الرئيسية » مقالات » هدوء نسبي.. تغطية للعلاقات العاطفية

هدوء نسبي.. تغطية للعلاقات العاطفية

عندما أضاءت صواريخ حرب الخليج الثالثة سماء بغداد فَجْر الـ20 من آذار 2003، تراكضت عدسات المراسلين من كل حدب.. الحرب العسكرية لم تكن بمعزل عن ملازمتها الاعلامية، ومن رحمهما ولدت فكرة “هدوء نسبي” عبرعدسة التونسي شوقي الماجري، وذلك بعد قراءته اللوحة المرسومة بقلم خليفة..
إذ لم تكن محاولة الكاتب خالد خليفة في برهنة التعسف العسكري وظلم الاحتلال، إلا رغبة في إعادة دقائق الزمن التي حُرمت على المشاهد العربي، أو المهتم بالشؤون العربية، ولان الكاتب كما المخرج من بعده، يحلمان باعلام عربي من شأنه رصد الحروب المتوالية على المنطقة، سيما تلك التي حاولت تغيير الخريطة السياسية ولاتزال، ولمنحهما الصحافة العربية صورة مهنية أجمل من التي هي عليه، أرتكبا أخطاء لا تُبرر. وبدوافع لا تُفسر.
وبمعزل عن الخط الايديولوجي الذي رسمه الكاتب وترجمه المخرج، وبعيداً عن الاطار الذي نقل لنا أحداث الحرب والتي شغلت بطريقة تصويرية أقرب ما تكون الى السينما منها الى العدسة التلفزيونية، تعثر القائمون على العمل عبر إشكالية ربما أعتبروها “تحصيل حاصل” ما دامت غاية العمل هي توصيل حقيقة ما جرى على “حرب” الواقع..
العمل بدأ بانطلاق الصحفيين الى حيث ساحة الدماء، كما صورها المخرج – وهو ما حصل-، وكما نعلم،هؤلاء صحفيون، أي مهنيون، ولهذه المهنة حسابات يتوجب على المخرج مراعاتها، قواعد عليه اتباعها، علم عليه دراسته أو على الاقل الاستعانة بأهل الخبرة، وهو ما لم يأخذ بعين الحرص والتقدير.. والاحترام.
الصحافة علم وليست ايديولوجية، فعندما يبث أحد الصحفيين تقريره من الموقع بغض النظر عن الجهات المتصارعة، لا بد له من تزويد المتابع بما يدور في واقع الحدث بشكل مهني، لا بالبكاء والعويل، وهو ما حصل في “هدوء نسبي” حيث ينقل التقرير (الشبيه بخيمة عزاء، أكثر منه عمل صحفي)، الوقائع مجردة من روح الحدث، أي أنك لا تلبث أن تصور نفسك في برنامج حواري يقطعه صوت أحد المشاركين المتحيزين لقضية ما، أولجهة معينة، الأمر الذي يقتل روح الخبر، ويهدم القواعد المهنية الواجب اتباعها.. جميعنا شاهد تقارير قناتي الجزيرة والعربية، لكننا لم نلحظ دمعة لتبليل الشارع المنهار أو حتى تنهيدة لعكس الحالة.. فالحدث نُقل من خلال الشرح والتفنيد والتوسع بحقيقة ما جرى على الارض، الشارع رُصد عبر الصورة الحية.. فالمراسل لا ينهي تقريره باشارة من يديه دون احترامه لاسم الوسيلة او الجهة التي يمثلها، ثم ليس من حقه ان يملي علينا ما يشعر به أكثر من نقل المعلومات التي ربما أفادت المتابع لاتخاذ موقف أو إبداء رأي، أو حتى الخروج بنتيجة، فمهمته لا تتجاوز نقل الحقيقة.. لا نقل حالته هو.
ثم، ألا يعتبر تركيز المخرج على المراسلين العرب دون الاجانب، باستثناء الصحفية الفرنسية، أمراً مناقضاً لما جرى.. فمعظم ما حصلنا عليه من المعلومات كان مصدرها وكالات عالمية، وصحافة اجنبية.. بغض الطرف عن توجهاتها، وهنا يجب التركيز على نقطة مهمة، فقوة العمل المركز بكافة حيثياته على الحرب بعيون (عربية – عربية) يجعل العمل خالياً من الصراع الذي يستوجب ان يكون عليه.. صراع يعكس وجهات نظر الاخر، ألا يجدر بالمخرج أن يقدم أسبابه حول غياب الحوار الفكري بين الصحفيين العرب والاجانب الذين تم تغييبهم عن المعركة الاعلامية، والتي كانت حوارات، الآه، والبكاء، والحب، والغرام، سيدات الموقف في كل مشهد.. نحن لم نذهب مع تلك الكاميرات لنتابع الخلافات الغرامية أو نقيضها، بل لتفسير ما جرى في دفاع فكري من شأنه توضيح الدوافع الكامنة لهذه الحرب، أي(لماذا الحرب.. من المستفيد.. موقف الغرب “حكومة وشعب”.. موقف حقوق الإنسان.. موقف الصحفيين الأجانب أنفسهم.. النتيجة) وكل ذلك بأسلوب حواري معقلن، بعيداً عن العواطف والنحيب التي هي من حقوق الجمهور.. فلما نسلب الجمهور حقه في التعبير عما يدور في داخله، لما نبتعد عن واجباتنا ونلبس ثوب الآخر.. الصحفي من واجبه نقل الحقيقة الجميلة ليمنح الجمهور الأمل، ونقل الواقع المؤلم ليبكيه، منذراً بحالة تعيسة،.. وهذا ما لم يفعله صحفيو “هدوء نسبي” الذين لم يتركوا للجمهور فهم ما جرى غير بكائهم وبعض الرتوش حول تفجير هنا واعتقالات هناك.
مشهد آخر لم أفهمه.. تظهر المراسلة الفرنسية، لتقدم بلغتها الأم إحدى التقارير المتضمنة لقاء أحد الصحفيين العرب وزعيماً للـ”مجاهدين” باللغة العربية دون ترجمة ما يقال خلال الجلسة “التوعدية” عندها أحترت فيما إذا كانت القناة موجهة للعرب أم الفرنسيين.
وخلال متابعتي إحدى الحلقات، ظهر أحد الضباط العراقيين ” ملازم” حاملاً بندقيته” الكلاشينكوف” بطريقة لا تتوافق والقاعدة العسكرية التي تقول بوضع البندقية من حيث تكون فوهتها متجهة نحو الاسفل، أي عكس ما شاهدناه.
والملاحظ حين الاشتباكات بين الجيش العراقي والامريكي، هو تركيز المخرج على الا تطلق رصاصة من بندقية الجنود العراقيين، إلا وتزامنها بجملة “الله أكبر” وهو ما أعطاها بعداً إستهلاكياً سلبياً جعل من هذه الجملة شعاراً عسكرياً أكثر منه قولاً تساندياً. لملة تسأل الله أن ينصرها على أعدائها.
ثم أن الصحفي (ناجي شرف الدين) المعتقل لساعات لم يزج به في سجن أبوغريب، بل في احدى الزنزانات القريبة والعصية على رؤية ما يدور داخل كواليسها.. فالجيش الامريكي ليس بغبي الى الحد الذي يجعل من التعذيب الدائر بين جدرانه العالية، مشروع رواية رؤيت من صحفي تم توقيفه لساعات.
فكرة العمل جريئة وتستحق الاحترام، والتصويرلم يكن بأقل قوة.. ورغم المجهود الملاحظ الذي بذله فريق العمل إلا أنه وللأسف لم يعط الجوهرحقه.
2009-09-29
خاص: نساء سورية