الرئيسية » الآداب » الخلاص قصة قصيرة

الخلاص قصة قصيرة

القى الابن نظرة جانبية خاطفة على رقعة كتب عليها “ربيعة25كم” ثم أعلن السائق قائلا ً:

ـ ها نحن نقترب من الحدود العراقية.

ومضت السيارة تنهبُ الأرض بجنون. كان حفيف الهواء يختلط بأزيز الإطارات في ضوضاء رتيبة مملة. اعتدل الأب العجوز، وتطلع عبر أراضي الجزيرة الجرداء الممتدة على جانبي الطريق، ثم مدّ عنقه المتغضن إلى الأمام وهو يفكر: “هاهو يعود للعراق من جديد، بعد اغتراب دامَ العمر كله. ذكريات الطفولة والصبا تعاوده طرية في الذهن كأنها حدثت بالأمس. ولكن.. يا للخيبة! إنه يعود للعراق مفلسا ًمثلما هاجرَ منهُ. الحرب هدمت في لحظةٍ ما بناهُ خلال نصف قرن من الزمان”. استلقى على المقعد الخلفي، وهو يجاهدُ في أنْ يخفي دموعا ًحبيسة. وهنا سأل الابن:

ـ كم تبعد (كرمليس) عن مدينة الموصل يا أبي؟

عندها انهار الأب تماما ً. أجهشَ بالبكاءِ كالطفل ِ، وقال باقتضاب ٍ ومرارة:

مسيرة أربع ساعات ٍ على الأقدام فقط.

فكر الابن بسرعة: “من ربيعة إلى الموصل ساعتان ونصف. ومن الموصل إلى (كرمليس) ساعة ونصف. من المحتمل إذن أن يبلغوا القرية قبيل غروب الشمس”.

قال الابن مواسيا ً:

ـ لا تبكِ يا أبي. هذا قدرنا. سنبلغُ (كرمليس) قبلَ الغروب بعون ِ الربِ!.

ثم التفت بسرعةٍ نحو زوجته كانتْ هي الأخرى تبكي بصمتٍ.. ولاحظ بأن الطفلة كانت مستسلمة للنوم ِ. كادَ أنْ ينهار هو أيضا ً. ولكن.. لا .. إنه قائد العائلة. صحيح أن محنتهم كبيرة، ولكن ينبغي عليه أن يكبح مشاعره. من اجل العائلة يجب أن يقهر ضعفه.. وهمسَ بتأنيبٍ:

ـ مالكِ يا مَريم؟ المْ يكنْ مِنَ الأجدر أن تواسي الأب المتعب؟.

لمْ تنبسَ مريم بكلمة واحدةٍ. وخيّم الصمت من جديد. تسمّرت عيناهُ على الإسفلت الأسودِ الممتد وسط الصحراء كثعبان أسطوري، في حين غرقت الزوجة في أفكار حزينة: “بعد قليل، ربما بعد دقائق، سيغادرون سورية موطنها. آه.. لو لم تكن وحيدة، لو كان لها أهل، لاستطاعوا إذن، أن يحلّوا عندهم ريثما تنجلي الغيوم عن لبنان. ولكنها وحيدة.. وحيدة كغصن مقطوع من شجرة. أمها ماتت بعد أن تزوجت هي من لبناني. ومهما يكن فإن مصيرها مرتبط بمصيره، وها هي إلى جانبه، في رحلة إلى ديار ابن خال حميها.. رحلة؟.. رحلة؟ من يقول هذا؟؟. العائلة هاربة من بركان لعين انفجر فجأة… حتى ملابس النوم لم يجلبوها معهم.. فيا للخجل.. ماذا سيقولون عنهم في العراق؟”.

عند نقطة الحدود طالعتهم لوحة أخرى كُتب عليها “ربيعة: مرحباً بكم في العراق”. وأوقف الابن السيارة في نقطة الكمارك قائلا ً:

ـ هيا .. انزلوا.. نحن الآن في العراق.

ثم أردفَ مازحا ً :

ـ ها أنت تعود حيا ً إلى وطنك يا أبي.. وعندما نصل مسقط رأسك قد ترجع شابا ً!.

انفرجت أسارير الأب. نظر بعيدا ً باتجاه الشرق، بعيدا ًحيث تقع قريته.. وفي خشوع عجيب، خشوع يناظر خشوع المصلي حين يتجه إلى ربهِ، انحنى الأب على الأرض، وملأ كفهُ بحفنةٍ من الترابِ، ضغط براحةِ يده على التراب، ثم فتحها ، فانهال من بين أصابعه على الأرض.. وانسابت الدموع على خديه، لكنها كانت هذه المرة، دموع ابن يلقي بنفسه في أحضان أمه بعد غياب طويل.

وبعد إجراءات التفتيش الشكلية انطلقت السيارة تواصل رحلتها. سال الابن أباه:

ـ أتتذكر معالم الموصل وشوارعها يا أبي؟

أجاب الأب بثقة:

ـ بكل تأكيد، كأنني فارقتها بالأمس.. أعرف معالمهما مثلما تعرف أنت بيروت.

إذن لن نحتاج إلى أي استفسار عن الطريق المؤدية إلى (كرمليس)؟.

ـ لا أبدا ً.

ضغط الابن على فرامل السيارة، ثم انعطف بها بحدة ليوقفها خارج الشارع، وهو يقول:

ـ يمكننا أن نمضي بضع دقائق من الراحة هنا، وسوف لن نتوقف بعدها حتى نصل الموصل.

وحين نزلوا من السيارة بدوا جميعا ً في غاية الإنهاك. الأب مجهد إلى أقصى حد. تنمّ عن ذلك تجاعيد وجهه التي بَدت أكثر عمقا ً وتشابكا ً كأنها أخاديد غير منتظمة في أرض محروثة.. الزوجة زادها السفر نحولا ً، تطلّ من وجهها علامات قلق أخرس. الطفلة ما يزال النعاس يسيطر عليها، تتطلع حواليها باستغراب، وعلى وجهها البريء يرتسم أكثر من سؤال.

حَدثت الأم ُ الطفلة بحنان محاولة طمأنتها:

ـ سوسن.. نحن الآن في العراق.. وعند المساء سنصل بيت.. بيت… ابن الخال.

همست الطفلة ببراءة:

ـ ليس لي خال.. أما كنتِ تحدثيني عن ذلكَ دائما يا أمي العزيزة؟!.

بدت الزوجة محرجة، فقال الزوج:

ـ إنها تقصد ابن خال أبي. سوف تعرفينه وتحبينه حينما نصل هناك.

سألت الطفلة مرة أخرى:

ـ أين نحن الآن؟ .

أجاب أبوها من خلال ضحكة قصيرة:

الم تقل لكِ أمك بأننا الآن في العراق؟

بعد استراحة قصيرة، انطلقت السيارة تواصل رحلتها. كان ذهن الطفلة مشغولا ً بشيء واحد: العراق؟ ما هو العراق؟ كيف هو شكل العراق؟.. كانت الصغيرة تطرح الأسئلة على أبيها، فيجيبها باقتضاب. ذهنه مشغول بشيء آخر: بيروت الآن أضحت بالنسبة لهم مجرد ذكرى.. بيروت الجميلة، بيروت الحنونة، بيروت التي كانت ملاذ كل مضطهد وكل مبعد وكل مشرد عن وطنه، بيروت هذه .. تحولت فجأة إلى ساحة للنيران والحرائق والدمار. الموت يحصدُ الناس بلا حسابٍ. البيوت تتداعى على رؤوس أصحابها. الأحياء يحسدون الأموات. كابوس رهيب.. في غمرة هذا الصراخ الذي اجتاح المدينة، فقدت العائلة كل شيء. النيران التهمت مخزنهم، مخزن الألبسة الجاهزة في شارع الحمراء. في غمضة عين استحال المخزن إلى رماد. هكذا تحطمت آمالهم. المخزن الذي هو ثمرة جهود أبيه لفترة طويلة من الزمن، ومن ثم جهوده هو، استحال إلى لا شيء.. توالت المصائب.. في غمرة القصف العشوائي الأهوج تداعى ركن كبير من بيتهم. الصدف، والصدف وحدها، بمشيئة الرب، هي التي أنقذتهم.. لقد نجوا من موت حقيقي .. الندم لا ينفع، ليذهب كل شيء إلى الجحيم ما داموا هم أحياء سالمين.

وأعلن الابن :

ـ هذه محطة الكسْكْ.. نحن الآن على بعد 50 كيلومترا ً من مدينة الموصل.

اعتدل الأب وأشعل سيكارة، تطلع إلى القرية من خلال نافذة السيارة. فكر مع نفسه: “هذه البلدة لا تشبهُ القرية القديمة التي شاهدها من قبل. من المؤكد أن مدينة الموصل قد تغيرت هي الأخرى .. من يقول أن (كرمليس) قريته لم تتغير هي أيضاً؟!”.. في إعياء شديد تهدل رأسه بقنوط كأنما الشيخوخة داهمته دفعة واحدة. منذ أن هاجر إلى لبنان- قبل حوالي أربعين سنة- لم يقدَّر له أن يرى موطنه ولو مرة واحدة- ظلَّ على اتصال مع أقربائه عن طريق المراسلة.. كان في البداية يراسلهم باستمرار، لكن بمضي الزمن أخذت الرسائل تشحُ بين الطرفين. في السنوات الأخيرة انقطعت رسائلهم تماما ً. ها هو يرى كل شيء قد تغير.. من يقول أن الناس الذين عرفهم لم يتغيروا هم أيضا ً؟!.

استسلمت الزوجة للنعاس، في حين ظل الأب غارقا ً في أفكاره.

وأعلن الابن:

هذه لافتة تشير إلى أننا على بعد خمسة عشر كيلومترا ً من الموصل.

نظر الأب بعيدا ً حيث لاحت لهم معالم المدينة “الموصل؟ حسنا ً..! ها هو يعود إليها ثانية، يعود إليها شيخا ً مهدما ً بعدما غادرها فتى ً يافعا ً مملوءا ً بالطموح. إنه ما يزال يذكر كل شيء، كأنه حدث بالأمس: رحلاته مع والده عند الفجر إلى سوق (الكَبْ)، الجسر الخشبي . باب الطوب. خان الباليوز. كباب البلدية ذي النكهة الخاصة. فتيان المدينة الجسرين إلى حد التهور..وهو يعرف كثيرا ًمن الدكاكين التي كان أبوه يتعامل مع أصحابها. لكن مهلا ً..! أربعون عاما ً ليست بزمن قصير.. لا بدَّ وأن الكثير مما يعرفهُ عن المدينة قد تغير، الصورة القديمة المطبوعة في ذهنه للمدينة لا يمكن أن تبقى على حالها. الشبان الذين عرفهم- والذين ما زالوا شبانا ً في مخيلته- لا بدَّ وان يكونوا قد ماتوا الآن أو شاخوا مثله على الأقل . كل شيء في تغيير مستمر. هذه هي سنة الطبيعة.

عند مدخل المدينة طالعتهم رقعة كبيرة كتب عليها بخط النسخ الأنيق:

(مرحباً بكم في أم الربيعين).

اعتدل أفراد العائلة في جلستهم. ها هي مدينة الموصل تلوح لهم جميلة كعروس في ليلة زفافها. الرحلة، إذن، توشك على الانتهاء.. وبرغم التعب أحسوا كأن نشاطا ًجديدا ًيدبُ في أجسادهم. تيقظت حواسهم وهم يتأملون بحبور معالم المدينة: بساتين الزيتون والفستق تمتد على جانبي الطريق. عشرات المآذن والقباب ترتفع في السماء. ما أجمل تلك المنارة، حين اجتازوا (حي الثورة) سألت الزوجة حماها:

ـ ما أسم هذا لحي يا عمي؟

أجاب الشيخ بصوت واهن:

ـ لا ادري.. عندما هاجرت ُ إلى لبنان لم يكن ثمة أي بيت في هذه المنطقة.

وعند مفترق أحد الشوارع سأل الابن:

ـ في أي اتجاهٍ نسيرُ يا أبي؟

أجاب الأب بانكسار:

ـ لا ادري..! حتى هذه الشوارع لم يكن لها وجود في ذلك الزمن.

ظلَّ الأب يتمعن فيما يقع تحت أنظاره: الشوارع. الحوانيت، الناس، البيوت.. ازداد حيرة. أيمكن أن يتبدل كل شيء هكذا؟! كأنما هذه المدينة ليست المدينة التي كان يعرفها شبرا ً شبرا ً. عمارات ضخمة. ساحات واسعة، شوارع عريضة وفنية.. إذا كانت المدينة قد تغيرت بهذا الشكل، من يقول أن قريتهم (كرمليس) لم تتغير هي الأخرى؟.. ماذا سيقول للعائلة عندئذٍ؟!. أحس الشيخ أن العالم الذي طالما اشتاق إليه، لم يعد له أي وجود إلا ّ في ذهنه.

همس بصوت واهن كأنه آتٍ من مكان عميق يخاطب ابنه:

ـ لشدَّ ما تغيّرت المدينة!.

ابتسم الابن وهو يجيب:

ـ لا تيأس يا أبي.. أستطيع أن استدل على الطريق بواسطة إشارات المرور.

ظلت السيارة تدور من شارع إلى شارع، وأخيرا ً انعطف بها الابن إلى إحدى الساحات.

سأل الأب بخجل ٍ:

ـ أين نحنُ الآن؟

قال الابن ضاحكا ً:

ـ نحن الآن في باب الطوب، مركز المدينة!.

قال الأب متعجبا ً

ـ ولكن هذا المكان لا يشبه باب الطوب.

أكد الابن بإصرار:

ـ هذا هو باب الطوب، عشرات الرقع تشير إلى أن هذا المكان هو باب الطوب.

عندئذ أحَسَّ الابن بأن إصرارهِ يجرحُ كبرياء الشيخ، فأردف يقول بحنان ٍ كما لو كان يخاطب طفلا ً:

ـ يا أبي.. لا تنسَ أن كل شيء قد تغير. فأنت منذ أربعين عاما ً لم ترَ هذا المكان.

عاودوا الرحلة من جديد. اجتازت السيارة (الجسر الجديد). عندئذ فقط اتضحت للأب معالم المدينة: ذلك هو الجسر القديم. هو .. هو.. لم يتغير فيه شيء. كان يأتي مع والده لبيع البطيخ تحت الجسر في سوق (الكَب). ذلك هو تل (النبي يونس). تعجبَ من طغيان البناء الذي امتدَ بعيداً بعيداً في الجانب الأيسر من المدينة.. أحس الأب بالانشراح. تذكر انه كان يعمل – وهو صبي- باجرة قدرها (10) فلوس مع الانكليز الذين كانوا يبحثون عن الآثار في تل ( قوينجق) . تملكته رغبة جامحة في أن يحدث العائلة عن تلك الأيام البعيدة، إلا ّ أنه كتم مشاعره ..أتاهُ صوت ابنه يسأل:

ـ لقد غادرنا المدينة.. هل تستطيع أن تستدل على طريق القرية يا أبي؟

أجاب بحماس:

ـ أجل سر في نفس اتجاهك، بعد وقت قصير سنصل (كرمليس). في القرية تجمهر الناس حول السيارة التي تحمل رقماً لبنانيا ً. ظلَّ أفراد العائلة، وللحظة قصيرة جداً، قابعين داخل السيارة، متشبثين بمقاعدهم: عشرات العيون تتطلع إليهم بفضول. ما الذي جعل عائلة لبنانية تقصد قريتهم؟. في ذهول غريب كان الأب يتأمل وجوههم تارة، ويرنو إلى البيوت الجديدة تارة أخرى. أين بيت ابن خاله؟ بل أين ابن خاله؟ وأين أهل القرية الآخرون؟ أيها الناس! لا احد منكم يعرف؟ أنا زكي العراقي في لبنان، وزكي اللبناني في العراق.. هل نسيتم؟ أين آباؤكم؟ إنهم يعرفونني جيداً. وابن خالي: حنا الصقال؟ أين هو؟ تقولون سافر إلى جهة مجهولة؟ يا للخيبة..! يرفع الأب رأسه الأشيب، يقول: أنا من قريتكم؟؟ ألا تعرفونني؟. يَهزُ الفلاحون رؤوسهم نفيا ً لكن أسارير وجوههم الطيبة تقول: طالما انتم من لبنان، تفضلوا على الرحب والسعة. بيوتنا بيوتكم، يتشبثُ الأب بخيط واهٍ من الأمل. كل الذين في مثل عمره ماتوا. أقاربه رحلوا إلى مدن أخرى. يزفر الأب متحسرا ً، يتهدل رأسه بانكسار، تلتقي نظرات الزوجين في حوار صامت: “العراق واسع”.

وتنطلق السيارة مغادرة القرية في سرعة جنونية، باحثة عن مكان آخر فوق هذه الأرض الواسعة.

1/9/1978