حزب الدعوة من هذا الامر؟؟؟ ولماذا لم يؤيد الجهات الرامية في تطبيق الفيدرالية في اقليم الوسط والجنوب بصورة حضارية مقبولة ومنسجمة مع الدستور في تلك الفترة، في حين يعطي اليوم الضوء الاخضر لمحافظيه ان يهددوا بانفصال الوسط والجنوب بطريقة غير شرعية ولا دستورية؟؟ سبحان مغير الاحوال.

كل هذه الامور التي طرحتها اعلاه جعلتني اقول وبمرارة “الآن وقد عصيت يامالكي”، لماذا لم تتحد مع الائتلاف الوطني العراقي وتتجنب ومعك جميعنا خيارات القبول بحكومة بعثية ربما سيكون وزير خارجيتها محمد الدوري ووزير داخليتها صلاح عمر العلي ونفطها عامر السعدي وثقافتها تايه عبد الكريم، ولعل ليونس الاحمد حصة في عدلها وتجارتها وماليتها!!!!

مع خالص الاحترام والتقدير للدكتور اياد علاوي الذي اراه شخصاً وطنياً بحق، الاّ انه ووفاقه الحزبي لا يشكلون سوى 14 الى 16 مقعداً من مقاعد القائمة العراقية والبقية تحت الكونترول القومي الذي اخذ زمام المبادرة من علاوي هذه المرة، واصبح هو المسيطر على توجهات القائمة ومساراتها … ولا ادري كيف سيواجه الائتلافان الشيعيان هذا التحدي، فالتحالف والاندماج من وجهة نظري لا بديل عنه في هذه اللحظة، والاّ ذهبت هباءاً جهود سبع سنوات من البناء السياسي.