الرئيسية » شؤون كوردستانية » قراءة في العلاقة الاميركية الكوردية على ضوء الزيارة الاخيرة للرئيس بارزاني

قراءة في العلاقة الاميركية الكوردية على ضوء الزيارة الاخيرة للرئيس بارزاني

شهدت العلاقات الاميركية الكوردية في العقدين الاخيرين تغيرات مهمة ، ولكن هذه العلاقات ولما قبل فترة العقدين الماضيين مرت بمراحل وظروف مختلفة ، تراوحت بين عدم مسؤولية الاميركان فيما حل بالكورد في بدايات القرن العشرين من عملية تقسيم بلادهم بين الدول التي الانكليز والفرنسيين ، وبين دخول اميركا طرفا في قمع حركات الشعب الكوردي ، ولتتخذ مع تغير المعادلات السياسية في الشرق الاوسط موقفا اخر مغايرا لمواقفها السابقة ، ولكن من المهم هنا ان نؤشر ان الولايات المتحدة لم تكن طرفا مشاركا مع الاوروبيين في تقسيم كوردستان بعد الحرب العالمية الاولى ولا قبلها ، ولم توقع على اتفاقية سايكس – بيكو ، ويقول الكاتب والباحث صلاح بدرالدين في هذا الموضوع :

” كانت الولايات المتحدة تظهر كداعم لقضايا الشعوب استنادا الى مبادىء الرئيس – ولسون – المعروفة بخصوص تقرير المصير وبعد الحرب مباشرة تغير الموقف الأمريكي بصورة جذرية نحو مواقع السيطرة وقمع الشعوب ونهب خيراتها ودخلت في مواجهة مباشرة ضد الكرد وحركته التحررية عند التوقيع على اتفاقيات ( مالطا وطهران ويالطا ) بما في ذلك سحق جمهورية مهاباد – كردستان – الديموقراطية”

ويضيف الباحث بدرالدين:
” وتفاقمت الشراسة الأمريكية منذ حلولها محل الاستعمار البريطاني في الشرق الأوسط وتحملت مسؤولية ضحايا الحروب الكبيرة والصغيرة وتحويل مضمون الكولونيالية العسكرية الى امبريالية اقتصادية سياسية ثقافية وفي موقفها الكردي أصبحت راعية للأنظمة الشوفينية الحاكمة في الدول المقسمة لكردستان وتحولت الى عداء الحركة الكردية ”

وقد ادى الموقف الاميركي هذا الى نمو الافكار اليسارية في المجتمع الكوردي ، وتجلى ذلك كما يقول الباحث بدرالدين في العلاقات الكوردية وبالاخص علاقات كورد الشمال والبارزانيين والملك محمود الحفيد في الجنوب مع الاتحاد السوفييتي السابق ، وليظهر التأثير السوفيتي الايجابي في بديات انطلاقة الثورة الكوردية بأشكال مختلفة منها اقتراح منغوليا الشعبية في هيئة الأمم لنصرة كورد العراق وفتح أبواب الجامعات والمعاهد في الدول الاشتراكية لاستقبال آلاف الطلبة الكوردوتقوية وتوسيع البرامج الكردية في اذاعة يريفان بأرمينيا السوفيتية السابقة”. ولكن مع الاسف هذه المواقف لم تستمر اذ بدأ السوفيات بأمداد النظام العراقي بكل الاسلحة الفتاكة التي حاولت بها بغداد قمع الحركة التحررية الكوردية.

ولكن في العلاقة الكوردية الاميركية هناك وجهة نظر اخرى حول هذا الموضوع اذ يقول الكاتب خورشيد دلي في موقع “الاخبار” :

“الأكراد، رغم تجربتهم المريرة مع أميركا، هم أيضاً لم يحسنوا التعاون معها (اي مع اميركا). فهم إمّا نظروا إليها بصفتها الإمبريالية والاستعمار، ويجب تالياً محاربتها حتى لو كان من ديار بكر، أو التعامل معها بصفتها قوة ضاربة في كل زمان ومكان، وبالتالي يمكن الاعتماد عليها والعمل لحسابها من دون حساب “.

وكان لاميركا في سبعينات القرن الماضي دور في تشجيع النظام العراقي السابق في التوقيع على اتفاقية الجزائر التي يعتبرها الكورد خنجرا اغمد في خاصرتهم . وفي كل هذا كانت الولايات المتحدة تسير وفق ما تتطلبها مصالحها الخاصة في الشرق الاوسط ، وعندما اتخذت الولايات المتحدة الاميركية تلك المواقف لم تفكر ابدا بحقوق الانسان الكوردي ، وما كان يعانيه من سياسات اضطهاد وقمع استهدفت وجوده كقومية مليونية من مكونات شعوب الشرق الاوسط ، ولعل اوضح تعبير عن جوهر تلك العلاقات هو ما قاله كيسنجر وزير الخارجية الاميركي عام 1975 اثر اتفاقية الجزائر للقائد المرحوم مصطفى بارزاني وما معناه ( لاميركا مصالح وليست صداقات) ، قال ذلك عندما عاتب المرحوم بارزاني الادارة الاميركية على موقفها المشجع لابرام اتفاقية الجزائر الغادرة. وفي 17 ديسمبر عام 1975وفي اجتماع بين وزير الخارجية العراقي سعدون حمادي ووزير خارجية اميركا وفي نهاية ذلك الاجتماع دار هذا الحوار المقتضب بين الاثنين:
“حمادي: أخيرا ارغب ان اقول ان المسألة الكردية ذات أهمية حيوية بالنسبة لنا.
كيسنجر: يمكنني ان اؤكد لك انه لن تكون هناك اية مصادر للقلق ….”
http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&article=210655&issueno=9166
ولكن ، ومع اشتداد النزعة القمعية الشرسة للنظام الدكتاتوري العراقي السابق وارتكابه جرائم جينوسايد وابادة شاملة في كوردستان( الانفالات ، القصف الكيمياوي لحلبجة الشهيدة )، واثار الهجرة المليونية في كوردستان عام 1991 وفي جنوب العراق ( القمع الوحشي للانتفاضة والمقابر الجماعية)، واندفاع صدام حسين الى خوض حروب طاحنة عديدة منها الحرب مع شعب كوردستان وحرب ايران وحرب احتلال الكويت ، اقول ان هذه التطورات ادت الى تغييرات في الموقف الاميركي من النظام العراقي عموما والقضية الكوردية ايضا ، وصلت الى ان تقود الولايات المتحدة الاميركية اكبر تحالف دولي لاسقاط النظام الدكتاتوري وتحرير العراق في 2003، وازداد الاهتمام الايجابي الاميركي بكوردستان خصوصا بعد ان اثبت الشعب الكوردستاني وقيادته حنكة سياسية محكمة وارادة قوية في التمسك بالديمقراطية والتوجه نحو العمران والبناء ومحاربة الارهاب ، ونشر السلام والامان في المنطقة وتحويلها الى ملاذ امن للعراقيين الهاربين من حرب الاحزمة الناسفة والسيارات المفخخة والاغتيالات على الهوية وخصوصا ضد المسيحيين الذين تعرضوا وما زالوا يتعرضون الى كل انواع الاضطهاد والقمع على ايدى الارهابيين والعنصريين في مناطق العراق الاخرى عدا كوردستان . ومن هنا بدأت العلاقات الايجابية بين الكورد والاميركان ، فكانت هناك زيارات عديدة لمسؤولين كبار في الادارة الاميركية الى كوردستان ، وكذلك زيارات للرئيس بارزاني ومسؤولين كورد اخرين ، وزيارات الرئيس مام جلال كرئيس لجمهورية العراق الى اميركا.

ولكن تبقى هناك تساؤلات حول الموقف الاميركي من تفاصيل الحالة الكوردية في الوضع السياسيى العراقي الجديد ، اذ هناك مسألة التوقعات السياسية المتضاربة لما بعد الانتخابات ، اضافة الى العديد من المشاكل العالقة بين كوردستان وحكومة بغدادالاتحادية ، وبعض هذه المشاكل ليست هينة . ومن هنا تأتي اهمية قراءة ما تمخض عنها زيارة الرئيس بارزاني الاخيرة الى اميركا ، والاشارات التي صدرت حولها اثناء وبعد تلك الزيارة.

ولعل من ابرز ما تمخض عن لقاء الرئيس البارزاني بالرئيس اوباما هو التأكيد المشترك على ضمان السلام والامن والحرص على الالتزام بالدستور العراقي ومن ضمنه الالتزام بمضمون المادة 140وسير العملية الديمقراطية الى امام واجتثاث الارهاب، كما تمخض عن ذلك الاجتماع تأكيد الرئيس بارزاني للرئيس اوباما والمسؤولين الاميركيين الاخرين الذين التقاهم بأن الكورد سيلتزمون بشروط العيش المشترك ما دام هناك التزام بالدستور العراقي الذي يضمن نظاما ديمقراطيا فيدراليا ، ولكن شعب كوردستان لن يقبل بالعيش في ظل نظام دكتاتوري عراقي مرة اخرى ، قائلا ما نصه : لا يمكننا ان نعيش في عراق يعود الى النطاق الدكتاتوري من جديد.

وكان متحدث باسم البيت الابيض صرح لصحيفة “الشرق اوسط” لقد «عبر الرئيس عن نوايا الولايات المتحدة الحسنة لمساعدة العراقيين للتحرك نحو إجماع سياسي لحل المشكلات العالقة بين الحكومة الكردية في الإقليم وحكومة العراق، وذلك حسب دستور العراق، بالإضافة إلى التعاون مع الأمم المتحدة في هذه الجهود”

وفي تعليقات اميركية اخرى ، وحسب مسؤول في وزارة الخارجية الاميركية لصحيفة “الشرق الاوسط” إن زيارة رئيس إقليم كردستان العراق، للولايات المتحدة ركزت على التطورات السياسية والاقتصادية في العراق وعلى دور الإقليم في ضمان عراق مستقر، وذي سيادة ويعتمد على نفسه”.
وقال سكوت كاربنتر من معهد الشرق الاوسط معقبا على اهم المشاكل العالقة بين اربيل وبغداد : إن واشنطن تفضل تأجيل موضوعي النفط وكركوك إلى ما بعد الانتخابات. ليس لأنها لا تراها مهمة، ولكن لأنها تخشى أن تسبب مناقشتها في زيادة التوتر بين الحكومة المركزية وحكومة كردستان الإقليمية”.
وفي الوقت نفسه، قال متحدث باسم مكتب رئاسة إقليم كردستان في واشنطن: «خلال الاجتماع، ركز الرئيس بارزاني على أهمية الانتخابات القادمة، وأكد التزام الإقليم بعراق فيدرالي، وديمقراطي، ومتعدد. بالإضافة إلى ذلك، أكد الرئيس بارزاني أهمية التزام أميركي استراتيجي طويل المدى مع العراق، ومع إقليم كردستان».
وعن الخلافات بين الإقليم والحكومة في بغداد ، قال المتحدث إن بارزاني «أوضح أن دستور العراق هو أساس حل مشكلات العراق الداخلية. وأن الاستقرار يمكن تحقيقه إذا التزم كل العراقيين بمواد الدستور العراقي كلها، ونفذوها».
وكان الرئيس بارزاني تحدث عن تدخلات دول الجوار في الشأن العراقي والتأثير الاميركي في منعها ، وذلك في مأدبة غداء اقامها له نائب الرئيس الاميركي جوزيف بايدن قائلا : أقولها مع الأسف أن تدخل دول الجوار في الشأن العراقي مازال مستمراً والأنفع أن يتولى العراقيون أحزاباً وحكومة منع ذلك التدخل وبعكسه فأن الولايات المتحدة لن تتكمن من منعه وأؤكد رغبتنا في بناء علاقات حسن الجوار مع تلك الدول وعلى أساس مراعاة المصالح المشتركة، وعن الوضع بعد الأنتخاب قال الرئيس بارزاني : بأمكان الولايات المتحدة أن تستخدم في كل حين موقعها ووزنها السياسي في مساعدة العراقيين لتجاوز مشكلاتهم وخلافاتهم ان رغبت الأطراف السياسية العراقية بصدق في معالجة تلك المشكلات.

وحول قضية كركوك كانت رسالة الرئيس بارزاني الى للمسؤولين الاميركان : نحن راغبون بصدق وأخلاص في حل هذه المشكلة وعدم أبقائها عالقة ، واضاف بارزاني، وأية بدائل اخرى للمادة 140 هي في الواقع خروج وحياد عن الدستور ونعتبرها سلبية وتعقد المسائل اكثر.

ان ما قاله الرئيس بارزاني يشكل خطابا واضحا الى كل النخب العراقية المشاركة في العملية السياسية ، والى الادارة الاميركية تركز على دعم الكورد للعملية السياسية الجارية في العراق عموما ، ويقول الخطاب ايضا بأن الكورد مع العيش المشترك في عراق امن مستقر وفي ظل نظام ديمقراطي فيدرالي ، ووفق ما جاء في الدستور العراقي الدائم ، ويقول ايضا ان الكورد يحترمون ذلك الدستور وملتزمون به تماما ، مادام العراقيون كلهم ملتزمين به ، ولكن في حالة تخلي الاخرين عن هذا الالتزام ، او ارتدادهم عن المبادئ الديمقراطية وتبني الحكم المركزي الدكتاتوري ، فأن الكورد حينها لا يستطيعون ان يلتزموا بتلك التغيرات ، لان العودة الى العيش تحت مظلة اي حكم دكتاتوري جديد في العراق هو امر لن يقبله الكورد ومحال.

ان خيار ذهاب الكورد ، واقصد قواهم السياسية على نطاق كل اجزاء كوردستان وبما فيها حكومة اقليم كوردستان بكل القوى السياسية الكوردية المكونة لها ، الى عقد احسن العلاقات مع الولايات المتحدة الاميركية واوربا ، هو خيار لا بد منه ، شرط ان لا يكون على حساب المصالح العليا لشعب كوردستان ، هو خيار ستراتيجي يتطلب الكثير من الحكمة وادارته بشكل يقيهم ايضا في ان يكونوا جزءا من صراع اقليمي ناشب اساسا كنار تحت الرماد ، قد يتحول في اي لحظة الى لهيب ، وفي الوقت نفسه يلاحظ بصورة واضحة رغبة اميركية ، متنامية ، معلنة ورسمية ، في بناء علاقات كوردستانية اميركية جيدة في نطاق العراق الجديد ، منذ ايام الهجرة المليونية عام 1991 والى الان ، والدعم الكبير الذي قدمه الغرب عموما ، والولايات المتحدة الاميركية خصوصا ، لشعب كوردستان ، والكلام الطيب الذي اسمعه الرئيس اوباما الى الرئيس بارزاني في زيارة الاخير الى الولايات المتحدة الاميركية ، وهذا شئ جيد ، واعتقد ان شعب كوردستان يتمنى الاستمرار في تقوية ودعم هذه الرغبة ، بالمزيد من الانفتاح الاميركي على كوردستان ، ولكن الموقف الاميركي من القضية الكوردية ، وعلى الرغم من كل هذا التحسن والايجابية ، وعلى الرغم ايضا من فهم ان السياسات الاميركية من غير الممكن تغييرها في مراحل قصيرة نسبيا نظرا لتشابك المصالح الاميركية الاقليمية والدولية ، الا انه مازال يمكن القول ان تلك المواقف من القضية الكوردية تعاني من الازدواجية والتناقض المريب على نطاق القضية بشكلها الاقليمي الاوسع والتي لها جوهر واحد وهو تعرض الكورد الى سياسات الالغاء والقهر القومي ، فمن غير المنطقي حتى عند الانسان الكوردي البسيط ان يرتاح وهو يرى ان الاميركان يتبنون الحقوق الكوردية في جنوب كوردستان ويعملون على اقامة علاقات ايجابية مع الشعب الكوردي هناك ، ولكنهم لا يتبنون السياسة نفسها في شمال كوردستان (الاناضول) حيث يعيش حوالي عشرون مليون انسان كوردي محرومون من كل الحقوق الطبيعية للانسان باستثناء حصولهم على وعود وكلام جزاف فيه الكثير من الشك والريبة وعدم المصداقية ، ويعتبرون الحركة الوطنية الكوردية هناك ارهابا ، وتعلم اميركا والغرب جيدا ان الكورد هم اساسا ضحايا الارهاب ، وهم اكثر الشعوب ايمانا بالسلام والمحبة والديمقراطية والاكثر تحديا وصلابة امام الارهاب الاصولي والعنصري الذي يهب على العالم ، ومع ايماني التام باستحالة عودة عقارب الساعة الى الوراء وبصلابة الوضع الكوردي ، وبارادة الشعب الكوردي في التصدي لكل السهام الغادرة ، الا انه ربما يتساءل احدهم كيف يمكن الاطمئنان الى مصداقية سياسات الدول الكبرى في الشأن الكوردي امام هذه الازدواجية اللافتة ؟ وليبرز تساؤل مر وهو هل : يمكن ان يدور اخيرا حوار من جنس الحوار نفسه الذي دار بين كيسنجر وسعدون حمادي في 17ديسمبر قبل خمسة وثلاثين عاما مع اي مسؤول اقليمي!؟ ام ان عقلية كيسنجر اصبحت في (متحف!) النفايات ، وثمة قناعات اخرى اكثر انسانية واشراقا باتت تحكم مراكز القرار الدولي عموما؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *