الرئيسية » مقالات » ثقافة الغايات التي لا يمكن إدراكها

ثقافة الغايات التي لا يمكن إدراكها

لقد بات الفارق الحضاري بين المجتمع العربي والمجتمع الغربي واسع الهوة , لذلك فان عقد المقارنة بينهما لم يعد امرأ منطقيا , ولكن قلة من المتنورين العرب يعطون الحق لأنفسهم , لمقارنة مجتمعاتهم مع المجتمعات الناهضة , والسائرة بقفزات اعجازية بغية اللحاق بمجتمعات الدرجة الأولى .
أنهم يسالون, لماذا نجحت مجتمعات فتية في تخطي عتبة التخلف , ولماذا تركت خلفها منهجيات القوة والعنف ،، الدكتاتورية , الشمولية , الإرهاب ،، المدمرة لكينونة الإنسان , ولماذا عبرت خط التشكيلة الاجتماعية – الاقتصادية البدائية إلى تشكيلة عصرية نامية, قوامها مجتمع واقتصاد مخطط لهما علميا , ولماذا دخلت عملية تنمية مستدامة وشاملة ,بإمكانيات متواضعة في الثروات الطبيعية والخيرات المادية وخبرة بشرية معدودة , لترفع من إنتاجية اقتصادها كما ونوعا وتوظف إيراداته في رفع مستوى حياة ومعشية سكانها , ولماذا أقامت حكومات رشيدة عرفت كيف تؤسس علاقات تعاونية مع باقي الدول لمنفعة أوطانها وشعوبها , بعيدا عن التشنجات الإيديولوجية , لتتخلص من الصراعات العسكرية والسياسية , حتى تتفرغ للبناء والأعمار التنموي , وبالمقابل لماذا يكون الوضع عكس ذلك في العالم العربي , أيكون الخلل في المؤسسات الفوقية أم في بنية ثقافة المجتمعات العربية.
إذا كانت الثقافة ليست مجرد مصطلح ,أو مفهوم ستاتيكي يدل على منتوج جاهز , بل مركبا متجددا ومعقدا وحيويا ومتفاعلا , يعكس فلسفة المجتمع لظواهر الحياة والطبيعة والكون , و قيمة مادية ومعنوية كنتاج لجهد الإنسان العقلي والعاطفي والعضلي, تحمل ملامحه وصفاته , وتتضمن تجاربه الصحيحة والخاطئة, الحسنة والسيئة , وكخلاصة لحياة المجتمع وليست نص غيبي مرتل ,فإنها خاضعة للمراجعة والتقييم ,فلماذا يتشنج بعض المثقفين العرب , أمام المطالبة بإعادة نقد وتقييم الثقافة العربية , بغية تأهيلها كي تكون منسجمة مع روح العصر, لتنال موقع مناسب بين الثقافات الأخرى , أن الثقافة بما تعني من أنماط تفكير ومعتقدات وقناعات , وقيم أخلاقية واجتماعية ودينية , وما تشمل من اطر سياسية واقتصادية وعلمية , وكل ما يتعلق بصيرورة حياة المجتمع, هي التي تقود إلى التغيرات, وما لم تتغير ثقافة المجتمع , فلن يكون قادرا على تغيير جوانب حياته المادية , والمجتمع العربي أحوج إلى التغيير, ولهذا يجب تغيير ثقافته أولا .
إن إعادة تقييم الثقافة العربية ليست تسلية فكرية, ولا بذخ علمي , بل هي ضرورة تفرضها الأزمة الشاملة والمركبة والمزمنة والمستعصية والمستفحلة ,التي تعانيها المنظومة العربية , حيث التردي والانحطاط على كافة الصعد , يحاول البعض تحميل المسؤولية إلى الحاكم العربي باعتباره النموذج الأسوأ بين حكام العالم , ولكن ليس من العدل أن نحمله المسؤولية كاملة , فالانهيار العربي لا يرجع فقط إلى السياسات الجهنمية للحكومات العربية , بل هناك عوامل موضوعية – جوهرية – بنيوية , موجودة في الثقافة العربية , هي التي أوصلت المنظومة العربية إلى الدرك الأسفل .
فإذا تم استقراء الثقافة العربية بهذا المفهوم الشامل , سنجد بأنها هي التي أنتجت النظام العربي الرسمي , وليس كما هو الاعتقاد الشائع بان النظام العربي هو الذي أنتج هذه الثقافة الوعرة ,طبعا هذا لا ينفي بان الفئات الحاكمة تجد من مصلحتها تبني هذه الثقافة وتشجيعها وتنميتها , ما يضمن لها استمرار سلطتها دون تقديم أية التزامات تجاه دولها وشعوبها , فالنظام العربي وجد ثقافة تخدمه مجانا فلماذا لا يشجعها ويكرس معطياتها , و النتيجة أن الثقافة العربية تنجب صنفا غريبا من الحكومات القذرة ,التي تجد في هذه الثقافة بيئة مناسبة لنموها وبقائها, فتقوم بالمحافظة عليها , ولهذا بات من الضروري وضع الثقافة العربية في قفص الاتهام , واستنطاقها لتجيب على بعض الاستفسارات المطروحة بإلحاح في هذه الآونة, ولم يعد التهرب منها مجديا .
انه لشيء محير أن يتجه العالم بما فيه دول الجنوب نحو صيغ أخرى من أنظمة الحكم غير الدكتاتورية – التوتاليتارية التي تكاد تنقرض, لتقترب من تجارب سابقة أو مبتكرة في التحول الديمقراطي , واعتماد الشرعية في تداول السلطة ,بدلا من احتكارها بالقوة, بعكس الحكومات العربية, رغم تنوع أشكالها ومسمياتها , ما بين ثوروية , اسلاموية , قوموية , فإنها كلها تبقى حكومات غير شرعية , تحتكر السلطة بوسائل غير دستورية , فالبلدان العربية تحتل المرتبة الأولى عالميا في عدد ضحايا النظام الحاكم من السجناء والقتلى السياسيين , الذين يتم إبادتهم فقط لأنهم من المعارضة , والاستثناء الوحيد هو لبنان بديمقراطيته المتعثرة , بفعل مساهمة المنظومة العربية في زعزعة أمنه واستقراره حتى لا تتبلور تجربته الديمقراطية , لإجباره على دخول حظيرة النظام الاستبدادي – الشمولي .
أن الديمقراطية هي قاعدة العصر الجديد ,التي يرتكز عليها المجتمع البشري لتدعيم أساساته , والاستبداد هو الشواذ الذي ينتهجه العرب في الانزلاق إلى الهاوية , فهل المسؤولية تقع على الحاكم العربي , أم على الثقافة العربية , قد يعتقد للوهلة الأولى بان النظام العربي هو المسئول باعتباره الجهة الوحيدة المسيطرة على المجتمع والمتحكمة في توجهاته , ولكن يجب أن لا ننسى بأن الثقافة العربية هي أم هذا النظام , ولو لم تتقبل العقلية العربية نظام الحكم الفردي , ما كانت تسمح باستمراره في السلطة , عقب حدوث المتغيرات الدولية , التي تركت هكذا نظام كمستحاثة من مرحلة انتهت , ففي الوقت الذي تلاحق الشعوب الدكتاتوريين وتطيح بسلطتهم ,فأن الإنسان العربي المتعلم قبل الأمي والمثقف قبل الجاهل والنخبوي قبل العامي , يخرج للهتاف بالأبدية للرمز الأكثر تعطشا للعنف وسفك الدماء , والرمز الأكثر طغيانا , رغم إدراكه بأنه يهتف لجزار قذر , فما الذي يجعل المجتمع العربي متهافتا على دعاة العنف والدكتاتوريين , انه ليس الخوف ولا القمع , بل لأن العنف و الاستبداد متوافقان مع العقلية العامة للمجتمعات العربية , أن المواطن العربي لا يجد حاجة إلى الديمقراطية حتى ينزع إليها , ففي المناخ العالمي الموائم للتغيير , ظهرت ثورات برتقالية و مخملية كثيرة , ها هي الشعوب الإيرانية بعد إدراكها أن حكومة الملالي وعصابات الولي الفقيه , لم تعد مناسبة لسياسة الدولة والمجتمع في القرن 21 , تنهض بثورتها للتخلص من حكومة المستحاثات , حتى ينقذوا بلادهم من سرداب العصور الوسطى , فهل شهدنا ثورة ملونة في أي بلد عربي , أليس هذا دليل على وجود عطل عميق في العقلية العربية .
أن الثقافة العربية, مقارنة بالدوائر الثقافية الأخرى , هي الأكثر تأثرا بالغيبيات والعدمية , والمفاهيم المطلقة , فالغيب هو الطاقة والمحرك والمنظم , لكل شاردة وواردة في حياة المجتمع العربي , وهو الغاية اللانهائية لكل فعل ذهني أو عضلي , من اجلها كل وسائل ميكافللي مشروعة , وهو الحكم الفصل في بناء المواقف من مختلف القضايا , فرسالة الثقافة العربية هي خدمة الغيب , والوسيلة الأوفر والأرخص لأداء الخدمة هو الإنسان , وهذا يجعلنا نتساءل هل هناك حقا مسحة إنسانية في الثقافة العربية , إذا كان الإنسان خارج اهتماماتها كليا , بعكس الثقافات الغربية والشرقية , التي تسخر الغيب ذاته والطبيعة والكون كوسائل من اجل رفاهية الإنسان وسعادته , فالثقافة العالمية المعاصرة تعتبر الإنسان غايتها النهائية , بينما الثقافة العربية تحول الإنسان إلى عبد لغاية لا تدرك , و أسيرا لأزليات ماورائية , تحيل حياته إلى جحيم , ولكنه يرضى به, وهذا ما لا يمكن تفسيره , أن الغلو في العبودية للغيب , جعل الثقافة العربية تنحرف إلى مسالك بالغة الوعورة , حتى تعدت الغيب إلى العدمية , ليدفعها التعصب للغيب إلى التناقض معه , وهذه جدلية عسيرة , لا يتسع مقال متواضع لشرحها , أنما يكفي القول , أن الثقافة العربية في غيبها الديني , تجاوزت حدود التدين والعبادة والاعتدال وأصول الشريعة , إلى التزمت والتطرف في تفسير النص الديني وتضمينه ما لا يتضمن , والتعدي عليه باجتهادات تراجعية مميتة , تسلب الإنسان تلك الجزيئات البسيطة من حريته الشخصية التي ما زال يحتفظ بها بأعجوبة , ها نحن نجد مأساة الصحفية السودانية لبنى أحمد حسين ,لمجرد ممارسة حريتها الفردية في ارتداء بنطال , ثارت الأمة وأقامت عليها الحد , وكأنها ارتكبت الكبائر ,ولو لم يكن المزاج الشعبوي العام موافقا على هذه الممارسات ما كانت مرجعية دينية أو حكومية تجرأ على إدانتها, بل المرجعيات تلجأ إلى هذه الممارسات تزلفا إلى المزاج الشعبي ,هذه هي معطيات ثقافة الغيب فلما الاستغراب .
لم يعد التدين في المجتمع العربي مجرد حريات دينية اعتيادية يحق للإنسان ممارستها , بل تحول إلى إيديولوجية سوداوية , أطاحت حتى بالشريعة الإسلامية ,و لو أردنا فلسفة الدين , سنجده ليس غاية, فالله من القوة والحكمة , ما يجعله بغير حاجة إلى البشر , وحين انزل الأوامر والنواهي ,فانه لم يفعل لحاجته إلى طاعة الناس له , بل أراد عبر الطقوس الدينية أن يذكر الناس بوجود اله يراقبهم , ليخافوه أو يهابوه أو يحبوه , فيكون وازعا روحيا يمنعهم من التعدي على بعضهم بعضا , فالتشريعات السماوية لم تنزل لحفظ حقوق الله لأنها محفوظة بذاتها , بل نزلت لحفظ حقوق الناس , وأننا نجد التشريع الإسلامي – مع تحفظنا على كل ما هو ديني – عقد اجتماعي قريب الشبه إلى التشريعات الوضعية , وهذا يؤكد أن الشرع نزل من اجل تنظيم العلاقات بين سكان الأرض, وليس لترتيب العلاقة بين الشياطين والملائكة والآلهة من سكان السماء ,فالغاية النهائية التي أرادها الله من الدين , هي وضع الشريعة في خدمة الإنسان بإيجاد مجتمع عادل , متسامح , آمن , يمنع ظلم الناس لبعضهم بعضا , و الذي حدث أن الثقافة العربية قلبت الآية , و حولت الدين بجوانبه الدنيوية والأخروية إلى غاية مطلقة مكرسة لخدمة الغيب , فإذا كان الله يضع الإسلام في خدمة البشر , فأن العقلية العربية تضع الإنسان في خدمة الغيب , هذا الفهم العربي الخاطئ للدين يولد النزعات العنيفة والمتشددة عقائديا وسياسيا و ميدانيا ,ويبقي المجتمعات العربية خارج الأزمنة الحديثة , وان كانت عضويا تتواجد في القرن 21 م , والمحزن أن الإنسان العربي يكون الضحية الأولى والخاسر الأكبر, لهذه المعتقدات العجائبية , التي لا يقتصر الإيمان بها على الجهلة والظلاميين, بل أن كبار منظريها هم صفوة المثقفين والانتلجنسيا العرب .
لقد انعكست نظرة الثقافة العربية إلى الغيب الديني كغاية مطلقة غير قابلة للجدل , على المسألة القومية,ليجدوا العروبة أيضا ,غيب قومي , وغاية أخرى مطلقة, فقد أدى التعصب الديني وتجذر قيم البداوة ,إلى صعود الفكر الشوفيني والنزعة العرقية , والتعالي الأجوف على بقية القوميات ,على أساس أن العرب ،، خير امة أخرجت للناس ،، هذه المقولة التي لا يقبلها منطق ولا يصدقها عقل ولا يدعمها واقع , تغذي الشوفينية بفاعلية كبيرة , حتى صدق السواد الأعظم من الشعوب العربية أنهم شعب الله المختار , فهل سأل احدهم على ماذا يكون شعب الله المختار , طالما هو يقف في الصف الأخير الأبعد عن الحضارة , أنهم لا يقيسون الأمور هكذا , بل يجدون في هذه المقولة امتياز الهي يخصهم , , دون أن ينتبهوا إلى أن واقعهم المزري لا يؤهلهم لتبؤ هذا المركز , فلو أعطي لهم حق الريادة على العالم لعادوا به القهقرى من الديمقراطية إلى الاستبداد , ومن التعددية إلى الشمولية , ومن الانفتاح والمسامحة إلى التزمت والانعزال , ومن العلم إلى الخرافة , ومن تعدد الأديان إلى الإسلام , من الاقتصاد العصري إلى الاقتصاد البدائي , ومن مجتمع الحضر إلى مجتمع البداوة , ومن دولة المواطنة إلى دولة العبيد , ومن تقديس الإنسان إلى احتقاره , ومن قيم التعاون والتواصل إلى الحروب والنزاعات , ومن القرية الكونية إلى القرية العرقية , ومهما كانت درجة تقدمهم أو تخلفهم الحضاري فان الامتياز يبقى ساري المفعول , وهذا ما يبقي العروبة في طور الشعور العرقي – الغريزي – البدائي القائم على رابطة الدم , فلم يسمح بعصرنة الفكر القومي في الثقافة العربية ,ليكون رابطة انتماء للأرض والوطن والدولة ,وليس للعرق والدم , ولهذا نتيجة الفهم الغيبي والضيق للفكر القومي , فقد عجز العرب حكاما ومحكومين رغم تعصبهم الشديد للعروبة عن تحقيق منجزا قوميا ,فالعقلية العربية لا تنظر إلى العامل القومي كوسيلة معنوية تجمع أبناء البلد الواحد على مصالح ومشتركات, تحقق لهم الازدهار المادي والقوة والمنعة , وترفع مستوى معيشة أبناء القومية ,لتكون العروبة وسيلة لخدمة الإنسان العربي , وليست غاية تلتهم مصائر أجيال وأجيال دون جدوى , أنها مشكلة الثقافات الغيبية , دائما تقلب الأمور رأسا على عقب , فتحول الوسيلة إلى غاية والغاية إلى وسيلة ,فالقومية وسيلة لخدمة الشعب , أي خدمة الإنسان , ولكن بالنسبة للعقلية العربية فأنها جعلت العروبة غاية مطلقة , وجعلت الإنسان وسيلة في خدمتها , ولهذا فأننا على صعيد الواقع لا نجد صدى للقومية العربية , إلا في الشعارات والمواقف الهشة , التي سرعان ما تتكسر أمام عواصف الصراع العربي – العربي , وها هي عدوى الصراع بين الحكومات الشقيقة , تنتقل إلى نزاعات بين الشعوب العربية حتى داخل البلد الواحد , في صور تطاحنات دامية دينية , مذهبية , قبيلة , عرقية , لا تبقي الانتماء للعروبة معنى .

أن المنظومة العربية, هي الوحيدة , التي تحافظ على مجموعة القيم السياسية والفكرية والثقافية , المنافية للعدالة والحرية والديمقراطية ,و السابقة لعصر الثورة الرقمية , , فالعالم العربي باستثناء القلة, غير منسجم مع الأفكار الجديدة , فهل يعقل أن يكون العالم بمجموعه على خطأ وهو متجها نحو ثقافة معولمة, ويكون العرب الذين يتقهقرون إلى ثقافة العزلة على صواب .
قد تحتج الأغلبية المتعصبة وتقول أن هذا التوصيف للحالة العربية مبالغ فيه , فالعرب موجودون في القرن 21 زمنيا وحضاريا , وهم يتعاطون مع العلوم والتكنولوجيا كمنجزات للحضارة الحديثة , ويدخلون أنماط من الحياة الجديدة إلى مجتمعاتهم المحلية , نعم هذا صحيح , ولكن رقي دائرة حضارية ما, لا يقاس بمدى تداولها المادي لمعطيات الحضارة الحديثة , بل بالكيفية التي يتم التداول بها , وبالنتائج المترتبة عليه, فقد نجد أكاديميا رفيع المستوى ,يتعاطى التكنيك الحديث ,فهل يكون متمدنا لمجرد حصوله على العلم والتكنولوجيا , وهو يسخر هذه الأدوات في تكريس السلفية – الأصولية , الدينية والعرقية والإيديولوجية , لمكافحة الفكر التنويري, بالتحريض على العنف المعنوي والجسدي, كم من النخب العربية يبررون جرائم الشرف بحق المرأة , كم يدعون إلى الفصل بين الجنسين , وإلزام المرأة بقيود تتجاوز حتى حدود الشريعة , كم يسخرون ثورة المعلومات لنشر الفكر الظلامي , كم أنت معرض للتصفية, إذا خالفت جارك في مسألة إباحة تناول المأكولات الصينية.
إن المعيار الصحيح لقياس تحضر المجتمع لا يكون باقتباسه منجزات العلم والتكنولوجيا ,بل في مدى تأثير الحضارة في ثقافته وأفكاره , فكلما كانت ثقافة المجتمع ثقافة علمانية, إنسانية ,منفتحة ,متنوعة ,متعددة الأنماط , ديمقراطية , كلما عرفنا انه قد انتفع من المضمون الفكري للحضارة الحديثة,وبدون ذلك يكون الاستفادة من التكنولوجيا ناقصا ومشوها , مثل المحاكاة الجوفاء لقشور أنماط الحياة في المجتمعات الراقية ,الحضارة أفكار وقناعات وثقافة وقيم , فهل العقلية العربية قادرة على تقبل تيارات الفكر العالمي الجديد ,و إذا كانت ترفض الأفكار المستوردة , فهل هي قادرة على إنتاج أفكار عصرية خاصة بها , والجواب أن العقل العربي لا يريد هذا ولا ذاك , لأنه ببساطة غير معني بعالم الإنسان بل هو مشغول بالغيبيات , ولهذا فان الثقافة العربية لا تمتلك الأدوات المعرفية لتحليل الظواهر المستجدة حول العالم , لتتخذ منها مسبقا دون دراسة أو تحليل موقفا معاديا , كما هو الموقف من المتغيرات الدولية والنظام العولمي الجديد , فالأغلبية العربية اعتبرت حدوثها مجرد مؤامرة امبريالية – صهيونية تستهدف العروبة والإسلام , هذا لان النظام العربي الرسمي الاستبدادي لا يتوافق مع عولمة الفكر الديمقراطي , ولان المجتمعات العربية ترفض عولمة الفكر الذي يمجد الإنسان وليس عالم الغيب , وفي واقع الأمر فان المتغيرات حدثت ليس تلبية لمشيئة المجتمع الغربي , ولكنها لم تكن محض مصادفة ,وإذا أردنا فهم كينونتها يجب العودة إلى نفس القوانين الموضوعية التي تحرك التاريخ دائما , والنظر إليها نظرة أوسع واشمل من منظور المصالح العربية الضيقة , فالمجتمع المتحضر نتيجة تسارع وتيرة تطوره, تتولد لديه حاجة مستمرة إلى التغيير , لتجاوز الآليات القديمة المادية والمعنوية والفكرية المعيقة لعملية التطور , بإيجاد آليات جديدة تستطيع الاستجابة لزخم التطورات الحاصلة , بغية انجاز الخيرات المادية, وتوظيف مردودها في الغاية النهائية للحضارة البشرية وهي رفاهية وسعادة الإنسان , قد تكون الوسيلة براغماتية مغالية أو منافية للقيم المثالية , ولكنها بموجب صيرورة المجتمعات المعاصرة أصبحت أمر واقعا , حيث ارتبطت سعادة الإنسان بقدرته على إنتاج السلع الزراعية والصناعية والنشاط التجاري , أي في الثورة البرجوازية – الصناعية , التي نقلت العالم إلى مرحلة تاريخية جديدة في ملامحها الفكرية والمادية , لتوفر البيئة المناسبة لتفجر طاقة الإنسان الخلاقة في إنتاج مزيدا من الأفكار والاكتشافات العلمية ومخترعات التقانة , كل هذه العناصر تفاعلت في علاقة جدلية , فأصبحت عاملا ونتيجة لبعضها البعض , وحدث تزاوج كبير بين المظاهر المادية والمظاهر الفكرية للحضارة الحديثة , إذ كلما تطور الفكر تطورت عمليات إنتاج الخيرات المادية والعكس صحيح , وقد أفضى ذلك إلى الفكر الحر في السياسة والاقتصاد لينعم الإنسان بفضاء رحب , ساعد على تسارع وتيرة التطور , فهل يخطئ المجتمع الغربي في سيره إلى التطور , بحق المجتمع العربي الذي يرفض قيم التطور , وإذا كان التفوق الحضاري للغرب يبيح له الريادة على العالم, وهذه قاعدة متبعة تاريخيا , فهل يعتدي على الحق العربي خاصة أن العرب لا يملكون البديل الحضاري لمنافسة الغرب في عولمة نموذجهم .
لقد أدت الثورات الصناعية والتطورات الاقتصادية إلى نشؤ علاقات دولية شديدة الترابط خاصة في ميادين المال والتجارة والإعمال , مما جعل مصالح الدول المتطورة تتجاوز حدودها الوطنية , حيث لا يمكن تصور حالة الاقتصاد الياباني دون اخذ الاقتصاد الأمريكي في عين الاعتبار , ولا يمكن عزل مؤثرات سوق الأوراق المالية في لندن عن نظيرتها في نيويورك , وقد رأينا كيف انتشرت أنفلونزا قطاع العقارات في أمريكا لتتحول إلى وباء أصاب اقتصاديات العالم كله ,نتيجة تشابك العلاقات الدولية أصبحت هناك حاجة إلى تغيير الآليات المتحكمة في الاقتصاد الدولي , فجاءت المتغيرات الدولية تعبيرا موضوعيا عن هذه الحاجة , وجاءت المفاهيم الجديدة التي تطرح فكرة القرية الكونية كحل ممكن لعجز الآليات القديمة عن الاستجابة لمتطلبات الاقتصاد الدولي , أي إزالة الحدود والقيود التي تحد من حرية تحرك الأموال والإعمال والتجارة ونقل التكنولوجيا وتبادل المعلومات , هذه الحرية الاقتصادية تلزمها حرية فكرية – سياسية تتمثل في الليبرالية والديمقراطية , إذ بدونهما لا يمكن الحلم بالقرية الكونية .
بقي العرب نتيجة متلازمات الجهل خارج هذه المعادلة , وحين تفاعلت عناصرها استنكر العرب ذلك , واستكثروا على الغرب عولمة نموذجه الحضاري , وتناسوا أنهم قبل ألف عام ساروا على نفس النهج الذي يسير عليه الغرب اليوم , فقد سيطرت الخلافة العربية الإسلامية على نصف العالم عسكريا وسياسيا , وتزعمت الاقتصاد العالمي القروسطي , واحتكرت الأسواق , وفرضت الدينار كعملة عالمية , ومن جانب آخر نشرت الإسلام واللغة الثقافة العربية , حيث يمكن القول أن العرب المسلمون كانوا الأسبق إلى النظام العولمي , فلماذا يبررون لأنفسهم هذا العمل ويعتبرونه رسالة حضارية – اعمارية , ولماذا يعادون الغرب ويسمون نظامه العولمي بأنه استعماري , لماذا يتعمدون عدم فهم حقيقة أن ثقافة المجتمع المتحضر تنتشر تلقائيا إلى خارج الحدود على قاعدة الضعيف يقلد القوي , وفي عالم اليوم فان الغرب هو الأقوى , ومن الطبيعي أن تتعولم حضارته , أنها المغالاة في التعصب للهوية الدينية والقومية , وربطها بغايات لا نهائية , التي تدفع العرب إلى طروحات غير منطقية ومطالب غير واقعية ,فمن وراء صراعهم مع العالم لا يريدون حل القضايا العربية العادلة ,بل يتطلعون إلى الريادة على العالم, وهذا يفسر انزياح العقل إلى الماورائيات والعوالم الأخروية, والتكاثر السرطاني لإيديولوجيات ،، التهديد والوعيد ،، العنف المنظم الذي تمارسه معظم الحكومات العربية أو تكلف التنظيمات المسلحة بممارسته , لأن عدم امتلاك المؤهلات الحضارية لمنافسة الآخر في العلوم والثقافة والتقانة والاقتصاد والأفكار , تدفع العرب إلى اختيار طريق الصدام , أيمانا منهم بان طريق العنف سوف ينتصر على العلم .
لقد عجز العقل العربي عن التعامل مع قضايا الواقع , ولهذا لم نجد طرح حقيقي للتعامل العقلاني مع العولمة ما يضمن الاستفادة من حسناتها وتجنب مساوئها , لان الثقافة العربية غير مؤمنة بأولويات الثقافة العالمية المعاصرة حول حقوق الإنسان والحريات والديمقراطية ومكافحة الجهل والتخلف والفقر والمرض, أنهم لا يريدون تحرير الإنسان من جهله وتخلفه حتى يبقى عبدا لغاياتهم الجهنمية في السيادة على العالم وفرض إيديولوجية الغيب المطلق على البشرية , أنها لمأساة أن يسعى بدوي لا يحظى بشربة ماء إلى القضاء على أمريكا دون أن يفكر بالذين يتركونه عرضة للعطش والجوع , والمصيبة انه لا يعرف لماذا يريد رأس أمريكا .