الرئيسية » مقالات » السلام والديمقراطية في خارطة أوباما الجديدة

السلام والديمقراطية في خارطة أوباما الجديدة

بدأ القلق ينقر الكثيرين من نشطاء حقوق الانسان ودعاة الحريات والاصلاح في الشرق الأوسط، وخاصة السوريين منهم ، بعد التوجه الأمريكي في تفعيل عملية السلام والسير في مشروع الدولتين، و النيّة في تبني المفاوضات السورية – الإسرائيلية، وكذلك تقديم معونات أمريكية لكل من النظامين المصري والأردني لأجل المساهمة في إحلال السلام داخل المنطقة.
أوباما أول خطوة له في هذا الإتجاه كانت هي إعادة العلاقات الدبلوماسية مع سوريا كونها طرفا هاما في معادلة السلام واستقرار المنطقة ( نظرية أوباما) ، وذلك عبر مبعوث وزارة الخارجية جورج ميتشل الذي قام بزيارة الأسد من أجل مناقشة تحسين العلاقات العسكرية و القيام بالتخفيف من بعض العقوبات, مع بقاء باقي العقوبات سارية المفعول. و الآن فإن الإدارة مقتنعة بأن بإمكانها أن تقنع الأسد بالتخلي عن بعض عاداته السيئة مثل دعم المجموعات الإرهابية و التدخل في شؤون جيرانه الداخلية، و الحفاظ على علاقات وثيقة مع إيران.
وقد أخبر فيصل مقداد نائب وزير الخارجية السوري أحد الصحفيين بأن سوريا ” قد تلقت تأكيدات بأن العلاقات ما بين البلدين يجب أن تستمر على أساس المصالح المتبادلة و الأهم من ذلك الاحترام المتبادل, و نحن حقيقة نرحب بمثل هذا الاتجاه”.
والجدير ذكره أن العلاقات السورية الأمريكية قد شهدت تطوراً ملحوظاً منذ تسلّم أوباما مهامه في البيت الأبيض ، وقيام وفود أمركية من الكونغرس ومجلس النواب بزيارة دمشق والتي انتهت بإعادة أمريكا لسفيرها إلى سوريا.
يعتقد الرئيس الأمريكي أن إحلال السلام في المنطقة هي فرصة للعمل على نشر الديمقراطية وثقافة الحريات وحقوق الإنسان ، وتشجيع الأنظمة والحكومات على الحكم الرشيد والعدالة مع مواطنيها.
لكن ذلك سيتم عبر تقديم الدعم إلى الحكومات للمساهمة في تأسيس مجتمعات مدنية ومؤسساتية. وهذه سياسة خطيرة تقوّي من أنظمة الشرّ وتزيدها شراسة وقمعا ، على عكس بوش الذي كانت استراتيجيته تقوم على دعم منظمات المجتمع المدني لتحقيق الديمقراطية، ودعوة الحكام إلى ممارسة الديمقراطية وتداول السلطة.
ترى الدكتورة مارينا أوتاوي من مؤسسة كارنيجي للسلام العالمي: أن الاعتماد على الحكومتيْـن، المصرية والأردنية، في دعم التحوّل الديمقراطي عِـوضا عن مؤسسات المجتمع المدني، يمثِّـل تنازُلا من إدارة أوباما للنِّـظامين، مقابل تأمين مساعدتهما في عملية السلام، ويشكل عدم رغبة إدارة أوباما في ممارسة الضغط على الأنظمة العربية لتحقيق التحوّل نحو الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان.
الجنرال برنت سكوكروفت المستشار السابق لشؤون الأمن القومي طالب الرئيس أوباما بتغيير الأسلوب الذي درجت عليه الولايات المتحدة في التعامل مع المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وذلك بالاكتفاء بتوفير مائدة التفاوض والانتظار، على أمل أن يتمكّـن الجانِـبان من التوصّـل إلى اتِّـفاق، مؤكِّـداً أن “الحلّ الوحيد للصِّـراع العربي الإسرائيلي سيكون في شكل مُـبادرة سلام أمريكية، تأخذ في اعتبارها التصوّر المعروف للحلّ من خلال مُـفاوضات الجانبين على مدى رُبع قرن، على أن تتوقّـف الولايات المتحدة عن مساندة الجانب الإسرائيلي على حساب الجانب الفلسطيني، وبحيث يمكن للمفاوضين أن يعودوا إلى شعوبهم ويقولوا لم يكُـن هذا ما طلبناه، ولكن الأمريكيين جعلونا نقبل هذا الحلّ الوسط”.
أعتقد أن الإدارة الأمريكية حتى ولو استطاعت أن تشرف مباشرة على عملية السلام ومفاوضاتها ، فإنه لن يكون بالامكان تحقيقها بسهولة في ظلّ فقدان حسن النوايا من الأطراف جميعها، ومدى الجدية في الوصول إلى نهاية مشروع السلام. لأن ما يجري هو لعبة سياسية ، وصراع بين قوى في حالة لاحرب ، ولا سلم؟
وخاصة أن اسرائيل تسير في بناء المستوطنات واضطهاد الفلسطينيين ، وترد حماس وغيرها بالصواريخ والعمليات ، اضافة إلى الصراع الفلسطيني – الفلسطيني، والدور السوري في بث الفوضى داخل المنطقة ومحاولة الأسد صناعة وجبة سلام سريعة تحمي ما ورثه من أبيه لعقود أطول، وحصوله على الحبّ الأمريكي اقتصاديا وسياسيا عبر سياسة الترغيب والترهيب، فهو الذي أطلق تهديده ببث الفوضى تحت شعار المقاومة ، من خلال الدورة السادسة والثلاثين لمجلس وزراء خارجية الدول الاسلامية الذي عقد في دمشق قبل شهور، حيث حذر من اضطرابات تعمّ المنطقة بسبب رفض إسرائيل للسلام، ودعا إلى تضافر الجهود لمحاكمة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت في قطاع غزة والإسراع في إعادة إعمار القطاع ورفع المعاناة عن أهله.
واعتبر أن “العمل السياسي يعطي الحق للمقاومة في القيام بواجبها من أجل استعادة حقوقها الشرعية”، مضيفا أن لغة التوسل “لن تحقق لنا شيئا، والعالم لا يعترف به سوى الأقوياء ويجب ألا نسمح بانتهاك سيادتنا”.
الصوت السوري فيه ترهيب وترغيب، وعرض مزادي إلى الأمريكيين بالمساهمة السورية في حلّ مشاكل العراق ولبنان وفلسطين ، مقابل رعاية أمريكية مباشرة لمفاوضات السلام ، وقد تتخلى دمشق عن صداقة طهران وحلفها مقابل أثمان باهظة ، وتغاضي عن ملف الحريات وحقوق الانسان، وإدارة أوباما ما زالت تأخذ الحوار والعلاقة مع نظام دمشق من منطلق التجربة ، واعطاء فرصة لدمشق لإظهار حسن النوايا والأفعال. أي جذب النظام السوري إلى الملعب الأمريكي ومدّه ببعض الفتات السياسي والدبلوماسي ، وحساب ضربات القلب السوري خلال زمن معين. وهل يمكن للأسد من الالتزام بالعهود واستيفائها ، وضمانة البقاء على وتيرة واحدة ترضي واشنطن واسرائيل.
لكن في النهاية ما يهم هو ما بعد السلام ، وقضية الديمقراطية وحقوق الانسان ومدى امكانية العيش المشترك ، في ظلّ انتشار ثقافة الكراهية والعداء بين العرب والاسرائيليين، والإسلام الاصولي وتناقضاته ، والتطبيع والمقاومة ، وإمكانية الاعتراف بالدولة الإسرائيلية أم لا؟ هل يمكن للرئيس أوباما التغاضي عن اضطهاد الأنظمة للشعوب مقابل مصالح أمريكا القومية؟ حقيقة هناك همس داخل واشنطن أن الرئيس سيسير بعملية السلام أولا ، وبعدها تأتي الحريات وحقوق الانسان. والنتيجة أن الديكتاتوريات هي أحصنة العهد الجديد لقيادة الشرق الاوسط الى السلام ، فهل من متفائل وتفاؤل؟