الرئيسية » مقالات » قضية كركوك ومصالح النواب الشخصية

قضية كركوك ومصالح النواب الشخصية

لم يشهد الخلاف في مجلس النواب العراقي بين ممثلي الكتل الكردية والتركمانية والعربية عندما نوقش واقر قانون مجالس المحافظات أواخر شهر أيلول العام الماضي، ذات الاستعصاء الذي شهده عند مناقشة وإقرار تعديل قانون الانتخابات رقم 16 لعام 2005، رغم أن نقطة الخلاف الجوهرية هي ذاتها، أي ما بات يعرف بقضية كركوك. فقد استطاعت ذات الكتل التوصل إلى اتفاق توافقي بين قادتها أفضى بالضرورة إلى تصويت نوابهم وتمرير القانون، وكذلك لم يكن الباب مشرعا بهذه السعة للضغوطات الخارجية رغم عدم انعدامها في حينه عندما اقر قانون انتخابات مجالس المحافظات. فأي مصلحة وطنية وراء إقحام وتأجيج قضية كركوك بالتعديلات المقترحة على قانون الانتخابات، وهي القضية التي يتفق عليها المتخاصمون والمنصفون بأنها قضية معقدة تحتاج إلى جملة تدابير تنطلق أساسا من المادة 140 من الدستور والتي كرست لمعالجة وضع هذه المدينة الشائك؟.

الخلاف بين نواب محافظة كركوك ظهر أواخر شهر تموز الماضي حول نسب وصيغ مشاركتهم في الانتخابات النيابية القادمة ولضمان احتفاظهم بمقاعدهم الحالية، وسرعان ما تلقفت هذا الخلاف، الكتل النيابية الكبيرة المتصارعة اثنيا وطائفيا، لتجعل من وضع هذه المدينة عقبة رئيسية تحول دون الاتفاق على إقرار التعديلات المطلوبة على قانون الانتخابات. ولتجاوز هذه العقبة، عرضت مقترحات عديدة، من بينها مقترحات من قبل فريق الأمم المتحدة، حاولت التوفيق بين مطالب نواب كركوك الأكراد والعرب والتركمان، ومن قبل النائب حميد مجيد موسى سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي الذي سمي في العام 2005 رئيسا لهيئة تطبيع كركوك، والذي قدم مقترحات مسؤولة تتسم بالواقعية وإمكانية التنفيذ والإنصاف لجميع الفرقاء.

هناك تعدد في الوسطاء العراقيين مترافقا مع الضغوطات الموجهة من أطراف خارجية عديدة ممثلة بفريق الأمم المتحدة والولايات المتحدة وتركيا واليابان – وهذا ما تم الإعلان عن أسمائها فقط -، لكن هاجس عدم الثقة المتبادلة بين هذه الكتل، هو المهيمن على الأجواء داخل قبة المجلس وفي مجالس قادة الكتل، ومبعث عدم توفر الثقة هو معرفة أطراف هذه الكتل لأساليب بعضها الآخر وهي تتبادل رصد عمليات مزاولة تزييف الوثائق ودفع الرشا لتغيير الواقع السكاني لمحافظة كركوك بما أتيح لها من إمكانيات، وليتأكد الاعتقاد من أن إثارة هذا الصراع جاء لدوافع انتخابية شخصية وأنانية فئوية، واستباقا لما تتخوف منه هذه الكتل من نتائج مخيبة في الانتخابات القادمة بعدما أصابها التشرذم، وحَذرها من الأخذ بنظام القائمة المفتوحة الذي سيزيح نوابا لم يبرروا المهمة النيابية التي كلفوا بها.

الإطراف الأجنبية ” الوسيطة ” تبدو” أكبر حرصا وأكثر غيرة وطنية على مصلحة الشعب العراقي من النواب العراقيين، الذين لم يبدوا أي رد فعل على البيان المشترك التوبيخي الذي أصدره السفير الأمريكي كريستوفر هيل و قائد القوات الامريكية في العراق الجنرال راي أوديرنو حول ضرورة إقرار قانون الانتخابات والذي ورد فيه” إن مستقبل العراق متوقف على القيادة العراقية والشعب العراقي، ونحن نحث قادة العراق السياسيين على تسوية خلافاتهم، وأخذ إجراءات سريعة لتحقيق ما هو في مصلحة الشعب العراقي ليتسنى لهم ممارسة حقهم الديمقراطي يوم 16 من شهر كانون الثاني (يناير) 2010″.

لقد نجح النواب القاصدون عرقلة العملية الانتخابية القادمة في تأخير إقرار إصدار التعديلات المطلوبة على قانون الانتخابات رغم الظروف الأمنية الاستثنائية في هذه الفترة الحرجة وفداحة حجم الضحايا العراقيين، وهذا ما حدا بالمفوضية العليا للانتخابات الإعلان على لسان رئسيها يوم الجمعة 6/11:” إن تأخير إقرار القانون وإصرار القادة السياسيين على عدم تأجيل الانتخابات سوف يجعلنا نلغي بعض الإجراءات، مما قد يجعلها غير كاملة ولا تطابق المعايير الدولية.”

تصريح رئيس مفوضية الانتخابات هذا نذير بنواقص جدية ستشوب عملية إجراء الانتخابات النيابية القادمة التي ستكون غير كاملة ولا مطابقة للمعايير الدولية!!. وعندها أي بعد إعلان النتائج، سيكون عذر المفوضية جاهزا لرد دعاوى المنتقدين والمشككين على أدائها المنتظر، رغم أن أداءها بسبب القصور والفساد الذي وصمت فيه في الانتخابات السابقة، لم يكن مقنعا لغالبية أعضاء مجلس النواب عند استجواب موظفيها في الخامس من تشرين الأول الماضي. إن وسائل وأساليب صراع الكتل الحالية في مجلس النواب ومفوضية عليا للانتخابات بهكذا مواصفات و استعداد منقوص، يمهد لإعادة تصنيع الكتل النيابية القادمة من ذات خام الكتل المتطاحنة حاليا.

7/11/2009