الرئيسية » الآثار والتنقيبات » السحر وفنون العصر الحجري

السحر وفنون العصر الحجري

بدعة فنون العصر الحجرية

يدرك هواة فنون العصور الحجرية طبيعة الصعوبات التي واجهت المهتمين الأوائل بآثار فنون ما قبل التاريخ، أثناء اكتشافات الكهوف الأولى، مثال كهف ( التاميرا، Altamira ) في أسبانيا، الذي احتوى على رسوم وصور للحيوان أنجزتها أياد ماهرة في التحقيق الفني، حين فاجأت تلك الآثار الفنية، بواقعيتها الخلابة، مثقفي القرن التاسع عشر من المهتمين بدراسة التاريخ القديم، الذين رفضوا بقسوة تصديق هذا الاكتشاف والاعتراف بوجود قدرات فنية عند إنسان العصر الحجري تناظر بقوة التعبير الفني والتحقيق الحرفي قدرات فناني الأزمان التاريخية أو الحديثة في مجال الرسم والنحت والتصوير. إن تراكم الاكتشافات المتواصلة من كهوف مليئة بصور الحيوان وتماثيل الدمى الخاصة بموضوع المرأة وآثار قطع الأثاث الخاصة بحياة مجتمع العصر الحجري، دفعت على الاعتراف والاهتمام بدراسة هذا العالم الجديد الموغل بالقدم والمغلف بالإبهام.




حلول طارئة
إن جدة مجال الدراسات المتخصصة في فنون ما قبل التاريخ وكثرة آثار الأعمال الفنية بسبب من الاكتشافات الجديدة للكهوف المرسومة، أمثال كهف ( نييو، Niaux ) وكهف ( الأخوة الثلاث، Les trois frères ) وكهف ( لاسكو، Lascaux ) في فرنسا، بالمقابل قصر التجربة وقلة الأيادي المتخصصة في هذا المجال كانت قد حفزت التصورات على إيجاد حلولاً آنية للمسائل المحيرة بسبب من التنوع الكبير في طريقة التعبير الفني التي تتصف به مواضيع الكهوف والأثاث معاً. وإن البعض من هذه الحلول كان ضرورياَ وقد ثبتت عمليته واستخدامه بنجاح في تحديد أزمان الكثير من الآثار وبالتالي أزمان النشاطات الإنسانية في وحول هذه الكهوف. مثل تقسيم العصر الحجري إلى مراحل متعددة؛ قديمة ومتوسطة وحديثة. أيضاً تحديد مراحل انتقالية بين هذه المراحل الثلاثة، من قبل ( الأب هنري بْرْوي، L’Abbé H. Breuil ) الشهير في مجال آثار ما قبل التاريخ. حيث ما زال دارسو ما قبل التاريخ يستخدمون تسميات هذه المراحل في تحديد أزمان الآثار المدروسة. أما الظاهرة الثانية في هذه الحلول الآنية فقد كانت البحث عن معاني اجتماعية في الآثار الفنية في الكهوف وفي الأثاث.




ساحر الأب بْرْوَيْ
إن أول نظرية مقنعة في محاولة فهم مواضيع رسوم وصور العصر الحجري، كانت فكرة ارتباط الإنجاز الفني بالممارسة السحرية، التي نادى بها مجموعة من المهتمين بفن العصر الحجري ومنهم ( الأب هنري بروي، الأستاذ هنري بيجوان، لانج، رايناخ، وعلماء آخرين. ) والتي انحدرت عن فكرة للعالم الإنجليزي ( لانج )، المذكور سابقاً، التي تشير إلى القيمة العملية لرسوم فن ما قبل التاريخ. وقد تأكدت نظرية الممارسة السحرية عند ( الأب بروي والأستاذ بيجوان ) بعد اكتشاف صورة ( الساحر ) وهي صورة مركبة الشكل توحي برجل متخفي بهيئة ثور ( بيزون ) في حالة رقص تذكر بصور واقعية معاصرة مألوفة عند بعض من سكان الغابات في آسيا وأفريقيا، التي سبق أن التقى ( الأب بروي ) بها أثناء عمله في تنقيب ودراسة الآثار هناك. وقد رسخت فكرة الساحر بعد توسع الاكتشافات وبعد العثور على صورة مركبة أخرى لموضوع مشابه، على وجه الخصوص، ساحر كهف ( الأخوة الثلاث )، فاشتهرت فكرة الممارسة السحرية في سبب وجود هذه الرسوم على نطاق جماهيري كوني، التي يتلخص مفهومها بأن الإنسان القديم يقوم برسم الطريدة على جدار الكهف مثل ممارسة سحرية تدخل في عملية التحضير لفعل الصيد كما للحفاظ على نسل الحيوان بالتكاثر. وبمعنى أكثر بساطة هو رسم الحيوان من أجل السيطرة عليه. وقد نشر الأستاذ ( هنري بيجوان، Henri Begouen ) بياناً فنياً في جزأين، في ( مجلة سينتيا، Revue Scientia ) لسنة 1939، أكد فيه على أبعاد نظرية السحر، في نفس الوقت، رد على الجماعة التي تقول بدافع الحاجة الجمالية وقضاء الوقت وراء فن الكهوف أي ( الفن للفن ).




ساحر كهف الأخوة الثلاث
تقوم النشاطات الدراسية المتواصلة، في الوقت الحاضر، على اكتشافات جديدة كثيرة في كهوف فرنسا التي تغتني بالرسوم الواقعية والتجريدية، مثال اكتشاف أكثر من 400 رسم ( كرافيك ) حيواني ورمزي مجرد في كهف ( لو كومبارال Les Combarelles ). وهو كهف كان قد عثر عليه في بداية القرن الماضي والذي يختص بالرسوم المعمولة بالخدش أو الحفر على الحجر. فبالرغم من ندرة الرسوم الخاصة بالأشكال المركبة، الإنسانية ـ الحيوانية في فن العصر الحجري، فإنها بازدياد متواصل مثل باقي رسوم المواضيع النادرة التي تهتم بموضوع الرجل والإنسان عموماً نسبة للعدد الهائل لرسوم الحيوان والأشكال المجردة. وبالرغم من اختلاف موضوع الصور المركبة، الإنسانية ـ الحيوانية، فإنها تقترب من وتشترك بالمزايا العامة التي يتضمن عليها مثال رسم ساحر كهف الأخوة الثلاث؛ ( رجل متوج بقرون ضبي، أنفه يشبه منقار طير جارح وعينيه مدورتين كعينين البومة، أعضاءه العليا قصيرة بصورة غير عادية، منتهية بمخالب تشبه مخالب الدب. وله ذيل حصان وعضو تناسلي لرجل يظهر بغرابة تحت الذيل. يبدو هذا الخيال الغريب ذو نصف الانحناءة وكأنه يؤدي رقصة طقسية. )( Les premiers hommes. P 114 ).





تطور مفهوم الساحر
بالرغم من انتشار نظرية الممارسة السحرية على المستوى الأكاديمي والجماهيري العالمي، كان ثمة عدد من المتخصصين ينظرون إليها بريبة العالم والبعض الآخر لم يلتفت إليها البتة ويعمل متابعاً بحوثه الخاصة في مجال تحليل الأثر من الناحية الثقافية ـ الاجتماعية، مثال الباحث ( أندريه لوروا ـ جوورهان، André Leroi-Gourhan ) الغني عن التعريف، الذي نادى بفكرته عن دينية وقداسة الكهف والذي رغم الفائدة الكبيرة التي قدمها بترتيب ودراسة طبيعة الأثر الفني الأسلوبية، إن كان الأثر في صورة واقعية أم مجردة والأهمية الرمزية والدينية الذي يمكن أن يأخذه في مكانه من الكهف، في المدخل أو في الوسط أو في الأطراف العميقة منه، لم يفلح بتقديم معان واقعية أو مفاهيم محددة يمكن لها أن تساعد على أدراك الأبعاد الثقافية ـ الاجتماعية لما سماه بحضارة العصر الحجري. إن التخبط والمراوحة في إعطاء معان معقولة ومقبولة، ما زال يلاقي دارسي الأثر الفني للعصر الحجري والذي دفع من جديد البعض، في مقدمتهم الباحث الأثري ( جان كلوت، Jean Clotte ) على تقبل الحلول السلسة بالرجوع إلى فكرة السحر الساذجة وتقريبها من فكرة دينية الكهف التي اقترحها الباحث ( لوروا ـ جوورهان ) والخروج ببنيان جديد هو فكرة الشامان التي اقتحمت الدراسات الحديثة عنوة رغم المعارضة الشديدة لعدد مهم من الأكاديميين على المستوى العالمي ( انظر كتاب الشامانية وفن ما قبل التاريخ، بالفرنسية ).




الشامان
في حقيقة الأمر، حين أشارت جماعة ( الأب بروي ) إلى الساحر ودور النشاط السحري في طقوس الصيد المفترضة أدائها في الكهف أو خارجه، إن كانت فردية أم جماعية، إنهم كانوا يعنون في تصورهم شخصية ساحر القرية الأفريقي أو الآسيوي أو أي كان من الذين ندعوهم اليوم على المستوى العالمي باسم الشامان ( استخدمت كلمة الشامان مرة واحدة في بيانهم الفني ). إن البحوث المحدودة، باللغة الفرنسية، حول طبيعة شخصية الشامان في بداية الاكتشافات الكبيرة للكهوف وبداية الدراسات لمحتوياتها الفنية لم تساعد فريق ( الأب بروي ) في تقريب فكرة طبيعة عمل الشامان وعلاقتها بالأثر الفني للعصر الحجري، فبقت فكرة الساحر الذي يمارس الرسم والتصوير والنحت، من أجل تسهيل عملية الصيد والسيطرة على الحيوان الطريدة، هي المعمول بها. أما فكرة شخصية الشامان المقترحة من قبل الباحث ( جان كلوت )، في الزمن الحاضر، فهي ليست إلا شخصية الساحر مدعومة بميراث معرفي وتقاليد دينية غير محددة في الزمان والمكان، فهو يجمع، في تكوين شخصية الشامان، بين ممارسات بدائية معاصرة تعتمد على دراسات الباحث ( دافيد لفيز ـ وليامز ) وظاهرة أشكال الهلوسة المعاصرة تحت تأثير المخدرات. باختصار إن الشامان يعمل، في غالب الحال، أما تحت تأثير أنواع تقليدية غير محددة من المخدرات أو أن يعيش حالة نفسية خاصة يتم بها التحول التدريجي إلى تقمص شخصية الحيوان أو الدخول في علاقة مع كائنات وأرواح خيالية، حيث يطغي على هذه الحالة عالم من الهلوسة الكلامية والشكلية، هي الناتج النهائي والمحصول الفني الذي سيتوصل إليه هذا الشامان كجواب للأسئلة الملحة التي يتوجب عليه حلها. يؤكد ( جان كلوت ) بأن الأشكال المجردة والبعض من الصور الواقعية في الكهوف هي من إرهاصات هلوسة الشامان.




غنى التنوع الفني

تتجاوز أعداد الأشكال المجردة، التي لسنا بحاجة للكلام عن رمزيتها الدينية أو هدفها التسجيلي ـ الإعلامي، أعداد الرسوم المستعارة من الطبيعة أو ما اصطلح عليه بالرسوم الواقعية. لقد ترك إنسان العصر الحجري ميراثاً فنياً وحياتياً يتجاوز بالحجم والأهمية تصوراتنا عن الأصول الابتدائية للمعارف البشرية وبداياتها التاريخية الحقيقية، حيث إن الكثير، بله أغلب معارفنا التعبيرية الفنية والأدبية لها جذور ضاربة في هذا العصر الحجري، ابتداءً من كيفية التعبير عن الفكر والنفس أو المعتقد، بواسطة الرسم والتصوير والنحت وما صاحبها من أسلوب، إلى استخدام التعبير الأدبي الكتابي الذي يرتبط كمادة وكأساس باللغة الرمزية المجردة. إن التنوع الذي هو من الصفات المميزة لفن العصر الحجري، التنوع الأسلوبي مثل التنوع في الموضوع، يفصح عن الطريق الرصينة التي سلكها فنان العصر الحجري في التعبير وفي تمثيل حاجات مجتمعه النفسية والثقافية في الزمان وفي المكان. كذلك يفصح عن وضوح الهدف من هذه الرسوم دون اللجوء إلى تفسيرات أنتاج عمل الصدفة المعتمد على النشاط السحري أو تصورات هلوسة الشامان التي لا يحدها قانون.




سحرية الصيد
يؤكد البيان الفني لجماعة الممارسة السحرية في فن العصر الحجري على سحرية الرموز والأشكال التي صاحبت صور الحيوان، إن كانت محققة في داخل صورة الحيوان، مثال الرموز التي تشبه السهام والحراب، أو الأشكال الأخرى التي توحي بالجروح القاتلة للحيوان. أو كانت محققة بجانب صورة الحيوان، مثل تلك الرموز الشبكية التي توحي بموضوع صورة الفخ. لقد استنتج أصحاب نظرية السحر معاني هذه الرموز بطريقة الترجمة الحرفية لمعنى الصورة الواقعية، بمعنى قراءة الشكل كما هو عليه وبدون شكوك إضافية، أيضاً قراءته بما يدعم موضوع نظريتهم السحرية. لقد رأوا في تلك الرموز سهاماً وجروحاً ودماءً نازفة، في حين، كانت هذه الجماعة تعرف جيداً إن أدوات صيد إنسان العصر الحجري غير مؤهلة لصيد الحيوانات الكبيرة مثل البيزون والحصان والماموث. أيضاً، إن مكان آثار الجروح ومكان السهام المفترضة لا تشكل المناطق الحساسة أو الخطرة التي تؤدي بحياة الحيوان. وقد أكدت الدراسات المتأخرة في آثار العظام على أن أنواع الحيوان التي كثر تصويرها في الكهوف لم تكن ضمن الطريدة المشاع اصطيادها، إنما العكس، إن حيوان الضبي، الذي كان يشكل الطريدة المفضلة، كانت صورته الأقل حضوراً بين رسوم الكهوف.




الصنو ومفهوم محاكاة الطبيعة
يؤكد البيان الفني لجماعة ( الأب بروي ) على أهمية الصنو ( الشبه ) في العملية السحرية عموماً، إن كانت في سحرية الصيد أو سحرية التكاثر أو سحرية الدفاع عن النفس، التي تتلخص برسم أو تركيب صورة مطابقة للحيوان المعني، تحت ذريعة إن إنسان العصر الحجري يعتقد بوجود نسخة شبه غير محددة الطبيعة، مادية أو روحية، لكل من الموجودات الحية والجامدة. إن فكرة الصورة الصنو لا تنفصل عن فكرة مفهوم محاكاة الطبيعة في العمل الفني في ذهنية جماعة ( الأب بروي ). إذ تعتمد فكرة ( مفهوم ) محاكاة الطبيعة عند الباحثين في الإنجاز الفني لإنسان العصور الحجرية على القراءة الظاهرية للشكل، على سبيل المثال صورة الحيوان، التي لا تتجاوز الإحساس المباشر بالتعرف على هوية الحيوان المشخص بالصورة، ذلك عن وجود عنصر الشبه الذي يمكن استخلاصه بالتعرف على نوع أو جنس الحيوان. يتضمن هذا المفهوم على الكثير من السذاجة في فهم طبيعة العملية الفنية. ثمة فرق كبير بين مفهوم محاكاة الطبيعة ومفهوم التعبير الواقعي في الفن، حيث نرى التعبير الواقعي في العملية الفنية يستجيب إلى كل شروط الإبداع وصفاته من المبالغة والحرية في تكوين الأشكال، في حين، إن المحاكاة تنحو إلى الحرفية التطبيقية التي تخلو من الفنية. ولا تستغني مثل هذه الإنجازات من صفات المبالغة والحرية في العمل الدراسي للشكل المطلوب تمثيله، حتى في تلك الحالات الدراسية الضيقة، باختصار، إن مفهوم محاكاة الطبيعة لا يستند على معنى مدرك.




زيف مفهوم المحاكاة
كانت قد تمت دراسات تحليلية وافية للكثير من الآثار التي خلفها الإنسان القديم أثناء تحقيقه صور جدران الكهوف ومواضيع صور الأثاث، أيضاً، دراسات تحليلية لما تضمنته من مواضيع تصويرية واقعية وتجريدية، لكن أغلب الآراء المطروحة حول المفاهيم الفنية في تلك الدراسات لم تتجاوز الشكل الظاهري والبعد الحرفي لها، فثمة اتفاق جماعي حول وصف أسلوبها العام بما يدعى بالواقعية حسب مفهوم محاكاة الطبيعة وهو مفهوم ينتمي للعصر الوسيط، إنه يتأكد عند معاصرينا بسبب من تأثرهم واندهاشهم بالمهارة التي تحلت بها القدرات الفنية لإنسان المجتمع الصياد، التي اعتمدت بالأساس على الملاحظة الدقيقة والتعبير المباشر عن معارفه العامة حول طبيعة الحيوان الواقعية. وبحكم عملهم كأثريين لا يدركون تعقد طبيعة العمل الفني. إن الأخذ بمفهوم محاكاة الطبيعة في فهم الإنجازات الثقافية لمجتمعات العصور الحجرية أدت إلى استمرار الاعتقاد بنظرية الممارسة السحرية، التي انحصرت بمعنى محاكاة الطبيعة من أجل السيطرة عليها. إن فكرة السحر البراقة، التي لا علاقة لها بطبيعة الفن، كانت قد طغت على أغلب المواضيع التي تناولت موضوع أصل الفن، بالرغم من تخلي عدد من متخصصي علوم ما قبل التاريخ عن الاعتقاد بنظرية السحر هذه، لكنهم بقوا محافظون على مفهوم محاكاة الطبيعة في الكلام عن الصور الفنية لإنسان العصور الحجرية.



الاستعارة والواقعية
الاستعارة من الطبيعة، فعل أزلي في الفن. وهذا الفعل لا يتم باستقلالية الشكل ( الحيوان ) عن تصور الفنان الصياد في العصر الحجري. إن الشيء الثابت الحقيقي في العمل الفني هو ذاتية الإنسان، أما الشكل الطبيعي المستعار من الطبيعة، لا ثبات له في الواقع، فأن وجوده في الطبيعة يمنحه معنى ذاتياً يخص الحيوان وحده. يكون للحيوان في الطبيعة ميزة جديدة في كل وضعية من حركاته المتغيرة وليس لفنان العصور الحجرية حاجة في إتباع مجموع تلك الوضعيات من أجل التعبير عن الحيوان، لكنه عبر عن وضعية لها تأثير خاص على نفس إنسان تلك العصور، الفعل الذي أضفى عليها صفة الواقعية في الهيئة وفي الموضوع. وبالإضافة إلى مزايا الحيوان الطبيعية التي مثلت بواقعية مدهشة على جدران الكهوف وفى الأثاث، ثمة ميزة إضافية، هي الوعي الذاتي الخاص بصياد العصور الحجرية، الفكرة الأهم في هذا الموضوع؛ لم يكن إنسان المجتمع الصياد للعصور الحجرية مهتماً بتقليد مزايا الحيوان، الذي يعرفه عن قرب قريب، بقدر إضفاءه عليه من صفات بشرية، إن الصفة البشرية تكون الموضوع الأول والرئيس الذي يتوجب متابعته في إنجازات إنسان العصور الحجرية الفنية.




الجانبية في رسم الحيوان
تتضح واقعية التعبير في موضوع الحيوان عند فناني العصور الحجرية في البعض من أهم الملامح الفنية؛ في استخدام الجانبية في طريقة رسم هيئة الحيوان، أيضاً، المبالغة في اتساع أو صغر أحجام رسوم موضوع الحيوان المحققة على جدران الكهوف. حيث تؤكد هاتان القيمتان على قيمة الوعي البشري والمشاعر المضافة في موضوع الحيوان.
تضمنت رسوم هيئات الحيوان، في أروقة الكهوف وفي أعمال الأثاث، على صفة مشتركة هي التحقيق الجانبي لصورة الحيوان. إن الأهمية الأولية لصفة الجانبية في رسم الحيوان كقيمة أولية في الفن، جعلت منها قيمة ذات حضور تاريخي في النشاط الفني العالمي.
إن أفضل واحكم طريقة لرسم صورة الحيوان كاملة تتحقق برسم هيئته الجانبية، حيث يكون ممكناً إظهار وتوضيح مجموع أعضاءه في حدودها الخارجية. لكن في هذه الحالة تكون الصورة كاملة من جانب واحد وليس من جانبين، لأن فكرة الصورة الطبيعية للحيوان توجد في ذهنية الفنان الصياد حسب. وإن الصورة الجانبية هي تعبير فني لها. إن الهدف من تحقيق هذه القيمة الأولية في العملية الفنية، ليس محاكاة الطبيعة، بل التعبير عن معلومات ضرورية رئيسة، مقنعة بواقعيتها عن كينونة الحيوان. إن هذه القدرة على ترجمة مجموعة من الملاحظات أو المعلومات أو الأفكار إلى فكرة واحدة مختلقة جديدة، تعبر بحق عن الصفة العامة التي تقود العمل الفني إلى كماله. أيضاً تعبر عن الصفة الخاصة بالإنسان في وعيه لبشريته. التي يتم إسقاطها على الحيوان في العمل الفني وفي وجوده في الطبيعة على حد سواء.




تقليدية فن العصر الحجري
قطع إنسان العصر الحجري أزماناً خيالية في ممارسة الإنتاج الفني على تنوع أشكاله وتحقيقاته الحرفية والأسلوبية، كذلك في تنوع الطبيعة التعبيرية التي تعتمد على الحرية بطرح أي موضوع من ضمن المواضيع التي غدت منذ زمن طويل مصنفة أو ( كلاسيكية ) في الإنتاج العام في فن ما قبل التاريخ. إن الملامح العامة للتجربة الذاتية لفنان العصر الحجري تعلن بوضوح عن صفة التقليدية في إنتاجه الفني، ففي مواضيع رسوم الحيوان نلتقي بكل الأشكال على اختلافات تحقيقاتها الجمالية، محققة في آن ومكان واحد، هذه الرسوم التي انتمى كل شكل منها إلى فترة محددة من زمن تجربة فناني العصر الحجري، مثل تحقيق صورة الحيوان كاملة أو الاقتصار على رسم مقدمة ورأس الحيوان أو أي جزء آخر من هيكله. إن التجربة المكتسبة في فترة معينة تحافظ على ثبات طبيعة موضوعها وعلى طبيعتها الأسلوبية الأولى كموروث مصنف مستقل، في نفس الوقت، هي عرضة للتطور، إن هذه الاختلافات التعبيرية هي المخزون المعرفي والموروث الثقافي الذي يمنح الفنان التقليدي الحرية في العمل والقوة في الإنتاج، أي إن الفنان يلجأ إلى طريقة التعبير هذه متى شعر بالحاجة إليها. إن التطور في الفن التقليدي يشبه في كثير من الأحوال اللغة المكتوبة، فهي تبدو جامدة في المكان وثابتة في الزمن، بسبب من تحركها البطيء جداً. ففي فن ما قبل التاريخ نجد الموضوع الحيواني، على سبيل المثال في صورة الثور، ثابتة بسبب من تكرارها الملح، السبب الذي لا يسمح لغير المتخصص أو العارف باللغة الفنية ملاحظة الإضافات الشخصية الأسلوبية للفنان الذي أنجزها. ففي الفن التقليدي نشعر بهذا التطور من خلال تلك الإضافات الفردية التي نسميها باللمسات الأسلوبية الشخصية.




تعدد المواضيع والأساليب
استخدم فنانو العصور الحجرية أساليب فنية – تعبيرية مختلفة الطبيعة، فبالإضافة إلى موضوع الحيوان الذي أنجز، تارة بالنحت البارز أو المجسم ( المدوَّر ) وتارة بالرسم البسيط وبالحفر أو بالتصوير الملون، يأتي موضوع المرأة الحبلى الذي شاع تحقيقه في النحت المجسم ( المدوَّر ) وفي النحت البارز الذي يندر استخدامه. ثم نلتقي برسوم أخرى تهتم بموضوع مبهم يعزى لموضوع الرجل، كانت قد حققت بأسلوب تخطيطي مبسط للغاية، ( إن اقتصاره على بعض الخطوط المبسطة هو ظاهرة ممكن تعميمها على مجموع هيئات رسوم موضوع الرجل في العصور الحجرية ). إن الأهم في هذا التنوع الأسلوبي هو تلك الأشكال المجردة التي تعلن عن رمزيتها من خلال إلحاح إنسان تلك العصور على استخدامها المتواصل. جاء استخدام هذه الرموز المبهمة متصاحبة مع مواضيع صور الحيوان، أو إنها حققت على حدة في مكان من الكهف، أيضاً، نعثر عليها في أعمال الأثاث، من أدوات الصيد وغيرها من الأدوات العملية. إن تكرار استخدام هذه الأشكال الرمزية وعلى مدى طويل من التاريخ، يدل على قدم ظهورها وعلى تطور إمكانية التعبير الاصطلاحي عند إنسان العصور الحجرية القديمة، أيضاً، يدل ذلك على وجود وعي مسبق على اختيار الأشكال والمواضيع التي نجدها في أعمال الجدران الصخرية أو في العظام من أعمال الأثاث. إن التنوع الأسلوبي عند الفنان الصياد في فترات ( الجرافيتي والسولوتري والمجدالي ) في التعبير الفني عن مواضيعه الملحة، يؤكد باستمرار على وجود هذا الوعي المسبق باللغة التشكيلية. إن هذا التنوع الأسلوبي ضمن الرؤية التقليدية التي يعمل خلالها فنان ما قبل التاريخ لا تسمح لمفاهيم غريبة عن الطبيعة الفنية مثل ( الممارسة السحرية ) بالتحكم في اختيار المعاني الواقعية لمواضيعه الفنية.

الأشكال المركبة
تغتني التجربة الإنسانية في الفن بمواضيع الأشكال المركبة؛ الإنسانية ـ الحيوانية والحيوانية ـ الحيوانية، التي أصبح القصد منها واضحاً في التعبير عن الظاهرة الطبيعية في تعقدها وتداخلها، مثل صورة العلاقة المباشرة بين الريح والمطر، أو العلاقة الخفية بين الشمس وتفجر ينابيع المياه. أو التعبير عن ظاهرة تاريخية تقليدية من خلال الموضوع الحيواني مثلما هو شائع في أشكال الآلهة الفرعونية التي تطغي عليها الهيئة الحيوانية, إن ظاهرة الأشكال المركبة في الفن التي أصبحت مألوفة عند المبتدئين من طلبة تاريخ الفن، مازالت غير مدركة عند فريق مريدي نظرية الممارسة السحرية في فن العصر الحجري، إن كانت في شكلها القديم لجماعة ( الأب بروي ) أم عند ( جان كلوت ) في نظريته عن فنية الشامان. إن الرسوم والصور القليلة، التي مثلت هيئة مركبة بين إنسان وحيوان والتي ترجمت بفهم مباشر على أنها صورة للساحر أو الشامان وهو يؤدي رقصة لطقس سحري مبهم، ليست من الواقعية بشيء، لأنها لا تختلف بطريقة التعبير عن تلك الرسوم والصور المركبة التي يزخر بها فن العصر الحجري، بين إنسان وحيوان وبين أكثر من حيوانين، أو بين رموز تجريدية ومقاطع من أشكال حيوانية وإنسانية، أو حتى بتلك الأعداد الهائلة للرسوم المتطابقة الغالبة في فن ما قبل التاريخ.

سحرية الكلمة
إن الممارسة السحرية فكرة حديثة في النشاط الثقافي الإنساني، إنها ناتج اجتماعي مديني لا علاقة لها بمجتمع صياد العصور الحجرية، إنها ممارسة متطورة في الوعي الديني الأكثر تعقداً، مثل الابتهال الديني الفردي أو الجماعي، الذي يكون تأثيره أقوى وأكثر فعالية في الحالة الجماعية، ليس بتحقيق المطلوب فعلاً، إنما تأكيد معناه كقوة مؤثرة تتحقق بجمع المجموع، الذي يكون الهدف الحقيقي من هذه الممارسة، التأثير على كل فرد من الجماعة.
تتأكد فكرة القوة السحرية في القوة الإلهية القادرة على كل شيء، حيث تتضح هذه القوة القادرة في استخدام الكلمة في أديان الحضارات التاريخية، مثل السومرية والفرعونية، على وجه الخصوص، في موضوع القوى السحرية الخفية المقرونة باستخدام الكلمة وسلطتها على مصير الموجودات. ففي الحضارة السومرية نجد الإله القدير ( آنكي ) يقرر المصائر بواسطة الكلمة، وإله الفراعنة ( تم ) خلق نفسه بمجرد أن لفظ أسمه. وتتكرر هذه الظاهرة، بشكل أو بآخر، في أديان لاحقة، ففي المسيحية يصبح الرب هو الفعل ـ الكلمة وفي الإسلام تتعمق القوة السحرية القادرة في كلام الرب الخالق الذي يقول كن فيكون.
أما في العصر الحجري فأن استخدام الكلمة لم يصل بعد إلى مستوى عال من التعبير المباشر، فبالرغم من الرموز الكثيرة من الرسوم المجردة والرسوم الواقعية التي تركتها مجتمعات العصر الحجري، للفترات القديمة والحديثة، فإن الصيغة العامة في استخدام هذه الرموز، بالرغم مهمتها الإخبارية، لا تبين على أنها ذات استخدام كتابي مفصل كما هو حادث في المجتمعات اللاحقة التي استخدمت الكلمة في جملة مفيدة بالتعبير عن الفكر والمعتقد والحدث. إن هذه الرموز تنتمي إلى تعبير لغوي من نوع آخر يقترب من الرمز الحدث ـ الجملة وليس الفعل الكلمة كما في اللغات الحديثة. إن ضمور الكلمة المكتوبة في ثقافة العصر الحجري لم يساعد ولادة ظاهرة الممارسة السحرية كما يفهمها الرجل المعاصر وكما اقترحتها جماعة ( الأب بروي ) من السلف والتابعين. فأن كانت ثمة ممارسة روحانية في العصر الحجري فهي هذه الرسوم والصور نفسها، على أنواعها وطبائعها، أي إن الممارسة الفنية المتمثلة في هذا الإنتاج الفني العظيم لا تنفصل عن الممارسة الروحانية أي كانت طبيعتها الدينية، فالممارسة الدينية هي نفسها محققة في الممارسة الفنية. ومن الممكن تعميم هذه الظاهرة على إنتاج الحضارات التاريخية القديمة، مثل السومرية والفرعونية، لكن على مستوى آخر من الفهم الفني.

التصور
كان إنسان العصر الحجري القديم ( فترات إنتاج الفنون التشكيلية ) قد أدرك القوى الإنسانية الكامنة عنده، الإدراك المتمثل بظاهرة الوعي الذي ميزه عن الطبيعة المحيطة به، على وجه الخصوص، كينونة عالم الحيوان، إدراكه لقوة التصور لديه وإمكانية التعبير عن هذا العالم المحيط، أي تحقق العملية الذهنية مادياً وبصورة آنية، مثل، تصور طبيعة الحيوان الواقعية، ميزاته المعلنة والخفية والتعبير عنها باليد والكلمة. إن التجربة الذاتية لإنسان العصور الحجرية القديمة، كانت قد كونت نوعاً من المعارف الضرورية التي خلقت تصوراً إضافياً جديداً، لا علاقة له بالعالم الخارجي، إن كان صديقاً أم معادياً، إنما له رابطة بالطبيعة البشرية. الشيء الذي دفع عملية التعبير الفني إلى الأمام، في التصور وإعادة التصور، في كل الأشكال الذهنية المألوفة عند الإنسان من إمكانية التذكر والحلم والتفكير والمخاطبة، أي اجتماع هذه الملزمات الضرورية لتكوين العملية الفنية أو القدرة على إعادة تصور وخلق العالم .

عباس باني حسن ـ فرنسا
www.abbas-bani-hasan.com