الرئيسية » مقالات » المصارحة والمصالحة بين مكونات المجتمع العراقي…

المصارحة والمصالحة بين مكونات المجتمع العراقي…

في غرفة البرلمان العراقي على البالتاك ’ كان مقترحاً ( مبادرة ) ان يجري حواراً ودياً بين عربي وكوردي وبمشاركـة الحاضرين وكان عنوان الحوار المفترض ( المصارحـة والمصالحـة ) بين مكونان المجتمع العراقي وخاصـة بين العرب والكورد بغيـة اعادة الروح الى الثقـة التي اشبعهـا سؤ الفهم موتـاً ’ هذا مـن اجل مشاركة الجمهور في حلحلة الأشكالات ومعالجتها خارج اطـر المساومات والتوافقات والتحاصصات المسيجة بالغموض التام ’ وقـد خرج الموضوع مـع الأسف عن سياقـة واجل بتأثير الأوضاع النفسيـة المتشنجـة والمضغوطة بحمى التصعيد غير المنضبط ’ لهذا وجدت
من الأفضل طرح وجهة نظري بهذا الخصوص املاً في ان يثار مثل هكذا مواضيع اعلامياً .
انعدام الثقة والخوف مـن الآخر هو ما يميز العلاقات التاريخية بين مكونات المجتمع العراقي خاصة بين العرب والكورد والتركمان على الصعيد القومي والمسلمين وغير المسلمين على الصعيد الديني وبين الشيعي والسني على الصعيد الطائفي ’ حيث اتسع مأزق الريبة والشك ’ فـتـن دموية في اكثر الأحيان فالجميع لا يثق في الجميع ولكل اسبابـه التاريخيـة ويضاف اليها لتصبح مشحونة بمـا لا تحمـد عقباه .
مـن يمارس تلك اللعبـة الشريرة … والمنتفعين منهـا … ومن هم ضحاياها … ؟ .
نعلم فقط ’ لو زار عربي صديقاً كوردياً لأستقبلـه بالود والمحبـة والكرم ’ وهذا يحصل تماماً بين الكوردي والتركماني وكذلك بين الشيعي والسني ’ اما اذا تجاورا ’ فلم تتأخر علاقات النسب عـن ان تغرس جذورها العائليـة ’ اما العلاقات التاريخيـة بين معتنقي الأديان والمذاهب والمعتقدات المختلفـة ’ فلم نرى شائبـة في العلاقات الشعبيـة ’ اذن مـن يلعب مسرحيـة الأحقاد والكراهيـة والفتنـة الملعونة ويعمم الخوف … ؟ اقولها وليقبهـا او يرفضهـا مـن يريـد ’ انهـا القيادات الطائفيـة والقوميـة التي استغفلت واستباحت الواقع العراقي وحاصرتـه في
زاويـة مصالحها الضيقـة بعد ان اختلست الوعي وصادرت ارادة الملايين ’ انها حالـة تطفـل تاريخيـة على حاضر ومستقبل الناس والوطن ’ قوى تمسك بذيول بعضهـا وتدور سحقاً على اضلاع اهداف وقضايا المكونات العراقيـة ’ انها لا ترغب ان تطمأن المكونات العراقيـة لبعضها ولا تشعر ان هناك ثمـة اسباب ومبررات للأختفاء تحت عباءة القائد والمنقذ الظرورة ’ فحقيقـة الجميع مشوهـة والواقع المشترك فقد بوصلـتـه ’ العربي يختزل الحقوق المشروعـة لشقيقـه الكوردي بمفردة ( الأنفصال ) وما يترتب عليهـا مـن تشويهات تعلمها داخل ثكنـة سيده المنقـذ دون ان يتفهـم
دوافعهـا وابعادها ’ الكوردي مـن جانبـه يختزل براءة وبساطـة الملايين مـن اشقاءه العرب بشوفينيـة وعنصريـة المنقذ ايضاً ’ مـن دون ان يتفهم واقعهم الماساوي حياتياً ووعيـاً وروحياً ونفسياً ’ فكلا الشقيقين لا يدركان اسباب ودوافع وابعاد مواقفهمـا السلبيـة مـن بعضهمـا ولا حالـة التشظـي والتمزق والأنهاك التي تعيشهـا المكونات الأخرى بسبب عبثيـة مآزق الأثنين مـع انهما مسحوقين تحت ثقل ضغوطات القيادات العشائريـة والحزبيـة التي تملك وحدها كل مصادر الثروة والجاه والسلطـة ومجمل مفاتيـح الأبواب التي يمكن للأنسان ان يتنفس عبرهـا
شيئاً مقبولاً مـن اسباب الحياة التي توفر لـه البقـاء ادميـاً .
الشعب الكوردي وجد نفسـه ضحيـة مؤامرة دوليـة اقليميـة قذرة ’ مجزاءً الى اربعـة كيانات تفتقر الى ابسط حقوق المواطنـة والأنتمـاء والمعنى وعلى امتداد تاريخـه رفض بشجاعـة افرازات تلك المؤامرة وقـدم مـن اجل حرياتـه وكرامتـه ومستقبل اجيالـه ملايين الضحايا ’ يريد فقط ان يجمع اوصالـة في كيان يشعره بأنـه شعب مثل غيره جدير ان يعبر عـن ذاته كوردياً لـه دولتـه ومؤسساتـه وانجازاتـه وهويتـه وخصوصياتـه وكذلك دوره في اعادة سلـم المنطقـة وأمنهـا وتطورهـا وازدهارهـا ’ انـه في تاريخ نضالـه لـم يكن يوماً عدوانياً ولم يتجاوز قيم وتقاليـد
الدفاع المشروع عـن النفس ’ تلك الحقيقـة كان ينبغي على دول المنطقـة ان تدركهـا وتساعد الشعب الكوردي وشعوبها ايضاً على تجنب طريق الألام عبر احترام الحق والعدل والمساواة واتباع المنطق والأنصاف في معالجـة الأشكاليات مصارحـة ومصالحـة .
اسئلة كثيرة يجب مواجهتها بجدية وشجاعة اذا ما اردنا النظر الى مستقبل القضيـة الكورديـة واحترامها كحقيقـة مترابطـة مـع الحقائق التاريخيـة والحضاريـة والجغرافيـة لشعوب المنطقـة .
هـل ان جميع الحلول جاهزة في سلة واحدة فقط يمكن اختيار افضلهـا … وهل بالأمكان القفز بيسر على كل تلك التراكمات التاريخيـة المؤذيـة … ثـم مـن هذا الذي سيقفز مؤهلاً الى صدارة القضيـة وتمثيلهـا والدفاع عنهـا وانجازها … حزباً ام عشيرة ام رموزاً متبقيـة مـن ازمنـة الكفاح المسلـح المدعوم مـن اصحاب النوايا المختلفـة ثم اي طريق آمـن ستسلكـه تلك القضيـة … ؟
طريق التصعيد والتراجـع وارباك الموقف الشعبي والردح داخل مربع التحالفات التاكتيكيـة وحسابات الربح والخسارة في خطوة الى الأمام يتبعها تراجع الى الخلف والرهان على الأقوياء كلعبة اليانصيب ..؟ ام اتباع طريق الديموقراطيـة فكراً وممارسـة وصبراً ومثابرة لأعادة تهذيب وعي وبصيرة شعوب المنطقة ومساعدتهـا على نهـج الأنصاف والموضوعيـة لحـل اشكالياتهـا سلميـاً … ؟
هنـا تصطدم القضيـة الكورديـة في مآزقهـا التاريخي ’ حيث وضعت مـن جديد على طاولـة الحلول القوميـة المرتبطة مباشرة بحسن النوايا للآخرين ’ وكم مـرة وجدت نفسهـا ضحيـة لذات اللعب القديمـة ’ فليس للحلول القوميـة مخرجاً غير تكرار الأنتكاسات المحتملـة دائمـاً ’ فالبطل القومي المفترض لا يمكن لـه في الوضع المحلي والأقليمي والدولي الراهـن ان يولـد مـن رحـم الملايين الكادحـة ( الأصحاب الحقيقيين للقضيـة ) ’ بـل يرشحـه تاريخ وواقـع وشروط العشيرة والحزب وتشابك العلاقات والمصالـح غير المرئيـة داخلياً واقليميـاً ودوليـاً وكذلك القوى
المستفيدة مـن نفوذه وسطوتـه ومميزاتـه وطموحاتـه .
القضيـة الكورديـة تقف الآن مرتبكة في محطتهـا العراقيـة وهي على مفترق الطرق ’ وبغض النظر عـن النوايا فهناك مـن يدفع بها في طريق ( اما كـل شي ..او لا شـي .. وليكن مـا يكن . ) قبل ان يصطدم بيقضة الجماهير الكوردية فيجد نفسـه خارج التاريخ ’ وهناك مـن يحاول ان يتفهم الواقع ويخطو خطوات تجنب القضيـة التقهقر الى الخلف ’ ويحاول وبحذر مقبول ان يرفعهـا عـن طاولـة المعالجات والمساومات القوميـة ليعيد طرحهـا على طاولـة الحلول الديموقراطية والمثابرة الواعية لأستعادة الحق الكوردي’ يقابل ذلك وعلى الصعيد العراقي بالذات هناك تفهمـاً ( رغم تأخره )
للقضيـة الكورديـة ’ وهناك افاق محليـة واقليميـة ودوليـة ابتداءت تنزع عنهـا العار التاريخي لجريمـة تقسيم الكيان الكوردي وابتلاع اجزاءه .
اكرر : على انه هناك في الواقع العراقي قوى منصفة اخذت تزيل عنها اتربة واوحال الفكر الشوفيني العنصري وهناك ايضاً حالـة وعي يستعيد فيها الشارع العراقي ذاتـه المسروقـة قومياً وطائفيـاً ليتعامل وطنياً مـع ذاتـه والآخر بروح المصارحـة والمصالحـة ’ لكن في الشارع الكوردستاني لم تنضج بعـد او تأخرت تلك القوى التي تحسن التعامل مع تلك الظاهرة الأصيلة وتركتها احياناً فريسـة للقوى التي ينبغي ان تنقرض وتختفي عـن الواقع العراقي والمنطقـة .
ان ايـة انتكاسـة تتعرض الها التجربـة الكوردستانيـة في العراق ’ ستكون ردة موجعـة لمجمـل القضيـة الكوردية وكذلك العراقيـة ’ لهذا ومـن الخطأ الفادح وضعها على طاولـة المصالح الفئويـة والحزبيـة والعشائريـة ’ وعلى جماهير المكون العربي ان لا تخدع نفسها وتتوهم على ان مصالحها وحقوقها ومستقبل اجيالها يأتي على حساب معانـاة الشعب الكوردي والمكونات الأخرى ’ وهنا على الجميع دون استثناء ’ ان يتسلحوا جيداً وعياً وقناعة وارادة بالثقافـة الوطنيـة المشتركـة ومباديء المصارحـة والمصالحة الأخويتين وبذل الجهد التضامني لأيجاد الحلول التي
تأخذ بيد الجميع نحو المستقبل الأنساني الآمـن .
ليس هنا بصدد تجاهل او محاولـة الغاء دور الوعي القومي والديني في حركات التحرر والديموقراطيـة عبر الأنعتاق مـن قيود ومظالم الأضطهاد التي تخضع لها بعض الشعوب ودور النخب والطليعـة في ذلك النضال التحرري المشروع ’ لكن ليس مـن الممكن الجمع بين اهداف التحرر والنزعـة الذاتيـة للأضطهاد الأجتماعي ومحاولـة اعتصار بسالـة وتضحيات الشعوب الى مكاسب وامتيازات فئويـة وحزبيـة وعشائريـة ’ حتى وليس ممكناً الثقـة بالقوى والقيادات التي تمارس الأضطهاد والأستعباد الأجتماعي لشعوبهـا او محاولـة الغاء دورها المباشر وافراغها من روح المبادرة
البناءة ـــ كل شـئ مـن القائد واليـه ـــ ان محاولة اختزال معاناة الجماهير مكاسباً وامتيازات يلغي نهائياً كل ادعاءات الطليعة او القيادة تصدر عمليـة النضال القومي والوطني ’ فالشعوب المغدورة داخلياً لا يمكن لها ان تكون ايجابيـة حتى في الدفاع عن نفسها ’ تلك الحقيقـة يجب ان لا تغيب عـن بالنـا وليس من الحكمة والأخلاق تجاهلهـا او تغطيتهـا تحت مفهوم تسلسل المراحل والحفاظ على وحدة المصير تحت خيمـة القائد الظرورة اوتجنب شماتـة الأعداء ’ انهـا كذبـة كبـرى مكلفـة فوق العادة ومـن الخطأ الفادح مساومتهـا .
05 / 11 / 2009