الرئيسية » مقالات » في ذكرى ثورة اكتوبر العظمى ! 3 من 3

في ذكرى ثورة اكتوبر العظمى ! 3 من 3

و يرى العديد من الباحثين ان ثورة عظمى كثورة اكتوبر، اثارت و تثير جدالات حامية لاتستقر ، لأنها احدثت تغييراً هائلاً في العالم باعادة تشكيل قطبيته السابقة، و تشكيلها قطباً بآليات مناقضة لآليات الأقطاب الدولية الكبرى حتى ذلك الوقت . . دعَم نضال شعوب العالم من اجل التحرر و التقدم بشكل حيوي كثير التنوع، و اعتُمد رسمياً في العلاقات الدولية و في بناء و صياغة مواثيق هيئة الأمم المتحدة و القوانين الدولية منذ ما يقارب القرن ، حتى احدث غيابه بعدئذ تغييراً هائلاً لم يستقر لحد الآن، في الأقتصاد و السياسة و القانون و الفكر في العالم .
و ان الحكم بكونها ـ اي الثورة ـ كانت خطأ ام صواباً ، هو كالحكم على اي حدث هائل هزّ العالم و بقيت تأثيراته واشعاعاته فاعلة، كالثورة الفرنسية مثلا، التي الى الآن وبعد مرور قرنين عليها، يستشهد فريق بها كبناء صلب لتطور الدولة و الفكر و علوم القانون و الأجتماع، و يدينها فريق و يعتبرها حكم رعاع، لأنها اعدمت العائلة المالكة و كانت عنيفة دموية . . فيما تسير احكامها و تتجدد و تُدرّس افكارها كثوابت تتطوّر، في معاهد و مؤسسات العالم .
ومن جهة اخرى، وفيما يرى حقوقيون انه لا توجد وصفة محددة لثورة هائلة طاهرة خالية من الأخطاء الاّ في الخيال، فأن قسم يتساءلون هل تعود اخطاء ثورة اكتوبر الى عدم اعطاء كارل ماركس تصورات ملموسة عن السلطة الأشتراكية و عن دولتها و كيفية بنائها . و يتساءل آخرون الا يكفي انها غيّرت موازين العالم طيلة قرن و استقلت بدعمها و وفقها شعوب و دول فاعلة، و علوم و فكر، و ادّت الى تغيّر هائل في وجهة سكة تطور العالم و سكّة تطور الرأسمال الدولي ذاته، للتدليل على اهميتها ؟!
و يشير نظريون الى ان زماننا الذي يشهد تطوراً عاصفاً في العلوم و التكنولوجيا ، الأقتصاد و السياسة، الفكر و الرؤى ، يشير الى خطأ الركون الى مفاهيم الحتميات التاريخية كأنها مسلّمات استاتيكية جامدة، بملاحظة التغيّر الجذري الحاصل في ادوات و قوى الأنتاج، و نظم الإدارة و الإتصالات، و ما يلعب ذلك و غيره من تأثيرات هامة على دور و كينونة الأنسان، ذلك الكائن الفاعل في مختلف نواحي الحياة، من الطبيعة الى المجتمع، الذي تدخّل حتى بقوانين الطبيعة، مطوعاً بعضها لفائدته و متسبباً بكوارث في تأثير اعماله على بعضها الآخر، كما في مجال تلويثه البيئة على سبيل المثال .
فرغم الفوائد النظرية الكبيرة لما طرحه سياسيون و نظريون كبار حينه : غرامشي، بليخانوف ، روزا لوكسمبورغ و كاوتسكي و غيرهم، الاّ ان قيمة ما طرحوه كانت تفيد بدراسته بظروف ذلك الزمان للتعرّف لماذا لم يؤخذ به حينها، هل فقط لأن لينين رفضها ؟ ام لأن أنفجار ملايين البشر في روسيا القيصرية ومن كل القوميات، كان وشيكا ! بسبب المجاعة و الموت و الرعب ، دوي المدافع و قعقعات السلاح، و الخوف من المعاهدات السرية و من المجهول القادم، بعد ان حصدت الحرب العالمية الأولى في ذلك الزمان و بمقاييسه عشرات الملايين سواء في ساحات القتال ام بسبب الجوع و البرد ، و بسبب التيفوس و الطاعون وغيرها . . اي بسبب ان الشعب لم يعد يحتمل حكّامه، لمجمل الظروف الذاتية و الموضوعية الفاعلة آنذاك.
في وقت كانت فيه جيوش متنوعة متأهبة تطرق ابواب روسيا رجل اوروبا المريض، لتعمل فيه ما عملت بالأمبراطورية العثمانية الآيلة للسقوط، التي بعد ان استسلمت، معروف ما اورثت و كيف مزّقت و نهبت . . و يصلون الى ان القضية لم و لا تتوقف على قرار فرد مهما كانت اهميته، والاّ لكان سبب اندحار نابليون بجيوشه الجرّاره ذات الآلاف المؤلفة في معركة واترلو عام 1813 ، يعود فعلاً الى اصابته هو بنزلةِ برد ليلة المعركة، كما كان انصاره يرددون . . وكأنه لايعود لإشعاله اوروبا بالحرب و تسببه بضياع ارواح مئات الآلاف و تحطيمه مئات الحواضرو تشريده اعداد مضاعفة من المدنيين في ذلك الزمان بلا طائل، و لايعود الى فعل كل العوامل التاريخية في قوانين الحرب وقتذاك .
و لابد هنا من الإشارة الى ان حكومة كيرنسكي البرجوازية الأنتقالية (المؤقتة) التي مثلت مصالح صناعيي روسيا و اثريائها و تجارها و ملاكيها و رجال دينها الكبار ، لم تستطع ان تقدّم حلولاً عاجلة للمعضلات التي كانت تعانيها الملايين و الى انها هي التي اوصلت البلاد بسلوكها العاجز عن الحصول على تأييد الشعب الى التمرّد عليه ابتداءً و ليس البلاشفة . . التمرد الذي كان يسري كالنار في هشيم البلاد، التي وجدت ان الحكومة ستسلّمها للطامعين الأجانب (1) لعجز خزينتها حتى عن دفع رواتب اجراء الدولة، فيما كانت وسائل التدفئة غائبة و الشتاء الروسي على الأبواب . .
و تسلّمها للطامعين للتخلص من مخاطر ما يسببه جوع الملايين عليها و للتخلص من المذابح التي كان يمكن ان تطالها، حين كانت تمارس اشد الممارسات فتكاً و قسوة بحق المعارضين و كانت تبيد التظاهرات السلمية بالرصاص، بعد ابقائها على قوانين الإعدامات الظالمة. فيما كانت تمردات و انتفاضات القوميات و الأديان على اشدّها، و انتشار عصابات السرقة و القتل في اوجه، على طول البلاد و عرضها . . بسبب ضعفها و شللها .
فيما كانت البلاد تحتاج الى حكم يمثّلها و يحميها و يبدأ بتحقيق شئ من مطالب اوسع الجماهير، الأمر الذي عجزت عنه حكومة كيرنسكي البرجوازية طيلة عشرة شهور، في زمان ومكان كانت التغييرات عاصفة فيهما و كان موقف اوسع الجماهير هو الحاسم في تقرير من يستلم الحكم . . حيث ان صدور اول مرسوم لسلطة البلاشفة حين لم تكن مكتملة بعد : ( السلام ، الخبز ، الأرض) و الشروع الفوري بتنفيذه، هو الذي لف اوسع الأوساط الشعبية حولهم لأنهم بدأوا بتحقيق اهم و اعزّ مطالبهم . . فيما كانت موازين القوى تتغيّر سريعا لصالح سياسة و اعمال البلاشفة، لأنها كانت تحقق فعلاً المطالب العاجلة لأوسع الشغيلة . . (2)
و من هنا ينبع الفرق بين النظرية المكتوبة الجاهزة، و بين الواقع الجاري على الأرض في الزمن المعني، والذي يلخصه كارل ماركس في تأييده لكومونة باريس عند اندلاعها(3)، رغم استشرافه و تقديره لما كان سيحصل . ان الأستناد على المنظرين المعارضين لقيام ثورة اكتوبر في ذلك الزمن فقط، رغم احتفاظه بقيمته النظرية ، الاّ انه يمكن ان يكون قد فقد قيمته في الواقع الجاري الآن ، لأن الجماهير العريضة قد قررت آنذاك وقامت بالثورة و نجحت، و بنت دولة صارت احد قطبي العالم المقررين عملياً ثم رسمياً . . طيلة اكثر من سبعين عاما ، و خلّفت واقعاً آخر تماماً .
ويذهب آخرون الى ان الخطأ لم يكن في ثورة اكتوبر في روسيا، وانما في التطبيقات اللاحقة، و في محاولة التقليد المتسرع لها في بلدان عديدة، ثم في ما فُرض على الأحزاب الشيوعية و العمالية بعد انتصارها و ثبات دولتها بمرور العقود، و الذي تسبب بمشاكل متنوعة منها، تباطؤ نمو عدد من البلدان الصناعية المتطورة اصلا كالمانيا الشرقية و جيكوسلوفاكيا تحت حكم الأحزاب الأشتراكية، رغم الدمار الهائل الذي اصابهما بفعل الحرب الثانية . .
فيما يرى قسم آخر، بانه لو قللت الدولة السوفيتية من اعباء دورها في كل انحاء العالم كما عملت الصين الأشتراكية مثلاً ، التي سارت على نهج ” السياسة الإقتصادية الجديدة ـ النيب ” اللينيني . . لسارت اوضاعها بشكل افضل. فيما يرى متخصصون ان الصين سارت على سياسة داخلية اعتمدت على طريقها الخاص في موالفة الكونفوشيوسية مع الأشتراكية، وعلى مراحل تغييرية عاصفة لأعادة البنى و الأهداف، من ” القفزة الكبرى” و ” دع مئة زهرة تتفتح “، الى ” الثورة الثقافية ” . . حتى صارت تمتلك الآن اكثر من 60 % من اسهم الأسواق الداخلية للولايات المتحدة الأميركية (4).
و يرى الكثير من المفكرين ان ثورة اكتوبر، ثورة سعت الى تحقيق نظام عدالة اجتماعية اشتراكي الوجهة، بعد ان انشأت بلداً صناعياً عملاقاً معتمداً في ذلك على آلياته الوطنية الداخلية، و ليس على موارد مستعمرات. ثورة حققت الكثير من المهام الوطنية الديمقراطية التحررية لبلد شبه رأسمالي شبه اقطاعي، بآليات الملكية الجماعية لوسائل و ادوات الأنتاج. وان قيام الأتحاد السوفيتي اثر انتصارها، حقق تحرير الشعوب و القوميات المضطهدة المستعمرة استعمارا استرقاقياً من قبل النظام الروسي القيصري السابق، ومنحها حقها في تقرير المصير، التي لم يختر قسم منها الإتحاد بل الأنفصال، كما حدث مع فنلندة التي صارت دولة مستقلة.
و فيما كشفت دولتها معاهدات النهب السرية، و تصدت للفاشية و اسقطتها. و كوّنت قطبا تحرريا في مواجهة قطب الأحتكارات الغربية اللصوصية حدّ من اطلاق يده، و كان سبباً هاماً ان لم يكن اساسياً من اسباب لجوء رأسمالية القرن التاسع عشر و العشرين المعروفة بنهمها الجشع، الى القيام بالعديد من الأصلاحات و التنازلات لصالح عمال و شغيلة بلدانها. ….
يرى نظريون، ان نجاح ثورة اكتوبر، اثبت عملياً و لأول مرة ان هناك آليات اخرى غير الآليات الإستغلالية الربحية الرأسمالية، و آليات للوقوف بوجه الأحتكارات، وان الأستغلال ليس قدراً محتوماً لاردّ عليه، واثبت عدم كفاية و خطأ الأعتماد على النظريات الدينية و على الخزعبلات اللاهوتية، في بناء مجتمع انساني جديد خالي من استغلال الأنسان لأخيه الأنسان، او يسعى اليه . واعطى تجربة غنية للنظريين عمرها 70 عام عن ماهية و كيفية قيام دولة للعدالة الإجتماعية، بتقييم النجاحات و الإخفاقات ، و بالبحث عن الأسباب الحقيقية لأنتهاء التجربة الأولى .
و انها تجربة تشير الى اهمية تدقيق الفروق بين نظام عدالة اجتماعية و نظام اشتراكي، و انها اثبتت ، و رغم ما تحقق للشغيلة، و ماتحقق من انظمة تعليم احدث و اوسع و من حقوق مهنية لاتقاس بالعهد القيصري السابق، اضافة الى حقوق للمرأة و للطفل، اضافة الى آليات الإنتاج و الى الثقافة و العلوم . . الاّ انها اخذت بالمراوحة ثم الجمود و صولاً الى التراجع، قياساً بما عمل و سعى له المواطن السوفيتي ، حتى وصل الى الخطأ القاتل عندما ظهر و تنامى شعور الفرد بكونه كالآلة . . بعد ان اهملت مشاعره و عواطفه و طموحاته، و اهملت تلبية الحاجات المتزايدة لأنسان دولتها الذي كان كثير الكدح و الصبر و تسببت بتغربه عنها، و بطموحه الى اعادة بنائها الذي انتهى نهاية من شكل آخر تظافرت فيها عوامل و ادوار كثيرة التنوع . .
انها تجربة رغم كل الظروف والمشاق و التضحيات . . شابها خلل حقيقي تراكم، في كيفية بناء اسلوب ديمقراطي اكثر انفتاحا و قابل للتطور، قاد الى فشل تجربة غيّرت مجرى التاريخ طيلة قرن مضى . و إنها اكّدت خطأ تحطيم القطاع الخاص، و على ان الأشتراكية العلمية متنوعة في التطبيق ولايمكن ان تتحقق بثبات الاّ بالأعتماد على اقتصاد و آليات صناعية متطورة، في مجتمع يستطيع تلبية حاجة الفرد المادية و الروحية تسوده العدالة الإجتماعية .
و يرى محللون معاصرون ان الدعوة الى الأشتراكية و الى الفكر العلمي الديالكتيكي ليست خرافة، و لم تسر الملايين التي صنعت ثورة اكتوبر خلف خرافة والاّ لسارت خلف البابا الكبير للكنيسة الآرثدوكسية الذي سعى جاهداً للمّ الجموع وراءه آنذاك، وكانت قمّة جهوده في يوم ” الأحد الدامي” حين تساقط الآلاف برصاص الشرطة القيصرية وهم ينظّمون مسيرة كانت في طريقها لتقديم طلباتهم العاجلة الى العرش القيصري بارشاد البابا، الذي انفضّت عنه بعدها و لم تعد تصدّق بوعوده . . و انما سارت وراء حقوق كانت تتلمسها بيدها سريعا منذ مرسوم الأرض . .
و من يعتقد انها خرافة عليه مراجعة الكلمة التي القاها زبغنيو برجينسكي (5) احد ابرز منظري الرأسمالية اليوم ، في الأحتفال الكبير الذي اقيم ليلة 31 ـ 1/ 1 / 2000 ، الذي نظّمته اكبر معاهد العلوم الإجتماعية في العالم لتكريم ” كارل ماركس ” حين كرّمته باطلاق اسمه على الألفية الجديدة ” الفية ماركس ” ، التي تناقلتها الصحف و وكالات الأنباء المتنوعة، و التي قال فيها :
” لقد درسنا و فهمنا ماركس افضل مما عمل الأشتراكيين، الذين لم يدرسوه جيداً ليحددوا موقعهم و دورهم في العملية التأريخية . لقد بذلنا جهوداً كبيرة بدراسة ماركس لتحديد موقعنا في العملية التاريخية . . حتى عرفنا اننا نحن العوامل المعرقلة !! و اننا ان تمكّنا من العرقلة 100 سنة هل هذا قليل ؟! . . تأملوا القول جيداً !! ”
ان ماتحقق في ثورة اكتوبر في التفكير المعاصر هو تحقيق شكل من اشكال العدالة الإجتماعية نحو الأشتراكية . . او تحقيق شكل من الأشتراكية في القرن العشرين الذي مضى. و بينما فشل النمط الذي بني في الأتحاد السوفيتي السابق فانه يستمر في الصين الإشتراكية و في بلدان اخرى تسير عليه .
وكما تتطوّر البرجوازية و تسقط و تتقدّم الى رأسمالية و الى امبريالية، ثم الى رأسمالية متوحشة و رأسمالية متمدنة و التي استغرقت قروناً . . فان نقيضها و فكره يتطوران ايضاً بتطوّر العالم و وصوله الى مراحل العولمة . . التي ستجد فيها قوى العدالة الأجتماعية و الأشتراكية امكانات و حلفاء جدد على طريق تحقيق الأهداف العادلة . . على منهج كارل ماركس و تحديد الموقع في العملية التاريخية الجارية. (انتهى)

15 / 11 / 2009 ، مهند البراك
ـــــــــــــــــــــــــــ
1. كان هناك شعور طاغي بين الملايين يتسم بالحذر الفائق من الاعيب القوى الحربية الأجنبية، التي يمكن ان تحتل البلاد الأم، و انها ستسحقهم و تستغلّهم . و هو شعور قوي ساد روسيا طيلة قرون بسبب تأريخها و حروبها . .
2. و لاتكتفي بطرح الشعارات فقط .
3. راجع كتاب ” 18 برومير لويس بونابرت ” ، كارل ماركس ، حول كومونة باريس .
4. نشرات بي بي سي العربية، آذار 2009 ، تقارير حول الأزمة المصرفية في الولايات المتحدة الأميركية .
5. مستشار الأمن القومي للرئبس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، عضو مجلس الشيوخ .