الرئيسية » شؤون كوردستانية » حقبة الفدرالية الثانية في كوردستان 2

حقبة الفدرالية الثانية في كوردستان 2

من حق شعب كوردستان العراق بعد تقديم دستوره الأول في تاريخه الذي يسمو الى مصاف الانجازات الدستورية الكبرى في التاريخ أن يمارس في كنفه حقه الديمقراطي الأساسي في خوض الانتخابات التشريعية والرئاسية بكل حرية وارسال ممثليه الى برلمان اقليم كوردستان الفدرالي
بعد أن تم تعديل قانون الانتخاب قبل أشهر بزيادة نسبة تمثيل المرأة الى ( 30% ) وخفض سن الاقتراع الى ( 18 ) عاماً وأن لاتقل حصة تمثيل القوميات غير الكوردية عن ( 11 ) مقعداً من أصل 111 والنتيجة مهما كانت لن تحجب حقيقة حصول الحراك الشعبي العام وتوالي طرح البرامج على الرأي العام وما رافقتها من نقاشات وحوارات وندوات والاهتمام الملحوظ من جانب قطاعات المجتمع المدني بمتابعة وسائل الاعلام وابتكارات الدعاية وخاصة في المدن الكبرى مثل أربيل والسليمانية ودهوك التي فاقت أحدث ما توصل اليه العقل البشري والتكنولوجيا المتطورة وفي خضم هذه المعركة السياسية التي اتخذت أحيانا الطابع الشخصي والمناطقي بين سائر الأطراف التي تستخدم فيها على صعيد كوردستان أكثر من عشر أقنية فضائية تلفزيونية وعشرين أقنية أرضية وعدداً مماثلاً من محطات الاذاعة في مدار الساعة ماعدا تقارير وتغطيات مراسلي الفضائيات العراقية والعربية الى جانب مئات الصحف والمجلات والمواقع الألكترونية تدنو في بعض الأحيان الى حدود المواجهات الساخنة وطرح الرأي الآخر وتبادل حملات النقد المعززة بالأرقام والوثائق في حالات عديدة بدأت الجماهير الواسعة تكشف ازاء هذه الشفافية الجديدة أمورا كانت غائبة عنها مما سيعزز من وعيها لمصالحها والمطالبة بما لم ينجز من استحقاقاتها وتعمق مشاركتها في صنع القرار هذا الى جانب تعلم المزيد من وسائل وآليات العملية الانتخابية واكتساب الخبرة في مجال الثقافة الديمقراطية.
مع أن ذاكرة شعب كوردستان مازالت تحتفظ بنوع من الوفاء للحزبين الكوردستانيين الرئيسين ( الديمقراطي والاتحاد الوطني ) لدورهما التاريخي البارز في الحركة التحررية الكوردية في العراق في مرحلتي الكفاح المسلح والنضال السلمي المرتبطتين أساسا باسم الزعيم القومي الراحل مصطفى البارزاني وتجربة بناء الكيان الفدرالي ومنح الأفضلية لقائمتهما الموحدة أمام قوائم مجموعات الاسلام السياسي وجماعات قد تكون سهلة المنال في معادلات النفوذ الاقليمي والمجاور وتستخدم كموطىء قدم أو القيام بدور طابور خامس للأطراف المعادية من الداخل والجوار لشعب كوردستان وانجازاته وعلى رأسها كيانه الفدرالي الفتي نقول الى جانب هذه الحقيقة فان النخب الثقافية ونشطاء المجتمع المدني والفئات المستقلة ليسوا بوارد التوقف كثيرا على المسميات الحزبية واهتمامهم غير منصب على تفاضل هذا الحزبي على ذاك الا في حدود مقاييس عملية واقعية ولاشك أن سنوات سلطة الحزبين في بداية تجربة الحكم وعظم المسؤولية والتعقيدات المرافقة للقضية الكوردية عراقيا واقليميا ودوليا وما جلبت تجربة ادارة السلطة من مظاهر الفساد والخروقات القانونية والأخطاء وضعف الخدمات الحياتية الأساسية ورغم تحقيق كل تلك الانجازات التاريخية السالفة الذكر قد خلقت انطباعا سلبيا لدى المواطن العادي وقللت من رصيد الأحزاب في السلطة وخارجها على السواء وهي ظاهرة لاتقتصر على الاقليم فحسب بل تشمل أداء أحزاب الحركة القومية الكوردية في سائر الأجزاء وكذلك العراق وبلدان المنطقة عموما في مجال القبول الشعبي وبالتالي تقلص الاهتمام بالمشاحنات الحزبية الضيقة خاصة في أجواء تشابه البرامج والشعارات والوعود الانتخابية وكما يلاحظ فان المزاج العام قد يفضل برلمانا متوازنا تعدديا بعيدا عن الاستقطابية الحادة يجد تحت قبته معارضة نشطة أمام الموالاة حسب الأصول الديمقراطية ومن أجل صيانة مكاسب الشعب والسهر على مصالحه والتقليل من المظاهر السلبية واذا ما تحقق ذلك ستكون باكورة تجربة جديدة واعدة جديرة بالاهتمام في مجتمع كوردستان.
من أهم تقديمات مابعد الحرب الباردة في بداية القرن وفي ظل النظام العالمي الجديد الذي يشكل العالم الرأسمالي محركه الرئيس بما يتعلق بحركات التحرر الوطني تأتي التجربتان الانتخابيتان الديمقراطيتان الفلسطينية والكوردستانية في المقدمة من حيث حدوثهما في ساحتين تتجذر فيهما ثقافة الكفاح القومي الثوري والصراع التناحري مع الشوفينية العنصرية مرشحتين لبناء كيان – الدولتين سلميا بعد مرحلة الثورة والكفاح المسلح تتشابك فيهما عوامل الداخل والخارج والاحتلال والاستقلال والقومي والديني والمحلي والاقليمي والاقتصاد والسياسة والسلم والحرب والمقاومة والارهاب وذلك كنموذج لآخر ما توصل اليه المجتمع الدولي بشأن معالجة القضية القومية في اطار مبدأ حق تقرير المصير حسب ميثاق الأمم المتحدة ومقاييس حقوق الانسان ولهذا من المفيد جدا ملامسة التجربتين واجراء نوع من المقارنة والمقاربة بين سماتهما العامة والخاصة في منطقتين مازالتا في طور التحرر الوطني حديثتي العهد في الادارة الذاتية وبناء الكيان ترضخان اما للاحتلال كسلطة وطنية منقوصة السيادة في الحالة الاولى او لبنود الاتفاقية الاستراتيجية الثنائية الملزمة مع بلد اجنبي في ظل البند السابع من ميثاق مجلس الأمن كاقليم فدرالي مرتبط بالمركز في الحالة الثانية.
في فلسطين : جرت الانتخابات الرئاسية في بداية عام 2005 من جانب مليون وربع المليون لمن يحق لهم التصويت وتحت انظار ومراقبة محلية ودولية فاقت اثنين وعشرين الفا من المندوبين وثلاثة آلاف صحفي وكانت المنافسة بين اربعة مرشحين الى الرئاسة والنتيجة حصول مرشح فتح الرئيس محمود عباس على 62% من الأصوات والثلاثة الآخرون وعلى التوالي : 2 و3 و 19 % وجرت الانتخابات التشريعية بداية عام 2006 حول 128 مقعداً وكانت النسب 51% لحركة حماس مقابل 35% لحركة فتح و6,% للطرف الثالث مع ملاحظة تفوق رئيس حركة فتح في نسبة التأييد على حركته التي يترأسها والتي هزمت أمام الاسلام السياسي دون حدوث خروقات كبرى وفي أجواء الهدوء وحرية المساءلة القانونية حول النتائج للجميع بخلاف ما يجري في ظل أنظمة بلدان المنطقة من تعتيم وقمع .
في كوردستان العراق جرت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في الخامس والعشرين من تموز 2009 بمشاركة مليونين ونصف المليون لمن يحق لهم التصويت ومنافسة خمسة مرشحين على الرئاسة و20 كياناً سياسياً وخمسة ائتلافات على 111 مقعداً بمراقبة ومواكبة 45 ألفاً من المندوبين من الداخل والخارج و1300 صحفي الى جانب آلاف الصحفيين المحليين وتفوق رئيس الاقليم في نسبة التصويت على منافسيه 69% مقابل وعلى التوالي 59, 0% و 1% و 3% و 25% وحصول قائمة الرئيس الكوردستانية المؤتلفة بين الحزبين الحاكمين 57% تليها قائمة التغيير 23% والاصلاح 12% وظهور معارضة علمانية قوية في البرلمان القادم من دون وقوع مخالفات مؤثرة على النتائج الرئيسة أو وقوع ضحايا وتوفر آليات دستورية وقضائية وصلاحيات من جانب المفوضية العليا للانتخابات وممثلي الكيانات والقوائم للمساءلة والمتابعة القانونية في حال توفر ادلة حول الخروقات في العملية الانتخابية بعكس الآليات القمعية المتبعة في معظم بلدان المنطقة وبهذه التركيبة التعددية الجديدة ستفتتح أمام شعب كوردستان آفاق انتقاله الى حقبة ” الفدرالية الثانية “ والتي سنتابع في حلقة قادمة مالها وماعليها.