الرئيسية » شؤون كوردستانية » في كوردستان …. بشائر السلام شمالا ورياح التغيير جنوبا الجزء الاول:

في كوردستان …. بشائر السلام شمالا ورياح التغيير جنوبا الجزء الاول:

لم تشهد الساحة الكوردستانية جدلا وشدا وجذبا طوال نصف قرن مثلما تشهده الآن,أحداث جسام في طريقها الى التشكل والصيرورة مما يمكن اعتبارها نقاطا فاصلة في التأريخ الكوردي المعاصر او ما تسمى في علم الرياضيات ( بنقطة الانقلاب ,ولعل ابرز حدثين طفحا على سطح تلك الاحداث في الاشهر المنصرمة ولا زالت تتفاعل يوما بعد يوم الا وهما:
,أولا: (مبادرة السلام ) الجديدة والنوعية لحزب العمال الكوردستاني في كوردستان شمالا وما رافقتها من استقبال جماهيري حاشد لتلك الوفود التي قصدتها حزب العمال حمائما حرّة تفتح طريق الحوار السلمي,ولو انها ليست المبادرة الاولى لهذا الحزب ولكن الجديد هو ظهور بوادر ارادة خجولة للدولة التركية وحزب العدالة والتنمية بالتقدم بخطوات وئيدة مترددة نحو الحل السلمي الديمقراطي للقضية الكوردية في تركيا بعيدا عن قعقعة السلاح واسالة الدماء وذرف الدموع , ولو ان الدولة التركية حاولت تصوير تلك المباردة الشجاعةامام وسائل الاعلام على الاقل بانها كانت انهيارا واستسلاما لمقاتلين ومقاتلات ولكن الحقيقة الناصعة تقول ان لا وجود لمثل هذه الافتراضات في قواميس نضال وناموس حياة هؤلاء المقاتلين والمقاتلات الذين طالما فضلوا الانتحار باخر طلقة على الاستسلام للعدو الفاشي .
ثانيا :ظاهرة حركة التغيير في كوردستان جنوبا والتي تعتبر بحد ذاتها اكبر تحدي واجهتها هيمنة الحزبين التقليدين اللذين تصورا بانهما باتفاقهما الاستراتيجي( المصلحي) و الذي اصبح بديلا للعداء التقليدي, كفيل بفرض السيطرة المشتركة على مقدرات وموارد ومقدرات وقدر كوردستان وشعبه, وليست مصادفة ان يتصدر هاتين الحدثين اثنان من ابرز قادة الحركة التحررية الكوردية في النصف قرن الماضية ومن الذين كانوا دوما مثارا للجدل والاخذ والرد على مختلف المستويات الكوردستانية والاقليمية والدولية حتى ,انهما (عبد الله اوجلان)و(نوشيروان مصطفى) , حيث ان الاول قد تزعم ولا يزال الى حد بعيد واحدا من اكبر الاحزاب الكوردستانية(حزب العمال الكوردستاني) الذي آل على نفسه ان يقارع قلعة الظلم والتعسف والاضطهاد الا وهي الدولة التركية وريثة الامبراطورية العثمانية المقبورة وحاملة لواء الحركة الطورانية العنصرية التي باتت اطروحاتها خارج الزمان والعصر لتخلفها وشوفينيتها , والثاني يعتبر من ابرز المؤسسين للاتحاد الوطني الكوردستاني بعد انهيار الحركة الكوردية المسلحة اثر اتفاقية الجزائر المشؤومة بين المقبورين شاه ايران وصدام حسين ,ولكنه رغم دوره البارز في الحركة الجديدة آنذاك سياسيا وعسكريا , الا انه فضل البقاء في الصف القيادي الثاني ومواقفه معروفة في معارضة الكثير من التوجهات الخاطئة لقيادة جلال الطالباني للحركة, الا انه لم يستطع تفجير ذلك الصراع في حينه لعدم ملائمة الظروف ولكونه كان سيؤدي الى تناحرات مسلحة وتشذرم اكثر مما هو موجود ,ولكنه بالرغم من سكوته وصمته احيانا , استطاع ان يحافظ على نظافة يده وسلوكه المتزن واخلاقياته العالية رغم كل الاغراءات والفرص المتاحة له اكثر من اي شخص اخر من القيادات المعروفة التي انجرفت مع تيار الفساد , وذلك هو السر الكامن وراء عجز قيادة الاتحاد الوطني الحالى وامينه العام جلال الطالباني المعروف براغماتيته و بتزمته ومراوغاته وسلاطة لسانه ان تكيل له اية تهمة اخلاقية او مالية .

ليس من قبيل الصدفة ان تجتمع في القياديان (اوجلان ونوشيروان ) الكثير من الصفات والخصال و ملامح التاريخ النضالي المشترك بشكل يؤشر ايضا المراحل المشتركة والشبه متطابقة احيانا للحركتين اللتين تزعماهما او نشئا فيهما رغم الفارق الكبير في ظروف وملابسات بل حتى ونوعية القوى والحكومات التي تتحكم في اجزاء كوردستان الاربعة , خاصة في جزئيه الشمالي والجنوبي , وذلك لان اهداف الحركة الكوردية في كل اجزائها تكاد تكون متشابهة في السعي لتحقيق الحرية وتأمين الكرامة الانسانية لشعب من ثاني اكبر شعوب المنطقة المحروم لغاية يومنا هذا من ابسط حقوقه, اضافة الى التقارب الفكري والحضاري والتاريخي والنفسي للشعب الكوردي المجزء والمقسم ضمن الدول التي يعيش فيها اليوم ,ان اهم تلك المضامين المشتركة التي تجمع التاريخ النضالي لهاتين القائدين (رغم وجود اختلافات ايضا بينهما ساتي الى ذكرها لاحقا) هي:
أ: ان القائدين قد انحدرا من احزاب يسارية الميول وماركسية الاطروحات , وتلك كانت من الظواهر الشائعة في اغلب الحركات التحررية في بلدان العالم الثالث في الستينيات من القرن الماضي والسنون التي تلتها ,ولاشك ان الصراع الدائر آنذاك بين المعسكرين الشرقي والغربي وما بينهما قد أثّرا على تلك الحركات بشكل او بآخر فكان النضال ضد الامبريالية الامريكية واسرائيل احد(شروط وهوية ) تلك الحركات !!!, فالقائد (عبد الله اوجلان ) والذي كان يترأس رابطة الطلبة الاكراد في كلية العلوم السياسية جامعة انقرة ساهم مع مجموعة من رفاقه من خريجي عام 1978 م بتأسيس حزب العمال الكوردي , ولا شك انه قد تأثر في بداية عمله السياسي باليسار التركي واتخذ من الفكر الماوي ايدلوجية سياسية له ومن ثم عمل بشكل اكبر مع فصائل المقاومة الفلسطينية ,اليسارية منها خصوصا (الجبهتين الشعبية والديمقراطية ) اثناء انتقاله الى سوريا ومن ثم الى لبنان وتلقى هو ورفاقه تدريبات عسكرية في سهل البقاع , وحتى وصل بهم الامر في المشاركة الفعلية في العمل الفدائي و استشهد عددا منهم في ما عرف بملحمة (قلعة شقيف) في لبنان في حزيران عام 1982 ,وربما كان هذا وراء العداء الذي يحمله اسرائيل لحزب العمال الكوردستاني والذي ادى ايضا الى ان يدرج هذا الحزب ضمن الحركات الارهابية في العالم وان يساهم الموساد الاسرائيلي وبشكل فعال في اعتقال القائد اوجلان في نايروبي عام 1998.
اما نوشيروان مصطفى فقد فقد ساهم ايضا في الحركة الطلابية الكوردستانية ومن ثم كان من احد مؤسسي تنظيم عصبة الماركسيين اللينينين الذي تأسس عام 1970 بعد صدور بيان الحادي عشر من آذار وحل الحزب الثوري الكوردستاني الذي كان يتزعمه السيد جلال الطالباني نفسه وانضمامه الى الحزب الديمقراطي الكوردستاني ,وقد لاقى تنظيم العصبة رواجا بين المثقفين من جناح الطالباني بالاخص ولو انه كان يعمل بصورة سرية وهادئة بدون ضجيج وكان يقوده بشكل رئيسي الشهيد (شهاب الشيخ نوري) وكان التنظيم يستند بشكل رئيسي في اطروحاته وتحليلاته السياسية على فكر (ماوتس تونغ ) وبالاخص في ميدان تكتيكات حرب العصابات كما كان هناك علاقة قوية بين هذا التنظيم والتنظيمات الفلسطينية مثل الجبهة الشعبية وكان مؤلفات الكاتب الفلسطيني (منير شفيق) احدى اهم المواد التثقيفية في التنظيم وخاصة فيما يخص اطروحاته (آنذاك) حول الحرب الشعبية وتأسيس الحزب الطليعي وذلك قبل ارتداده عن اليسارية والماركسية ولبسه لبوس الدين حاله حال عدد من الماركسيين العرب والكورد في نهاية السبعينات من القرن الماضي , وفي ذلك الاثناء قرر السيد نوشيروان التوجه الى النمسا لتكملة الدراسة في جامعة فينا لنيل شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية , وحينما انهارت الحركة الكوردية المسلحة التي كان يتزعمها المرحوم الملا مصطفى البرزاني اثر توقيع اتفاقية الجزائر المشؤومة والسيئة الصيت .فقد فضل ترك مقاعد الدراسة والتوجه الى سوريا للمشاركة في تأسيس التنظيم الجديد الذي تم اعلانه في دمشق من قبل السيد جلال الطالباني وعدد من القياديين الكورد تحت اسم (الاتحاد الوطني الكوردستاني)في الاول من حزيران عام 1975 اي بعد حوالي ثلاثة اشهر من اتفاقية الجزائر , ومن ثم قرر التوجه الى جبال كوردستان لبدء النضال الحقيقي مع شعب كوردستان ضد النظام الصدامي الجائر .
ب: تبني اسلوب الكفاح المسلح:

صفوت جلال الجباري