الرئيسية » مقالات » التكتلات الاقليمية في الشرق الاوسط الى اين؟

التكتلات الاقليمية في الشرق الاوسط الى اين؟

ان عقد التكتلات الثنائية او الثلاثية او بين عدد اكبر من الدول ليست جديدة على عالمنا ، والدول تذهب الى هذا الخيارلاسباب عديدة منها : حفظ امنها كانظمة او كبلدان ذات سيادة اوتحسين اوضاعها الاقتصادية ، وهذه التكتلات تأخذ اشكالا عديدة منها الاحلاف او المعاهدات العسكرية او الاسواق المشتركة او اتحادات برلمانية ، كالاتحاد الاوروبي او الناتو او الاوبك اومنظومات دولية اخرى تعنى بجوانب اخرى في العلاقات الدولية ، او كالذي تعشقه انظمة الشرق الاوسط والمسمى بمجالس التعاون ، مع ملاحظة (!) انه عندما يأتي الحديث ، في احيان كثيرة ، عن هكذا مجالس تعاون وعلى الاخص بين العراق وتركيا وايران وسوريا يجب ان تتبع التسمية بكلمة (الستراتيجي)!

و”للبحث عن تعريف للتحالف او الحلف يقول ُ الدكتور” محمد بدوي” على أنه “اتفاق بين دولتين أو أكثر على تدابير معينة ولحماية أعضائه من قوةٍ أخرى، وتبدو هذه القوة مهدِدة لأمن كل من هؤلاء الأعضاء”.

ويضيف انه “أيضاً هو مصطلح شائع أطلق على التحالف العسكري- السياسي بين فرنسا وبريطانيا وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة لاحقة في الحرب العالمية الأولى في وجه ألمانيا والنمسا، والذي تكرر في الحرب العالمية الثانية في وجه دول المحور بقيادة ألمانيا ومشاركة اليابان”.

ويعرفه ديفيد ادواردس ب “التزام مشروط ذو طابع سياسي أو عسكري بين مجموعة من الدول باتخاذ التدابير التعاونية في مواجهة دولة أو مجموعة دول.”
( عن دراسة للباحث عادل السلمان )

بينما يشير مفهوم التكتل الاقتصادي (حسب بعض المصادر) الى “مجموعة الترتيبات التي تهدف الى تعزيز حالة التكامل الاقتصادي بين مجموعة من الدول من خلال تحرير التبادل التجاري وتنسيق السياسات المالية والنقدية،وتحقيق نوع من الحماية لمنتجاتها الوطنية تجاه العالم الخارجي، بفرض تعريفة موحدة والتفاوض كعضو واحد على الاتفاقيات التجارية العالمية، من اجل تخفيض تكلفة التنمية عبر تخفيض تكاليف الاستيراد وتحقيق الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة ،وتحسين المناخ الاستثماري بتوسيع دائرة السوق وتوحيد أو تقارب الرسوم والحوافز الخاصة بالاستثمار.وتنسيق السياسات الاقتصادية المختلفة، والمساعدة على مواجهة المشكلات والأزمات الاقتصادية”.

ويجرى احاديث الان عن مشروع سياسي شرق اوسطي جديد ، وليس المقصود به هنا مشروع الشرق اوسط الجديد الامريكي ، فذاك مسألة اخرى ، وتهدف (حسب بعض المراقبين)الى اعادة صياغة الاوضاع الجو -السياسية واجراء تغييرات في التركيبة التقليدية التي تقوم عليها غالبية الانظمة القائمة في الشرق الاوسط ، ويبدو ان المشروع الذي نحن بصدده هنا يبدو كأنه رد على ذلك المشروع الامريكي.

اذا هناك تكهنات عن وجود نوايا لاقامة مجلس تعاون (إستراتيجي) يضم تركيا وإيران وسورية والعراق ولبنان ، وفي الحقيقة ليس هناك معلومات مؤكدة حول تفاصيل المشروع ، ولكن ، وفي الوقت نفسه ليس هناك دخان بلا نار ، وان تفكر انظمة الشرق الاوسط باقامة هكذا محور ليس بالامر الغريب ، وسبق ان طرح مركز الدراسات العربي – الاوروبي سؤالا على قراء موقعه الالكتروني حول اهداف هكذا مجلس ومستقبل علاقاته الاقليمية والدولية.

ولكن ورود اسم لبنان في هذا الموضوع ، يشكل شيئا من التساؤل والغرابة ، فالنظام السياسي في لبنان على الرغم من كل مشاكله والغازه وتعقيداته وازماته ، هو اكثر ديمقراطية واكثر تقدما من الانظمة المعنية الاخرى ، ولولا الحرب الاهلية التي دارت هناك نتيجة لتدخلات خارجية ، ولولا المازق الاخرى التي حشر فيها لبنان من اطراف عربية وغير عربية ، لبقي لبنان المنفذ الوحيد للديمقراطية في الشرق الاوسط ، ان ربط لبنان بهذا المجلس او التحالف ، ان صحت التكهنات بأنشائه ، بالتأكيد لا يكون في مصلحة الشعب اللبناني ، وسيقضم البقية الباقية من حرية شعب لبنان وسيجعل من نظامه السياسي نسخة مستنسخة من الانظمة السائدة ، وتقرأ الفاتحة على روح اخر الديمقراطيات في الشرق الاوسط.

ان مسألة اقامة هكذا تحالف او مجلس تعاون بين تركيا وايران وسوريا والعراق ، وفق بعض المعطيات ، ليس بالامر المستبعد لان هذه الدول على الرغم من الاختلافات الكثيرة بينها ، سنأتي عليها لاحقا ، الا انها ، في الاخر، لها اوضاع متشابهة ، وهياكل حكم تقليدية بوليسية ذات نمط واحد تقريبا ( باستثناء العراق في وضعه الجديد)، وذات عقلية متقاربة في عدم هضم مفاهيم التقدم والديمقراطية ، ولديها بعض القضايا المشتركة ، كمواجهة ما يسمونها بالاطماع الاسرائيلية ، ولو ان هذه القضية بدأت تاخذ مسارات اخرى ، فالدول العربية المهمة بدأت تتودد الى اسرائيل ، وتبنى معها علاقات علنية او تحت الطاولة ، كما ان مسألة ايجاد حل للقضية الفلسطينية ما زالت شاخصة وتعاني من تعقيدات كثيرة بسبب اولا : المخاوف الاسرائيلية من فكرة وجود دولة فلسطينية الى جانبها وبكل التوقعات الديموغرافية والكثافة السكانية العربية المستقبلية التي تخشاها اسرائيل ، وثانيا : عدم اطمئنان اسرائيل الى التغيرات المستقبلية في الاتجاهات السياسية وخصوصا بعد بروز الاتجاهات الاصولية المتطرفة في الصف الفلسطيني كمنظمة حماس وغيرها التي ارتبطت باجندات غير فلسطينية تضع العراقيل امام خطط الرئيس الفلسطيني ابو عباس ، وثا لثا : عدم وحدة الصف الفلسطيني ، ووقوع القرار الفلسطيني في (غزة) تحت النفوذ الخارجي – الايراني – السوري ، وعدم اطمئنان بعض الفلسطينيين الى مشروع السلام الاميركي الخاض بالمسألة الفلسطينية.


واذا صح ان ثمة جهود تبذل في اتجاه انشاء تكتل ايراني – تركي – سوري زائدا لبنان وربما العراق مستقبلا (!) ، فان ذلك يعني بأن التاريخ يعيد نفسه وان اجواء حلف سعد اباد* وحلف بغداد( السنتو) ** تعود الى الواجهة من جديد ولكن بتشكيلة جديدة ، و بمضمون قديم – جديد ، وفي ظروف مختلفة ، ودون اي دعم اوروبي او اميركي ، بل ان اسقاط نظام صدام الشمولي ، و بناء نظام سياسي جديد في العراق تبنى (لحد هذه اللحظة) دستورا منفتحا وديمقراطيا الى حد بعيد ، ووجود اقليم فيدرالي في جنوب كوردستان كل هذه الامور احدثت تغييرات في المعادلات السياسية ، واحدثت اثارا مهمة في المواقف الاميركية والغربية على الاقل في منع اي حرب ابادة اخرى ضد شعب كوردستان ، ومعلوم ان حلف بغداد وسعد اباد اقيما اصلا لمواجهة الحركة الوطنية الكوردية وقطع الطريق امام المد اليساري ، ولكنهما اصبحا اثرا بعد عين ، في حين نمت الحركة الكوردية وتطورت واصبحت الان في مواجهة حقيقية مع السياسات العنصرية لتلك الدول التي ما زالت تحاول القضاء على تلك الحركة او على الاقل تحجيمها ، وفي حين ان هذه الحركة استطاعت في الجزء الجنوبي من كوردستان تحقيق فيدرالية كوردستان وتضمين الدستور العراقي الدائم موادا ضمنت ان العراق يقوم على مبدأ الاتحاد الاختياري ، مما يؤكد ان اي تراجع عن هذا المبدأ سيكون له نتائج سياسية كبيرة.

وطبعا هذا لايعنى انتهاء المخاوف بالنسبة للحركة الكوردية ، فالاتفاقات الثلاثية التركية السورية الايرانية بخصوص الوضع الكوردي موجودة ، وثمة اجتماعات تعقد بين الاطراف بصورة دورية لبحث تطورات هذه القضية اضافة الى مسألة المياه ، والعراق عمليا عضو في تلك الاتفاقات التي تأخذ شكل لجان تنسيقية ، وربما قد تكون هناك وعود مقدمة من اطراف عراقية الى الاتراك لتلبية بعض المطاليب التركية التي تتعلق اساسا بالموقف من حزب العمال الكوردستاني ، ولكن هذه الاطراف لا تستطيع ابدا تنفيذ تلك الوعود بمفردها دون مساعدة الجانب الكوردي في العراق ، ومعلوم ان القيادة السياسية الكوردية اعلنت اكثر من مرة بأنها تحترم سيادة تلك الدول لكنها لن تقاتل نيابة عن اي دولة ، ولن تصبح حرس حدود للجيران ، وعلى تلك الدول ان تحل مشاكلها داخل حدودها وبالطرق السلمية والحوار المتحضر، وان الكورد غير مستعدين في الدخول الى حرب كوردية – كوردية لقتل ابناء جلدتهم لاي سبب كان ومن اجل سواد عيون الاخرين.

وفيما يخص الفكرة التي نحن بصددها ايضا ، فهناك من يقارب بينها وبين مجلس التعاون الخليجي، وحسب رأيي المتواضع انه لا يجوز مقارنة او مقاربة مجلس التعاون الخليجي الذي يتميز بانسجام الدول المكونة له سياسيا واقتصاديا وجغرافيا ، بالمشروع المطروح لاقامة مجلس تعاون بين العراق وتركيا وايران وسوريا ولبنان ، فالاوضاع السياسية والاقليمية والاقتصادية تختلف بين الكتلتين اختلافا جوهريا وكبيرا .

وعلى الرغم من بعض المشتركات التي سبق وان اشرنا اليها بين ايران وتركيا وسوريا والعراق ، كمسألة الموقف من مشروع السلام في الشرق الاوسط الخاص بالعلاقة الفلسطينية الاسرائيلية ، ومواجهة تنامي الحركة الوطنية الكوردية في ايران وتركيا وسوريا ، الا أن التكهن بنجاح جمع هذه الدول (ايران ، تركيا ، سوريا ، العراق ) في مجلس تعاون (ستراتيجي) واحد فاعل ليس الا تكهنا عقيما لجمع تناقضات متنافرة الالوان والاشكال والمضامين على طبق واحد ، وسيولد ميتا على كل حال .

و قد تذهب تلك الدول الى تشكيل (مجلس تعاون) ، ولكن ، وبوجود الانظمة الحالية الدكتاتورية (بأستثناء النظام السياسي الجديد في العراق) ، سيكون هذا المجلس ، مجلس تعاون امني وعسكري ، لا يفيد المصالح الحقيقية لشعوبها لا اقتصاديا ولا اجتماعيا ولا امنيا ، هكذا تكتلات تكون مفيدة عندما تكون الانظمة المكونة لها انظمة ديمقراطية منبثقة من ارادة الشعب ، وليس انظمة شمولية مسلطة على شعوبها تنتمي الى عصور الحجر . وفي هذا المجال يستثنى العراق في وضعه الحالي الذي يعتمد الانتخابات وتداول السلطة بواسطة صناديق الانتخابات ، ولكن وحسب رايي المتواضع فان معظم الكورد يرون انه لا يستطيعون ضمان سلامة شعبهم مستقبلا في العراق ايضا ، فما زالت هناك قوى عراقية تطمح الى اعادة عمليات انفال اخرى واعادة السياسات السابقة للعهود الدكتاتورية … ولو انه من المستبعد حسب المعطيات الراهنة ان يحدث هكذا تغيير دراماتيكي .

وقد يصعب عمليا جمع سوريا الغائرة في اشكالات اوضاعها الاقتصادية والسياسية والداخلية ، وعلاقاتها اللبنانية الاميركية الاسرائيلية العراقية غير المستقرة ، ومشاكلها الكوردية التي تريد اخفائها باي ثمن وباساليب الملاحقات والسجن والاغتيال ، جمعها مع ايران الاسلامية التواقة الى امتلاك القوة النووية ( حسب التقديرات الغربية) التي يعارض الغرب امتلاكها لها بالاضافة الى مشاكلها مع قوى معارضة اصلاحية وقوى علمانية بدأت تبرز في الساحة الايرانية ، اضافة الى سياساتها العنصرية مع القوميات غير الفارسية وعلى الاخص في شرق كوردستان ، ومشاكلها الخليجية ، ان جمع هاتين الدولتين مع تركيا (الديمقراطية !)على المقاس الطوراني الرافض لحقوق القوميات غير التركية في شبه جزيرة الاناضول ، وعضو الناتو التي تعمل بكل امكانياتها في سبيل ان تكون عضوا في المنتدى الاوروبي ، و تمارس في الوقت نفسه سياسات غير ديمقراطية و مراوغة ازاء وضعها الكوردي المتفجر اصلا ، والاتهام الدولي الموجه الى كل من ايران وسوريا بكونهما من الدول المشجعة للارهاب (حسب المواقف الاميركية والغربية) ، ومشاكل الحدود العالقة بين العراق وايران و ابار النفط “المشتركة!” ( حسب كتاب رسمي بتوقيع وزير النفط الشهرستاني عرضته وسائل اعلام عربية) ، ومشكلة المياه المعقدة التي تشترك فيها العراق وتركيا وايران وسوريا ، ووقوع العراق تحت رحمة كل من تركيا وسوريا وايران في هذا المجال ، وممارسة تركيا وايران وسوريا منذ امد بعيد ضغوطاتهما ” المائية” على العراق من خلال التلاعب بتدفق مياه دجلة والفرات والروافد الداخلة من ايران الى العراق ، ان هكذا (تجميع) لهكذا هياكل متنافرة لن يصنع جسما دوليا متوافقا صحيحا ، ولا يمكن ان يستمر ، ان بعض المشتركات قد تسجل لتلك الدول تناغما موقتا ، ولكن التناقضات الموجودة بينها تجعل هذه الدول في صراع دائم وليس في وئام دائم .

———————–
* معاهدة سعد اباد : تم التوقيع على هذه المعاهدة في 9 تموز 1937 بين تركيا وايران والعراق وافغانستان ، وكان من اهدافها الاساسية منع تشكيل دولة كوردية في الشرق الاوسط ومحاولة القضاء على اي تحرك ثوري كوردي في المثلث الكوردستاني بين العراق وايران وتركيا وسوريا.
** حلف بغداد او السنتو : أنشأته بريطانيا خلال الخمسينات, اضافة الى كل من العراق وتركياو إيران وباكستان . انضم اليه العراق في 24-2-1955 وقد انسحب منه بعد ثورة 14 تموز 1958 ، وكانت الولايات المتحدة الأمريكية هي صاحبة فكرة انشاء هذا الحلف ولكن لم تشارك كعضو ، وقد اكد نوري السعيد في حيثيات دخول العراق الى الحلف انه كان من اجل الحفاظ على ولاية الموصل ونفطها والتعاون مع تركيا في هذا المجال ، علما ان ولاية الموصل تعني (اقليم كوردستان بالمناطق الواقعة ضمن الاقليم او المستقطعة منها كركوك وخانقين ومندلي وسنجار ونواحي اخرى) ، وواضح ان هذا التكتل عراقيا وتركيا وايرانيا استهدف الكورد اولا ومن ثم الوقوف بوجه ما كان يسمى بالمد الشيوعي..

تعليق واحد

  1. د.عادل السليمان / الخط الساخن / الجزيره / لندن

    عفوا دكتور بعد التحيه اسم صاحب الدراسه عادل السليمان , وليس عادل السلمان .
    انظر المقالات والدراسات على القوقل : د. عادل السليمان / الخط الساخن / الجزيره / لندن
    00962795134330 / 00962788279330

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *